قراءة المأموم في اُوليي الجهرية مع عدم سامع صوت الإمام - وظيفة المأموم في الأخيرتين 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1810


ــ[213]ــ

   وأمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة بل الاستحباب قوىّ ، لكن الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنيّة الجزئيّة ، وإن كان الأقوى الجواز بقصد الجزئيّة أيضاً (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وقد نوقش في سندها تارة وفي الدلالة اُخرى :

   أمّا السند : فلأنّ في طريق الصدوق إلى أبي المغرا عثمان بن عيسى(1) ، وقد توقّف فيه العلامة في رجاله(2) ، وضعّفه في كتبه الاستدلالية لكونه واقفياً .

   وفيه : أنّ تضعيف العلامة مبنىّ على مسلكه من عدم الاعتماد على غير الإمامي وإن كان ثقة ، وحيث بنينا على الاكتفاء بوثاقة الراوي وإن لم يكن إمامياً فالرواية معتبرة ، لكون الرجل موثّقاً في كتب الرجال ، بل عدّه الكشي من أصحاب الإجماع على قول(3) .

   وأمّا الدلالة : فبامكان حملها على صورة عدم السماع . وفيه من البعد ما لايخفى ، نعم لو كانت العبارة هكذا : أكون خلف الإمام في الصلاة الجهرية . لم يكن الحمل المزبور بعيداً ، لجواز أن لا يسمع صوت الإمام لبعده عنه . لكن العبارة هكذا : «وهو يجهر بالقراءة» ، وهذا التعبير كما ترى يدل على سماعه للقراءة وتشخيص أنّه يجهر بها حسّاً لا حدساً كما لا يخفى .

   وأوضح دلالة صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك»(4) ، فانّ الإنصات للقراءة لا يتحقّق إلاّ مع الجهر بها وسماعها . فلا يحتمل الحمل على عدم السماع ، وقد دلّت كسابقتها على استحباب التسبيح .

   (1) المقام الثاني : فيما إذا لم يسمع حتّى الهمهمة ، ولا ينبغي الاستشكال في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 4 (المشيخة) : 65 .

(2) الخلاصة : 382 / 1535 .

(3) رجال الكشي : 556 / 1050 .

(4) الوسائل 8 : 361 / أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 4 .

ــ[214]ــ

جواز القراءة حينئذ ، بل عن الرياض أنّه أطبق الكلّ على الجواز بالمعنى الأعمّ(1) . وفي الجواهر : بلا خلاف أجده بين الأصحاب ، بل ولا حكي عن أحد منهم عدا الحلّي ، مع أنّه لا صراحة في عبارته في السرائر(2) بذلك ، بل ولاظهور ، ولا يبعد أنّه وهم من الحاكي(3) . انتهى .

   وكيف ما كان ، فيظهر منهم أنّ الأقوال في المسألة أربعة :

   أحدها : الوجوب كما هو ظاهر الشيخ في المبسوط(4) والنهاية(5) ، والمحقّق في النافع(6) ، والمرتضى(7) وأبي الصلاح(8) وغيرهم .

   الثاني : الاستحباب كما اختاره في المتن تبعاً لغير واحد من الأصحاب ، بل نسب إلى المشهور تارة وإلى الأشهر اُخرى .

   الثالث : الإباحة كما نسب إلى ظاهر القاضي(9) والراوندي(10) وابن نما(11) وغيرهم .

   الرابع : التحريم ، ولم ينسب إلاّ إلى الحلّي ، وإن ناقش في الجواهر في صدق النسبة وأنّه اشتباه من الحاكي كما عرفت ، إلاّ أنّه قول منسوب إليه ، سواء أصحّت النسبة أم لا . هذه هي حال الأقوال .

   أمّا الأخير فساقط جزماً ، إذ ليس له وجه ظاهر عدا الاغترار بعموم بعض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرياض 4 : 308 .

(2) السرائر 1 : 284 .

(3) الجواهر 13 : 192 .

(4) المبسوط 1 : 158 .

(5) النهاية : 113 .

(6) المختصر النافع : 47 .

(7) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 40 .

(8) الكافي في الفقه : 144 .

(9) المهذّب 1 : 81 .

(10) فقه القرآن 1 : 141 .

(11) حكاه عنه في الذكرى 4 : 460 .

ــ[215]ــ

الأخبار الناهية عن القراءة خلف الإمام ، اللازم تخصيصه بالنصوص الكثيرة الواردة في المقام ـ كما ستعرف ـ المتضمّنة للأمر بالقراءة الذي لا أقلّ من دلالته على الترخيص .

