تقدّم المأموم على الإمام في الأثناء سهواً أو جهلاً أو اضطراراً - الجماعة بشكل دائري حول الكعبة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2014


ــ[193]ــ

   [1921] مسألة 24 : إذا تقدّم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة سهواً أو جهلا أو اضطراراً صار منفرداً (1) ، ولا يجوز له تجديد الاقتداء ، نعم لو عاد بلا فصل لا يبعد بقاء قدوته((1)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بامام»(2) ، وهو ظاهر في اعتبار المانعية للبعد كما لا يخفى .

   وعليه فمع الشكّ يرجع إلى أصالة البراءة عن المانعية وإن لم يجر الاستصحاب ، بناءً على ما مرّ غير مرّة من أنّ المرجع في أمثال المقام هي البراءة وإن كانت الشبهة موضوعية ، لكون المانعية انحلالية ، فتقيّد الجماعة بعدم وقوعها مع هذه المسافة التي يشكّ في بلوغها مالا يتخطّى ـ زائداً على المقدار المتيقّن بلوغه ذاك الحدّ ـ مشكوك من أوّل الأمر ، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة . وعليه فما في المتن من اعتبار الإحراز مبنىّ على الاحتياط .

   (1) لأنّ شرطية التأخّر أو التساوي واقعية بظاهر النصّ ، فتثبت في جميع الحالات من السهو أو الجهل أو الاضطرار ونحوها ، فتبطل الجماعة بالإخلال بها لا محالة . ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين فقد الشرط من الأوّل أم الأثناء ، فلو تقدّم في الأثناء سهواً أو لعذر آخر بطل الاقتداء .

   وهل يتدارك الشرط حينئذ بالعود بلا فصل ؟ لم يستبعده في المتن قياساً على ما سبق منه في الحائل وفي البعد .

   لكنّه كما ترى بعيد جدّاً ، والقياس مع الفارق كما أشرنا إليه في البعد(3) ، فانّا إنّما التزمنا بمثله في الحائل من أجل أنّ العود بلا فصل يعدّ من الحائل غير المستقر الذي ينصرف عنه النصّ ، فالمقتضي للمنع قاصر الشمول لمثله في حدّ نفسه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل هو بعيد .

(2) الوسائل 8 : 410 / أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2 .

(3) في ص 186 ـ 187 .

ــ[194]ــ

   [1922] مسألة 25 : يجوز على الأقوى الجماعة بالاستدارة((1)) حول الكعبة (1) والأحوط عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة ، وأحوط منه عدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة ، وأحوط من ذلك تقدّم الإمام بحسب الدائرة وأقربيّته من ذلك إلى الكعبة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وأمّا في المقام ـ وكذا في البعد كما سبق ـ فلا قصور في إطلاق دليل اشتراط التأخّر أو التساوي عن الشمول لجميع آنات الصلاة ، وليس هنا مثل ذاك الانصراف بالضرورة . فالتقدّم ولو آناً ما إخلال بالشرط موجب لبطلان الجماعة ، لفقد المشروط بفقد شرطه ، فينفرد لا محالة . ولا دليل على العود بعد الانفراد وإن كان بلا فصل ، إذ لا فرق بين قصر الزمان وطوله في هذا الحكم
بمقتضى الإطلاق . فليس الملاك في التقدّم ولا البعد متّحداً معه في الحائل كما هو ظاهر .

   (1) كما ذهب إليه جماعة ، بل حكي عليه الإجماع . وذهب جمع آخرون إلى المنع ، ولعلّه المشهور ، وهو الأقوى ، فانّ النصوص خالية عن التعرّض لذلك بالخصوص نفياً وإثباتاً ، فنبقى نحن ومقتضى الإطلاقات الدالّة على لزوم تأخّر المأموم عن الإمام ولا أقلّ من التساوي ، التي لا قصور في شمولها للمقام .

   ومن الواضح أنّ الجماعة استدارة تستوجب تقدّم المأموم على الإمام ، بل وقوفه قباله وقدّامه عند استكمال الدائرة ، فلم يقف خلفه ولا بحذائه الذي هو الشرط في الصحّة ، ولأجله يحكم بالبطلان ، لسلامة المطلقات عمّا يصلح للتقييد عدا توهّم قيام السيرة العملية الممضاة عندهم (عليهم السلام) بعدم الردع ، التي هي مستند القول بالجواز .

   وفيه : أنّ مثل هذه السيرة لا أثر لها ، ولا تكاد تغني شيئاً ، فانّ المباشر لها هم أبناء العامّة فقط ، إذ لم نجد ولم نسمع تصدّي الخاصّة لذلك في دور من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في القوّة إشكال ، بل منع .

