التفصيل بين المأموم الواحد والمتعدّد - موارد الاستثناء من الحكم المتقدّم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1726


   هذا كلّه فيما إذا كان المأموم متعدّداً ، وأمّا المأموم الواحد فانّه يجب أن يقف

ــ[168]ــ

عن يمين الإمام وبحذائه كما نطقت به الصحيحة المتقدّمة(1) وغيرها . ونتيجة ذلك هو التفصيل بين الواحد والكثير كما اختاره في الحدائق(2) .

   نعم ، يستثنى من ذلك موارد :

   منها : المأموم الواحد الذي يكون معرضاً لالتحاق غيره به .

   واستدلّ له تارة : برواية محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، فقال : لابأس ، إنّما يبدو واحد بعد واحد»(3) . ولكنّها ضعيفة السند ، لأنّ محمّد بن الفضيل مردّد بين ابن غزوان الثقة وبين الأزدي الضعيف ، وكلاهما في طبقة واحدة ، ومن المعاريف ، ولكلّ كتاب . فلا يترجّح أحدهما على الآخر .

   نعم ، ذكر الأردبيلي في جامع الرواة أنّ محمّد بن فضيل الأزدي هو محمّد بن القاسم بن فضيل الأزدي(4) الذي يروي عن الكناني كثيراً ، وهو ثقة ، وكثيراً ما ينسب الرجل إلى جدّه . وعليه فيكون الرجل موثّقاً على كلّ حال ، سواء أكان هو ابن غزوان أم الأزدي .

   ولكن ما ذكره (قدس سره) مجرّد احتمال لا دليل عليه ، بل إنّ انتساب الرجل إلى جدّه خلاف الظاهر ، لا يصار إليه ما لم يثبت بدليل قاطع .

   وبالجملة : فكلّ من الأمرين محتمل ، ولا قرينة على التعيين ، فدعوى الاتّحاد بلا برهان ، فيبقى الترديد المزبور على حاله ، ولأجله يحكم بضعف الرواية .

   واُخرى : برواية موسى بن بكر «أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، قال : لا بأس ، إنّما يبدو الصف واحد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 164 .

(2) الحدائق 11 : 92 ، 116 .

(3) الوسائل 8 : 406 / أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 2 .

(4) جامع الرواة 2 : 183 .

ــ[169]ــ

بعد واحد»(1) . وهي أيضاً ضعيفة ، لضعف طريق الصدوق(2) إلى موسى بن بكر(3) .

   لكن الذي يهوّن الخطب أن الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النصّ ، لأنّ مادلّ على أن المأموم الواحد يقف على جانب الإمام منصرف عن المقام قطعاً بعد أن كان معرضاً للانضمام وكان الالتحاق تدريجياً بطبيعة الحال . فاطلاق قوله (عليه السلام) : صلّ خلف من تثق بدينه(4) هو المحكّم .

   ومنها : ما إذا لم يجد مكاناً في الصفّ فدار الأمر بين أن يقف في صفّ مستقلا أو على جانب الإمام ، فقد دلّ النصّ على أنّه يقف بحذاء الإمام ، وهو صحيح سعيد الأعرج : «عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصفّ مقاماً ، أيقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته ؟ قال : نعم لا بأس ، يقوم بحذاء الإمام»(5) .

   ومنها : إمامة النساء ، بناءً على جواز إمامتهنّ كما تقدّم(6) ، فانّها تقف في وسطهنّ كما دلّت عليه النصوص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 406 / أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 4 .

(2) [لعدم ذكره في مشيخة الفقيه] .

(3) ولكن يمكن تصحيحه على ضوء بعض فوائده الرجالية (دام ظله) في أمثال المقام بأن يقال : إنّ طريق الشيخ إلى موسى بن بكر صحيح [كما في الفهرست : 162 / 705] وحيث إنّ في الطريق ابن الوليد ، وللشيخ الصدوق طريق صحيح إلى جميع كتبه ورواياته كما يظهر  من طريق الشيخ إليه [في الفهرست : 156 / 694] فلا جرم يكون طريق الصدوق إلى موسى  بن بكر صحيحاً أيضاً .

   فالأولى المناقشة في دلالتها بأنّها مطلقة من حيث الصفّ الأول وبقيّة الصفوف ، فلو كان لدليل أنّ المأموم الواحد يقف على جانب الإمام إطلاق يشمل فرض كونه في معرض الانضمام فلا محالة تقع المعارضة بينهما بالعموم من وجه ، ولكنّه لا إطلاق له كما اُفيد في المتن .

(4) راجع ص 50 ، الهامش رقم (3) .

(5) الوسائل 8 : 406 / أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3 .

(6) [تقدّم جواز إمامتها في صلاة الميت في شرح العروة 9 : 210 ، وسيأتي جوازها في الفرائض في ص 350 وما بعدها] .

ــ[170]ــ

   ومنها : صلاة العراة جماعة ، فانّ الإمام لا يتقدّم حينئذ إلاّ بركبتيه للنصوص الدالّة عليه(1) الكاشفة عن جواز المساواة بينهم .

   وربما يستثنى أيضاً إقامة جماعة اُخرى في المسجد بعد فراغ الجماعة الاُولى وقبل أن يتفرّقوا ، استناداً إلى رواية أبي علي ، قال : «كنّا عند أبي عبدالله (عليه السلام) فأتاه رجل فقال : جعلت فداك ، صلّيت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح ، فدخل علينا رجل المسجد فأذّن فمنعناه ودفعناه عن ذلك ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : أحسنت ، ادفعه عن ذلك ، امنعه أشدّ المنع ، فقلت : فان دخلوا فأرادوا أن يصلّوا فيه جماعة ؟ قال : يقومون في ناحية المسجد ، ولا يبدو لهم إمام . . .» الخ(2) .

   دلّ صدرها على أنّ سقوط الأذان عزيمة لا رخصة كما تقدّم في محلّه(3) . ومحلّ الاستشهاد هو قوله (عليه السلام) في الذيل : «و لا يبدو لهم إمام» أي لا يبرز ولا يتقدّم .

   لكن الرواية ضعيفة السند ، فانّ أبا علي الحرّاني لم يوثّق . على أنّ الصدوق رواها مع تبديل لفظة «يبدو» بلفظة «يبدر» بذكر الراء بدل الواو(4) ، أي لايسرع الإمام بل يمكث قليلا كي تتفرّق الجماعة الاُولى ، وعليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه . وكيف ما كان ، فلم يثبت هذا الاستثناء ، وليقتصر فيه على الموارد التي ذكرناها .

   والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ ما قوّاه في الحدائق وأصرّ عليه من أنّه لا مخرج عمّا تقتضيه ظواهر النصوص من لزوم وقوف المأموم الواحد بحذاء الإمام ، والزائد عليه خلفه ، هو الصحيح الحقيق بالقبول فيما عدا موارد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 450 / أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 415 / أبواب صلاة الجماعة ب 65 ح 2 .

(3) شرح العروة 13 : 300 .

(4) لاحظ الفقيه 1 : 266 / 1215 .

ــ[171]ــ

الاستثناء التي أشرنا إليها .

   وأمّا ما عن المشهور ـ وستأتي الإشارة إليه في المتن ـ من عدّ ذلك من المستحبّات ، وأنّه يستحبّ وقوف المأموم الواحد بجانب الإمام والزائد خلفه فلم يظهر لنا وجهه قبال هاتيك النصوص المتقدّمة الظاهرة في الوجوب عدا الشهرة الفتوائية . وفي التعويل عليها في رفع اليد عن تلك النصوص تأمّل ظاهر . فما ذكرناه لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net