هل وجوب المتابعة شرطي أو تعبّدي ؟ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1450


   [1930] مسألة 8 : وجوب المتابعة تعبّدي((1)) وليس شرطاً في الصحّة (2) ، فلو تقدّم أو تأخّر فاحشاً عمداً أثم ولكن صلاته صحيحة ، وإن كان الأحوط الاتمام والإعادة ، خصوصاً إذا كان التخلّف في ركنين ، بل في ركن ، نعم لو تقدّم أو تأخّر على وجه تذهب به هيئة الجماعة بطلت جماعته .

ـــــــــــــــــــــــــ
   (2) كما نسب إلى المشهور فلا يترتّب على الإخلال بها من التقدّم أو التأخّر الفاحش إلاّ الإثم .

   وقيل بكونها شرطاً في صحّة الصلاة ، فلو أخّل بالمتابعة بطلت صلاته . نسب ذلك(2) إلى الشيخ(3) والصدوق(4) بل ابن إدريس(5) أيضاً .

   وقيل بكونها شرطاً في صحّة الجماعة فقط دون الصلاة ، فمع الإخلال تبطل الجماعة وتنقلب فرادى ، من غير إثم .

   وهناك قول رابع اختاره المحقّق الهمداني (قدس سره) بعد إنكاره نسبة الوجوب التعبّدي إلى المشهور ، وهو الالتزام بصحّة الصلاة والجماعة ، غير أنّ الائتمام يبطل في خصوص هذا الجزء الذي أخلّ فيه بالمتابعة ، ولأجل ذلك كان بقاؤه على قصد الائتمام في هذا الجزء مع بطلان القدوة فيه تشريعاً محرّماً . فالعقاب إنّما هو على التشريع ، لا على ترك المتابعة ـ كما نسب إلى المشهور ـ كي يكون وجوبها تعبّدياً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الظاهر أنّها شرط الجماعة ، فيجري فيها حكم سائر الشروط .

(2) كما في الرياض 4 : 316 .

(3) المبسوط 1 : 157 .

(4) [يستفاد ذلك مما حكاه الشهيد عنه في الذكرى 4 : 475] .

(5) لاحظ السرائر 1 : 288 .

ــ[230]ــ

   وذكر (قدس سره) أنّ المشهور لم يصرحوا بالوجوب التعبّدي ، وإنّما ذكروا صحّة الجماعة مع الإثم ، فتخيّل أنّ الإثم إنّما هو على ترك المتابعة ، ومن ثمّ نسب إليهم القول بالوجوب التعبّدي ، مع أنّه لا تلازم بين الأمرين ، إذ من الجائز أن يكون الإثم المذكور في كلامهم من أجل التشريع ، لا من أجل ترك المتابعة . فهذه النسبة غير ثابتة(1) .

   وكيف ما كان ، فهذه هي حال الأقوال في المسألة .

   أمّا القول بالوجوب الشرطي لنفس الصلاة ، وأنّها تبطل لدى الإخلال بالمتابعة فلا مدرك له أصلا ، إلاّ أن يقال : إنّ ترك المتابعة يستوجب بطلان الجماعة وانقلابها فرادى ، ولا تشرع نيّة الانفراد أثناء الصلاة فتبطل ، ويكون محرّماً أيضاً ، لحرمة إبطال الصلاة ، فلا يمكن تصحيحها لا جماعة ولا فرادى أمّا الأوّل فلفرض الانقلاب ، وأمّا الثاني فلعدم جواز نيّة الانفراد في الأثناء . وعليه فيتّجه الحكم بالبطلان .

   لكن المبنى فاسد ، لما عرفت سابقاً(2) من جواز قصد الانفراد في الأثناء وعلى تقدير الشكّ فتكفينا أصالة البراءة . فلا مقتضي لبطلان الصلاة بوجه .

   وأمّا الوجوب التعبّدي المنسوب إلى المشهور ـ سواء صحّت النسبة أم لا ـ فلم نعرف له وجهاً أيضاً ، فانّا إذا بنينا على أنّ ترك المتابعة والتقدّم على الإمام في بعض الأفعال لا يضر بالائتمام ، أو يضرّ ولكن غايته الانقلاب إلى الفرادى ولا مانع من نيّة الانفراد في الأثناء وأنّ المكلف مخيّر بين الجماعة والفرادى بقاء كما كان مخيّراً بينهما حدوثاً ، فما هو المقتضي بعدئذ للوجوب التعبّدي ؟

   وأمّا ما قيل في وجه ذلك من أنّ الإمامة من الاعتبارات المجعولة للإمام من قبل المأموم بلحاظ الأفعال الصلاتية ، كسائر الاُمور الاعتبارية مثل القضاوة والوكالة والولاية ونحوها ، ومقتضى إمامته المجعولة متابعته في الأفعال والجري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 648 السطر 13 .

(2) في ص 87 وما بعدها .