   وأمّا القول بالوجوب : فمستنده الأخذ بظاهر الأمر الوارد في غير واحد من النصوص ، ففي صحيح الحلبي : « . . .إلاّ أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ»(1) ، وفي صحيح ابن الحجاج « . . . وإن لم تسمع فاقرأ»(2) ، وفي صحيح قتيبة : « . . إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك . . .» إلخ(3) ، وفي موثّق سماعة : «وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه»(4) ، ونحوها غيرها .

   وفيه أوّلا : أنّ الأمر في هذه النصوص لا يدلّ على الوجوب ، بل ولا الاستحباب ، لوروده موقع توهّم الحظر ، بناء على ما عرفت من المنع عن القراءة لدى السماع . فغايته الدلالة على الجواز ومجرّد الترخيص .

   وثانياً : أنّه محمول على الاستحباب بقرينة الترخيص في الترك الثابت في صحيح علي بن يقطين ، قال : «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة ، قال : لا بأس إن صمت وإن قرأ»(5) . فهذا القول يتلو سابقه في الضعف . فيدور الأمر بين القولين الآخرين ، أعني الاستحباب أو الإباحة .

   والتحقيق : أنّ القول بالإباحة ساقط ، ولا يمكن المصير إليه في المقام ، سواء أقلنا بظهور الأمر الوارد في تلك النصوص في الوجوب ورفع اليد عنه بقرينة صحيح ابن يقطين الذي نتيجته الاستحباب ، أم قلنا بأنّها من أجل وقوعها موقع توهّم الحظر غير ظاهرة إلاّ في الإباحة ومجرّد الترخيص ، لعدم تصوّر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 355 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 356 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5 .

(3) الوسائل 8 : 357 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7 .

(4) ، (5) الوسائل 8 : 358 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 10 ، 11 .

ــ[216]ــ

الإباحة في أجزاء العبادة لا في جزء الطبيعة ولا في جزء الفرد ، وأنّها متى جازت كانت مستحبة بأمر عبادىّ استقلالىّ ظرفه الواجب .

   وتوضيح المقام : أنّا قد ذكرنا في الاُصول في بحث الصحيح والأعم(1) أنّ التركيب بين أجزاء الصلاة ليس تركيباً حقيقياً ، لأنّها مؤلّفة من ماهيات مختلفة ومقولات متباينة ، فبعضها من مقولة الكيف المسموع كالتكبير والقراءة ، وبعضها من مقولة الوضع كالركوع والسجود وهكذا ، ولا جامع ماهوي بين المقولات المتأصّلة بالضرورة .

   وإنّما التركيب بينها اعتباري محض ، فلاحظ الشارع الطبيعة المؤلّفة من المقولات المتشتّتة واعتبرها شيئاً واحداً في عالم اللحاظ والاعتبار . فكلّ ما اعتبره في الطبيعة كان جزءاً منها مقوّماً لها وإلاّ كان خارجاً عنها ، ولأجل ذلك امتنع اتّصاف الجزء بالاستحباب فضلا عن الإباحة ، إذ مقتضى الجزئية الدخل في الطبيعة وتقوّمها بها ، ومقتضى الاستحباب جواز الترك المساوق لعدم الدخل ، فكيف يجتمعان . هذا حال الطبيعة نفسها .

   وكذا الفرد ، إذ لا يتّصف شيء بكونه فرداً للطبيعة إلاّ إذا اُضيف إليها ولا تكاد تتحقّق الإضافة إلاّ إذا كان مصداقاً للطبيعة بانطباقها بشراشر أجزائها عليه ومطابقتها معه في كلّ ما يشتمل عليه ، فينطبق التكبير على التكبير الخارجي ، ومثله الركوع والسجود ، وهكذا إلى نهاية الأجزاء المعتبرة في الطبيعة ، فلا يزيد الفرد عليها بشيء . فكلّ ما هو جزء للفرد جزء للطبيعة وما ليس جزءاً لها لم يكن جزءاً للفرد أيضاً وإن اقترن معه خارجاً ، فجزء الفرد من الطبيعة لا يكون إلاّ جزءاً لنفس الطبيعة لا محالة .

   وممّا ذكرنا تعرف أنّ القراءة في المقام بعد أن لم تكن واجبة حسب الفرض فهي ليست بجزء لا للطبيعة ولا للفرد ، فلا معنى للقول بأنّها جزء مباح من الصلاة لا توجب أفضلية الفرد المشتمل عليها من الفرد الخالي عنها ، أو جزء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 161 ، 147 .

ــ[217]ــ

مستحب يوجب أفضلية الفرد المشتمل من الفرد الخالي .

