مساواة المأموم مع الإمام في الموقف 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2513


   وأمّا المقام الثاني : فالمشهور جواز المساواة كما في المتن ، وخالف فيه صاحب الحدائق(3) ، وهو الحق .

   ويدلّنا على المنع مضافاً إلى اقتضاء مفهوم الإمامة ، وإلى الأمر بالتقدّم في أخبار حدث الإمام كما مرّت الإشارة إليهما ، وإلى ما ورد في كيفية صلاة العراة جماعة من تقدّم الإمام بركبتيه(4) الكاشف عن أنّ أصل التقدّم أمر مرتكز مفروغ عنه ، روايات خاصّة .

   عمدتها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «قال : الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه»(5) [حيث] تضمّنت الأمر بالقيام خلف الإمام فيما إذا كان المأموم أكثر من واحد ، وظاهر الأمر الوجوب ، نعم تضمّن صدرها المساواة في المأموم

ــــــــــــ
(3) الحدائق 11 : 116 .

(4) الوسائل 4 : 450 / أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1 .

(5) الوسائل 8 : 341 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1 .

ــ[165]ــ

الواحد ، وهذا لا كلام لنا فيه ، بل ستعرف(1) وجوب المساواة حينئذ فضلا عن الجواز .

   وأمّا روايته الاُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين ، قال : يتقدّمهما ولا يقوم بينهما . . .» إلخ(2) فهي وإن كانت صريحة الدلالة لكنّها ضعيفة السند وإن عبّر عنها المحقّق الهمداني (قدس سره) بالصحيحة(3) ، لضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم(4) . وكأنّه (قدس سره) اغترّ بجلالة محمد بن مسلم ، ولم يمعن النظر في طريق الصدوق إليه .

   وقد صدر نظير هذا الاشتباه من صاحب الحدائق (قدس سره)(5) مع كونه من مهرة الفن ، فوصف الرواية التي أسندها الصدوق إلى محمّد بن مسلم بالصحّة غفلة عمّا في طريقه إليه من الضعف(6) . وإنّما العصمة لأهلها .

   وكيف ما كان ، ففي صحيحته الاُولى غنى وكفاية ، هذا .

   وقد حمل المشهور هذه الروايات على الاستحباب ، واستشهدوا له باُمور :

   منها : الصحيحة الواردة في اختلاف المصلّيين في الإمامية والمأمومية التي تقدّمت سابقاً(7) ، فانّ فرض الاختلاف والتداعي لا يمكن إلاّ بناءً على جواز المساواة .

   وفيه أوّلا : أنّ غاية ما يستفاد من الصحيحة جواز المساواة في المأموم الواحد ، و لا نضايق من الالتزام بذلك كما أشرنا وسيأتي ، ومحلّ الكلام إنّما هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 167 ـ 168 .

(2) الوسائل 8 : 342 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7 .

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 661 السطر 35.

(4) الفقيه 4 (المشيخة) : 6 .

(5) الحدائق 11 : 91 .

(6) يمكن أن يكون تصحيحه مع التفاته إلى ضعف الطريق مستنداً إلى بعض الوجوه التي ذكرها في المستدرك 23 : 204 / 298 للتصحيح ، وإن كانت بأجمعها مخدوشة .

(7) [لاحظ ص 66 ، فانّ المذكور سابقاً هو موثّقة السكوني] .

ــ[166]ــ

في المأموم المتعدّد . فمورد الصحيحة أجنبي عن محلّ الكلام بالكلّية .

   وثانياً : أنّ فرض الاختلاف لا يتوقّف على جواز المساواة ، لإمكان تصوير الفرض حتّى مع اشتراط التقدّم ، كما لو لم يشاهد أحدهما الآخر لظلمة أو عمى ونحو ذلك . وكون هذا الفرض نادراً لا يقدح بعد أن كان أصل المسألة ـ أعني الاختلاف و التداعي ـ من الفروض النادرة التي قلّما تتّفق خارجاً كما أشرنا إليه سابقاً(1) . فلا يتوجّه عليه أنّ ذلك من حمل المطلق على الفرد النادر .

   ومنها : مكاتبة الحميري المرويّة في قرب الإسناد(2) قال : «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه و رجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : وأمّا السجود على القبر فلايجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، بل يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأمّا الصلاة فانّها خلفه ويجعله الأمام ، ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ، لأنّ الإمام لا يُتقدّم ويصلّى عن يمينه وشماله»(3) .

   دلّت على أنّ الممنوع إنّما هو التقدّم على الإمام ، دون الصلاة عن يمينه أو شماله . فلا بأس بالمساواة معه في الموقف .

   نعم ، روى الطبرسي مثله في الاحتجاج ، إلاّ أنّه قال : «و لا يجوز أن يصلى بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ، لأنّ الإمام لا يُتقدّم عليه ولا يساوى»(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 68 .

(2) [لم نعثر عليه في المصدر المذكور] .

(3) الوسائل 5 : 160 / أبواب مكان المصلي ب 26 ح 1 .

(4) الوسائل 5 : 160 / أبواب مكان المصلّي ب 26 ح 2 ، الاحتجاج 2 : 582 .

ــ[167]ــ

   لكن رواية الطبرسي مرسلة فلا يعتمد عليها . والعمدة إنّما هي الرواية الاُولى المعتبرة المتضمّنة لجواز التساوي .

   وفيه أوّلا : ما عرفت من أنّ غايتها الدلالة على الجواز في المأموم الواحد دون الأكثر الذي هو محلّ الكلام .

   وثانياً : أنّها أجنبية عن إمام الجماعة بالكلّية ، فانّ الأمام في قوله (عليه السلام) : «و يجعله الأمام» بفتح الهمزة بمعنى القُدّام ، لا بكسرها كي يراد به إمام الجماعة ، إذ لا معنى لفرض القبر المطهّر إمام الجماعة كما لا يخفى .

   وأمّا الإمام في قوله : «لأنّ الإمام لا يُتقدّم . . .» إلخ فالمراد به المعصوم (عليه السلام) ، والحكم محمول على ضرب من الكراهة دون الحرمة ، وإلاّ فتجوز الصلاة قُدّام الإمام (عليه السلام) حال حياته فضلا عن حال مماته (عليه السلام) كما أشرنا إليه في بحث المكان(1) فلاحظ .

   ومنها : رواية علي بن إبراهيم الهاشمي رفعه قال : «رأيت أبا عبدالله (عليه السلام) يصلّي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط ، وكلّهم عن يمينه وليس على يساره أحد»(2) .

   وفيه : أنّها ضعيفة السند لأجل الرفع(3) .

   والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ مقتضى الصناعة وجوب تأخّر المأموم عن الإمام والقيام خلفه ، عملا بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة المؤيّدة بالشواهد الاُخر كما مرّ ، السليمة عما يوجب صرفها عن الوجوب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 13 : 99 .

(2) الوسائل 8 : 342 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6 .

(3) وأمّا علي بن إبراهيم الهاشمي نفسه فهو مشترك بين من هو من رجال موسى بن جعفر (عليه السلام) ولم يوثّق ، ومن هو في طبقة رجال الكليني ، وهو المراد في المقام ، وقد وثّقه النجاشي صريحاً [في رجاله : 262 / 687] وقد أشار (دام ظلّه) إلى الأوّل في المعجم 12 :  233 / 7839 ، وإلى الثاني في 12 : 210 / 7825 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net