ــ[231]ــ

الخارجي على طبق هذا الجعل ، وهي المعبّر عنها بالائتمام ، وقد أمضى الشارع ما أنشأه المأموم في نيّته من الجعل المزبور ، وحكم بصحّته ونفوذه ، ولا معنى للإمضاء والصحّة إلاّ وجوب المضىّ على طبق الإنشاء ، فتجب المتابعة لامحالة إذ معنى الإمضاء هو وجوبها ولزوم ترتيب الآثار .

   فممّا لا محصّل له ، فانّ دليل الإمضاء لا يقتضي إلاّ جواز المضىّ ، لا وجوبه كيف والجماعة مستحبّة لا واجبة ، فصحّة الجعل المزبور ونفوذه في نظر الشارع لا تستدعي أكثر من جواز المشي على طبقه دون الوجوب ، ولهذا كان الانفراد في الأثناء جائزاً حسب الفرض .

   فاذا بنينا على جواز نيّة الانفراد وأنّه مخيّر بين البقاء على الجماعة أو العدول إلى الفرادى أثناء الصلاة كما كان مخيّراً بينهما من الأوّل ، أو قلنا بأنّ التخلّف وترك المتابعة في بعض الأفعال لا يضرّ بالجماعة ، فأىّ موجب بعد هذا للالتزام بالوجوب التعبّدي الشرعي . فهذا القول يتلو سابقه في الضعف .

   إذن يدور الأمر بين القولين الآخرين : أعني الوجوب الشرطي للجماعة وما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من نفي الوجوب رأساً لا تعبّداً ولا شرطاً للجماعة ولا للصلاة مع الالتزام بالإثم من ناحية التشريع .

   لكن مقالة المحقّق الهمداني (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليها بوجه ، فانّا إذا بنينا على أنّ المستفاد من أدلّة الجماعة كفاية الائتمام في معظم الأجزاء كما يدعيه هو (قدس سره) وأنّه لا دليل على لزوم المتابعة في كلّ فعل بحيث تكون شرطاً فيما قبله وما بعده ، وليس الائتمام في كلّ جزء دخيلا في صحّة الأجزاء السابقة واللاحقة ، ولا يضر التخلّف في البعض في صدق القدوة وصحّة الجماعة مادام كونه مؤتمّاً في المعظم ، لشمول إطلاقات الجماعة مثل ذلك ، فما هو الموجب بعد هذا للإثم ، إذ قد أتى بوظيفته الشرعية من الائتمام في معظم الأجزاء ، وإن لم يأتمّ في خصوص هذا الجزء . فلو شملت أدلّة الجماعة مثل ذلك كيف يتحقّق التشريع حتى يترتّب عليه الإثم ؟

ــ[232]ــ

   وأمّا إذا بنينا على عدم الكفاية ، وقلنا ـ كما هو الصحيح ـ أنّ المستفاد من الأدلّة إنّما هو مشروعية الجماعة في الصلاة التي هي اسم لتمام الأجزاء بالأسر فيلزمه المتابعة في مجموع الأجزاء ، لأنّها مأخذوة في مفهوم الائتمام ، وليس على اعتبارها دليل آخر كما سبق . فالأمر المتعلّق بالجماعة معناه لزوم المتابعة في المجموع لا خصوص المعظم ، فلو خالف في جزء لم يتابع في المجموع ، فليس مصداقاً للمأمور به ، ولا تشمله أدلّة الجماعة .

   فبناءً على ذلك تبطل الجماعة بالتخلّف في البعض ، وتنقلب صلاته فرادى بطبيعة الحال . ونتيجة ذلك هو الوجوب الشرطي لصحّة الجماعة الذي أنكره (قدس سره) .

   وعلى الجملة : فالأمر دائر بين أحد هذين المسلكين ، فامّا أن يلتزم بشمول الإطلاقات للمتابعة في المعظم فتصحّ الجماعة وإن خالف في البعض ، لكن لا تشريع حينئذ ولا إثم حتّى لو كان باقياً على عزمه من نيّة الائتمام ، إذ لم يكن متعدّيا عمّا هي وظيفته من المتابعة في المعظم ـ حسب الفرض ـ كي يكون عاصياً .

   وإمّا أن نلتزم بعدم الشمول ـ كما هو الصحيح ـ فتبطل الجماعة بترك المتابعة في البعض ـ ومن هنا ذكرنا سابقاً(1) أنّه لو قصد من الأوّل الائتمام في البعض بطلت جماعته ، لقصور الدليل عن الشمول لذلك ـ فيدور الأمر بين صحّة الجماعة من غير إثم وبين بطلانها . فالجمع بين دعوى الصحّة وبين الإثم لأجل التشريع كما صنعه (قدس سره) باطل .

   وقد اتّضح من جميع ما سردناه أنّ الأقوى هو القول بالوجوب الشرطي لصحّة الجماعة كما ظهر وجهه ممّا مرّ ، فانّ المتابعة مأخوذة في مفهوم الائتمام فلو خالف وتقدّم في جزء فمعناه أنّه لم يتابع في هذا الفعل ، فلم يتابع في مجموع الصلاة ، ومقتضاه بطلان الجماعة لفقدان شرطها ، فطبعاً تنقلب الصلاة فرادى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 86 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net