الثالث : أن لا يبتاعد المأموم عن الإمام كثيراً 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2908


   الثالث : أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة (3) إلاّ إذا كان في صفّ متّصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب ، أو كان في صفّ ليس بينه وبين الصف المتقدّم البعد المزبور ، وهكذا حتّى ينتهي إلى القريب والأحوط احتياطاً لا يترك أن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم أو بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج

ـــــــــــــــــــــــ
   (3) ذكر (قدس سره) أنّ من شرائط الجماعة عدم وجود البعد المفرط بين المأموم والإمام ، أو من هو واسطة الاتّصال بينه وبين الإمام . وحدّده على سبيل الاحتياط الذي لا يترك بأن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم

ــ[158]ــ

وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة ، والأفضل بل الأحوط أيضاً أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإنسان إذا سجد ، بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد ممّا يتخطّى ، وفسّره بالخطوة التي تملأ الفُرَج ، وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة ، وأحوط من الكلّ مراعاة الاتّصال التام بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل .

   فنقول : ذكر جماعة ـ ولعلّه المعروف ـ أنّ التباعد الذي يعتبر عدمه في صحّة الجماعة هو المقدار القادح في صدق عنوان الاجتماع ، وهو الذي يكون كثيراً في العادة ، فمهما تحقّق القرب العرفي بحيث تحقّق معه مفهوم الجماعة صحّ الاقتداء ، ولا يعتبر الزائد على ذلك .

   وعن جماعة آخرين تحديده بالمقدار الذي لا يتخطّى ، فلا يغتفر من البعد إلاّ المقدار الذي يمكن معه التخطّي .

   والأصل في المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح ـ مع اختلاف يسير من حيث التقديم والتأخير ـ عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض ، لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى ، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد . قال وقال أبو جعفر (عليه السلام) : إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بامام ، وأىّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام وبينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة ـ إلى أن قال ـ  : أيّما امرأة صلّت خلف إمام وبينها و بينه ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة . . .» إلخ(1) .

   هكذا في الفقيه ، وكذا في الكافي والتهذيب ، غير أنّ صدر الحديث فيهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 410 / أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 1 ، 2 ، وقد تقدّمت في ص 137 .

ــ[159]ــ

هكذا : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام . . .» إلخ المذكور في هذه الرواية متأخّراً ، وقوله (عليه السلام) : «ينبغي أن تكون الصفوف . . .» إلخ المذكور في صدر هذه الرواية متأخّر فيهما عن الفقرات الثلاث المتقدّمة .

   وكيف ما كان ، فقد تضمّنت الصحيحة تحديد البعد القادح بالمقدار الذي لا يتخطّى .

   واُورد عليه : بأنّ لفظة «ينبغي» ظاهرة في الاستحباب ، ولأجل ذلك يضعف ظهور التحديد في بقيّة الفقرات في الوجوب ، بل هي محمولة على الفضل ، لوحدة السياق .

   أقول : ظاهر التحديد المذكور في الفقرات الثلاث المتقدّمة هو الاعتبار والدخل في الصحّة ، ولا موجب لرفع اليد عنه ، وقرينة السياق لا تقتضيه لتغاير الجملة المشتملة على لفظة «ينبغي» المذكورة صدراً أو ذيلا ـ على اختلاف النسخ ـ مع بقيّة الفقرات موضوعاً ومحمولا ، وأحدهما ينظر إلى غير المورد الذي ينظر إليه الآخر .

   وتوضيحه : أنّه (عليه السلام) ذكر أولا ـ على رواية الفقيه ـ أنّه ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة ، فأشار (عليه السلام) بذلك ـ بمقتضى لفظة ينبغي ـ إلى أنّ من فضل الجماعة وآدابها تماميّة الصفوف باستوائها وعدم نقص بعضها عن بعض .

   وحيث إنّ التواصل الحقيقي يتعذّر رعايته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة اشتمال الصلاة على الركوع والسجود فسّره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله : «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى» ، أي لا يكون بين الموقفين من الفصل إلاّ المقدار القابل للتخطّي ، وهو المعادل لمتر واحد تقريباً .

   ثم قدّره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله : «يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان إذا سجد» ، فإنّ المسافة التي يستوعبها مسقط الجسد لدى السجود لاتزيد على المتر ، فهو قابل للتخطّي ، وإنّما فسّرنا بين الصفّين بقولنا بين

ــ[160]ــ

الموقفين لأنّ ذلك هو مقتضى كلمة (الصفّ) ، فانّه لغة عبارة عن الوقوف بانتظام .