   ولا يقاس ذلك بسائر الملابسات التي يتّصف بها الفرد المحكومة بالإباحة تارة وبالاستحباب أو الكراهة اُخرى ، نظير الماهية التشكيكية المنطبقة على المرتبة القويّة مرّة والضعيفة اُخرى كالصلاة في الدار أو في المسجد أو الحمام ضرورة أنّ خصوصية المكان أو الزمان من ملابسات وجود الفرد وملازماته ومقارناته التي لا ينفكّ عنها خارجاً . فهي ملازمة للوجود ، لا جزء من الموجود ، فيمكن أن توجب المزيّة تارة والنقيصة اُخرى ، أو لا هذا ولا ذاك فيحكم عليه بالإباحة .

   وأين هذا من القراءة أو القنوت أو الذكر الزائد على الأذكار المعتبرة في الركوع أو السجود ونحوها ممّا لا يتقوّم به الفرد في تحقّقه ، بل قد يكون وقد لا يكون .

   وعلى الجملة : فجزئية هذه الاُمور للفرد أو الطبيعة مع فرض استحبابها فضلا عن الإباحة أمر غير معقول .

   فما يقال من أنّه بناءً على مشروعية القراءة ولو على القول بالإباحة لا مانع من الإتيان بها بقصد الجزئية والوجوب ، فانّها وإن لم تكن جزءاً من الماهية الواجبة لكنّها جزء من الفرد الذي تنطبق الماهية الواجبة عليه بتمام أجزائه التي منها القراءة ، فتتّصف بالوجوب بعين اتّصاف سائر أجزاء الصلاة . في غاية الضعف .

   وليت شعري كيف تنطبق الطبيعة غير الملحوظ فيها القراءة ـ حسب الفرض ـ على الفرد المشتمل عليها بوصف الاشتمال ، وهل هناك معنى للانطباق الذي هو مناط اتّصاف الفرد بكونه فرداً للطبيعة ـ كما عرفت ـ عدا تطبيق الطبيعة الواجبة بما لَها من الأجزاء على الموجود الخارجي بما لَه من الأجزاء . فمع الاعتراف بعدم الدخل في الطبيعة والماهية المأمور بها كيف يمكن دعوى انطابقها على الفرد المشتمل على ما لا يكون جزءاً من الطبيعة حتّى يمكن الإتيان بالقراءة بقصد الوجوب والجزئية .

ــ[218]ــ

   وأمّا في الأخيرتين من الإخفاتية أو الجهريّة فهو كالمنفرد((1)) في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّراً بينهما ، سواء قرأ الامام فيهما أو أتى بالتسبيحات سمع قراءته أو لم يسمع (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وملخّص الكلام : أنّا لا نعقل التوفيق بين الجزئية وبين الإباحة أو الاستحباب ، سواء اُريد بها الجزئية للطبيعة أم للفرد .

   نعم ، بعد أن رخّص الشارع في إتيان شيء في الصلاة بعنوان أنّها صلاة وكان مسانخاً لأجزائها كما في المقام ، فبما أنّ الصلاة عبادة كان الشيء المرخّص فيها أيضاً عبادياً بحسب الفهم العرفي ، فيكون محبوباً ومأموراً به لا محالة لتقوّم العبادة بالأمر . فالجواز والترخيص مساوق للاستحباب في خصوص المقام .

   وحيث قد عرفت المنافاة بين الجزئية وبين الاستحباب فلا مناص من الالتزام بكونه مأموراً به بأمر استحبابي استقلالي، غاية الأمر أنّ موطنه وظرفه الصلاة كما في القنوت، وكذا القراءة ـ في المقام ـ والأذكار المستحبّة في الركوع والسجود .

   وبذلك تمتاز هذه الاُمور عن مثل التصدّق في الصلاة ، فانّه وإن كان مستحبّاً أيضاً لكنّه لا يختصّ بالصلاة ، ولا يرتبط بها . فهو والتصدّق خارج الصلاة على حدّ سواء ، بخلاف تلك الاُمور فانّها ـ بما هي كذلك ـ وظائف مقررة حال الصلاة ، ومربوطة بها ارتباط المظروف بظرفه . وهذا هو المراد من الجزء المستحب ، ولا نعقل له معنى صحيحاً وراء ذلك .

   فاتّضح من جميع ما قدّمناه أنّ الأقوى استحباب القراءة في المقام كما اختاره في المتن ، وجواز الإتيان بها بقصد الجزئية بالمعنى الذي ذكرناه .

 (1) قدّمنا في بحث القراءة(2) أنّ مقتضى الجمع بين النصوص هو الحكم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأحوط تعيّن التسبيح له في الصلاة الجهريّة كما مرّ .

(2) شرح العروة 14 : 475 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net