ــ[195]ــ

الأدوار لا قديماً ولا حديثاً حتّى في عهد المعصومين(عليهم السلام) ، ولم ينقل عنهم ولا عن شيعتهم إقامة الجماعة حول الكعبة مستديرة فضلا عن استقرار سيرتهم عليها . فهي مختصة بأهل الخلاف فحسب .

   والردع عن هذه السيرة وإن لم يثبت عنهم (عليهم السلام) إلاّ أنّ عدم الردع بمجرّده لا ينفع ما لم يكشف عن الرضا ، فانّ العبرة بالإمضاء المستكشف من عدم الردع لا به نفسه بالضرورة . ومن الجائز أن يكون عدمه مبنياً على التقيّة كما هو المعلوم من حالهم في تلك الأعصار اتّجاه حكام الجور ، فلا يكشف عن الرضا .

   نعم ، ثبت الردع عن بعض فعالهم ممّا قامت عليه سيرتهم كما في التكتّف ونحوه ، لكنّه خاصّ بما هو محلّ للابتلاء كالمثال ، إذ لو لم يردع لتوهّم الإمضاء فصلّى الشيعي في داره ـ مثلا ـ متكتّفاً ، وهذا بخلاف المقام ، لما عرفت من أنّ إقامة الجماعة حول الكعبة تختصّ بهم ، وليست مورداً لابتلاء الخاصّة .

   وأمّا اقتداؤهم بهم أحياناً في المسجد الحرام فهو أيضاً مبني على التقيّة وليس من حقيقة الجماعة في شيء ، ولذا قلنا في محلّه أنّ المقتدي بهم يقرأ في نفسه ، فهو منفرد حقيقة وإن كان على صورة الجماعة(1) .

   وعلى الجملة : فلم تثبت في المقام سيرة يعتمد عليها بحيث تصلح لرفع اليد عمّا تقتضيه المطلقات من لزوم تقدّم الإمام على المأموم أو تساويه ، ولأجله كان الأقوى هو البطلان كما عرفت .

   ثمّ إنّه على تقدير القول بالجواز فهل يعتبر عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة أم بلحاظ البنية الشريفة ؟

   وتوضيحه : أنّ الكعبة الشريفة بما أنّها مربّعة مستطلية ، فإذا فرضنا نقطة في وسطها حاصلة من تقاطع خطّين موهومين من كلّ زاوية إلى ما يقابلها وجعلنا هذه النقطة مركزاً لدائرة موهمة حول الكعبة المشرّفة ، فخطوط هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 1 : 271 .

ــ[196]ــ

الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية ، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال ، لفرض كون الكعبة على شكل المربّع . فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة .

   وحينئذ فاذا فرضنا وقوف الإمام على رأس الخط المقابل لوسط الضلع أو في داخل الدائرة قريباً من الخط ، ووقوف المأموم حذاء الزاوية خارجاً عن الخطّ بمقدار نصف متر مثلا ، فهو متأخّر عن الإمام بالقياس إلى خطوط الدائرة الوهميّة متقدّم عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة ، لكونه أقرب من الإمام بالقياس إليها حسبما عرفت . ولو انعكس الموقف انعكس الحكم كما هو ظاهر .

   وعليه فهل المدار في مراعاة التقدّم والتأخّر ملاحظتهما بالنسبة إلى الدائرة أم بالقياس إلى نفس الكعبة . فعلى الأوّل تصحّ جماعة المأموم في الفرض المزبور ، لكونه متأخّراً عن الإمام بلحاظ الدائرة . وعلى الثاني تبطل ، لكونه متقدّماً عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة .

   ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأحوط مراعاة كلا الأمرين ، فيقف المأموم موقفاً لا يتقدّم على الإمام بحسب الدائرة ، ولا يكون أقرب منه إلى الكعبة .

   وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، لما عرفت من أنّ الجواز على القول به لم يكن مستفاداً من دليل لفظي ليتمسّك باطلاقه ، وإنّما استفيد من السيرة العملية التي هي دليل لبّي ، فلابدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن منها في الخروج عن مقتضى الإطلاقات المانعة عن التقدّم على الإمام ، والمتيقّن منها ما إذا لم يتقدّم بلحاظ كلا الأمرين وإن كان متقدّماً حسب الخطوط العرضية
فيقيّد الإطلاق بهذا المقدار ، ويتمسّك به فيما عداه لسلامته حينئذ عن التقييد كما لا يخفى .

   ثمّ إنّ ما ذكره في المتن من الاحتياط الأخير ـ أعني تقدّم الإمام بحسب الأمرين لا مجرّد عدم تقدّم المأموم ـ مبنىّ على الاحتياط في عدم مساواتهما في الموقف وتقدّم الإمام عليه كما لعلّه ظاهر . والله سبحانه أعلم .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net