   فيكون المتحصّل من هذه الفقرة : أنّ من كمال الجماعة أن تكون المسافة بين موقف الصفّ اللاحق وموقف الصف السابق مقداراً يمكن التخطّي معه ، بحيث تمتلئ هذه الفرجة لدى السجود على نحو يتّصل مسجد اللاحق بموقف السابق بلا فصل ، ولا شكّ أنّ هذه غاية التواصل الممكن مراعاته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة افتقار الصلاة إلى الركوع والسجود .

   وممّا ذكرنا تعرف أنّ موضوع الحكم في هذه الفقرة إنّما هو ملاحظة المسافة بين نفس الموقفين على ما تقتضيه كلمة الصفّ على ما عرفت .

   ثم قال (عليه السلام) بعد ذلك أو قبله ـ حسب اختلاف نسختي الفقيه والكافي كما مرّ ـ  : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بامام» . دلّت هذه الفقرة على نفي الجماعة وعدم انعقادها فيما إذا كان بين الإمام وبين القوم ما لا يتخطّى .

   وهذا بظاهره يناقض ما تقدّم في الفقرة السابقة من أنّ ذلك من مستحبّات الجماعة وآدابها لا من شرائطها ومقوّماتها ، فيعلم من ذلك أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة المسافة بين الإمام ومَن خلفه في جميع حالات الصلاة التي منها حال السجود ، لا خصوص حالة الاصطفاف كي يختصّ بحال القيام كما كان كذلك في الفقرة السابقة ، وقس عليه الحال في الفقرتين اللاحقتين ، أعني قوله : «أىّ صفّ كان . . .» إلخ ، وقوله : «أيّما امرأة . . .» إلخ .

   ونتيجة ذلك ملاحظة الحدّ المزبور بين مسجد المأموم وموقف الإمام ، أو بين مسجد الصف اللاحق وموقف الصف السابق ، وأنّ البون بين هذين يجب أن لا يكون بمقدار لا يتخطّى .

   وهذا كما ترى موضوع آخر غير الموضوع السابق الذي كان متضمّناً للحكم الاستحبابي . وظاهر التحديد اعتبار ذلك في صحّة الجماعة ، ولا موجب

 
 

ــ[161]ــ

لرفع اليد عنه لأجل كلمة «ينبغي» الواردة في الفقرة الاُخرى الناظرة إلى موضوع آخر أجنبي عن هذا الموضوع .

   والذي يكشف عمّا ذكرنا من أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة النسبة بين مسجد اللاحق وموقف السابق لا بين الموقفين اُمور :

   أحدها : العلم الخارجي ، فانّ السيرة القطعية المطّردة بين المتشرّعة في إقامة الجماعات قائمة على الفصل بين موقف الصفّ اللاحق وموقف السابق بأكثر ممّا يتخطّى ، وعدم اتّصال مسجد اللاحق بموقف السابق ، سيما بعد ملاحظة الفاصل الموجود بين فرش المصلّين المقتضي للفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى .

   فنستكشف من ذلك أنّ المدار في الحدّ المزبور على ملاحظته بين المسجد والموقف ، لا بين الموقفين .

   الثاني : موثّقة عمّار «عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار وفيها نساء ، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه ؟ قال : نعم ، إن كان الإمام أسفل منهنّ ، قلت : فانّ بينهنّ وبينه حائطاً أو طريقاً ، فقال : لا بأس»(1) .

   فقد دلّت على نفي البأس عن وجود الطريق بين المأموم والإمام ، ومعلوم أنّ الطريق يوجب الفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى ، نعم لا إطلاق في الموثّق من حيث سعة الطريق كي ينافي هذه الصحيحة المتضمّنة للقدح فيما إذا كان الفصل بين المسجد وموقف السابق بأزيد ممّا يتخطّى ، بل هو ناظر إلى أنّ الطريق في حدّ ذاته و من حيث هو طريق غير قادح في الصحّة . وعلى تقدير الإطلاق فيقيّد بالصحيحة جمعاً .

   وعلى أىّ حال فالمستفاد من الموثّق عدم قدح الفصل بين الموقفين ـ المتخلّل بينهما الطريق ـ بأكثر ممّا يتخطّى .

   الثالث : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : أقلّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 409 / أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net