عدم تحمّل الإمام غير القراءة في الاُوليين فقط - عدم إمهال الإمام المأمومَ المسبوق بركعتين لإتمام القراءة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1828


ــ[261]ــ

   [1940] مسألة 18 : لا يتحمّل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأولتين إذا ائتمّ به فيهما ، وأمّا في الأخيرتين فلا يتحمّل عنه ، بل يجب عليه بنفسه أن يقرأ الحمد((1)) أو يأتي بالتسبيحات وإن قرأ الإمام فيهما وسمع قراءته ، وإذا لم يدرك الأولتين مع الإمام وجب عليه القراءة فيهما لأنّهما أوّلتا صلاته (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الإمام ، وأمّا الأجزاء الزائدة المأتي بها سهواً الخارجة عن الصلاة فليس له المتابعة فيها ، بل لو تابع وأتى بها بقصد المشروعية كان من التشريع المحرّم الموجب للبطلان ، لأجل الزيادة العمديّة كما لا يخفى .

   (1) قد مرّ كثير ممّا ذكره (قدس سره) في هذه المسألة في المسألة الاُولى من مسائل هذا الفصل ، وقد عرفت أنّ الإمام ضامن للقراءة في الركعتين الأولتين فهي ساقطة عن المأموم بنحو العزيمة في الصلوات الجهرية فيما إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة ، بل عرفت أنّ الأقوى ذلك في الصلوات الإخفاتية أيضاً . وأمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة في الجهرية فالسقوط بنحو الرخصة ، فتجوز له القراءة ، بل تستحب .

   وأمّا في الأخيرتين فهو مخيّر بين القراءة والتسبيح في غير الصلوات الجهرية ، وأمّا فيها فقد مرّ أنّ الأحوط تعيّن التسبيح . هذا كلّه في المأموم من ابتداء الصلاة .

   وأمّا المأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فما هي وظيفته في الركعتين الأولتين اللتين هما الأخيرتان للإمام ، أو في الركعة الثانية التي هي ثالثة الإمام فيما إذا كان مسبوقاً بركعة واحدة ؟

   المعروف والمشهور وجوب القراءة عليه ، وعدم ضمان الإمام لها فيما عدا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرّ أنّ الأحوط التسبيح له في الصلاة الجهرية .

ــ[262]ــ

الأولتين وإن اختار القراءة . وعن العلامة(1) والشهيد(2) وابن ادريس(3) سقوط القراءة عنه حينئذ . والأقوى ما عليه المشهور .

   ويدلّنا عليه أوّلا: إطلاقات الأمر بالقراءة مثل قوله (عليه السلام): «لاصلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(4) بعد وضوح أنّ محلّها ما هو المقرّر المعهود من الركعتين الأولتين ، وحيث إنّ الركعتين هما الأولتان بالنسبة إلى المأموم حسب الفرض فتجب عليه القراءة فيهما .

   وليس بازائها عدا روايات الضمان ، وعمدتها روايتان :

   إحداهما : ما رواه الصدوق باسناده عن الحسين بن كثير عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة» إلخ(5) .

   والاُخرى : موثّقة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ، فقال: لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة ، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه ، إنّما يضمن القراءة»(6). والمعتمد منهما إنّما هي الموثّقة لضعف الاُخرى من جهة ضعف طريق الصدوق إلى الحسين بن كثير(7) مع أنّ الرجل بنفسه لم يوثّق .

   ولكن هذه الروايات غير مجدية في المقام في قبال الإطلاقات ، لأنّ الظاهر منها بعد إمعان النظر اختصاص الضمان بمورد تجب فيه القراءة على الإمام ، ففي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 4 : 323 .

(2) الألفية والنفلية : 141 .

(3) السرائر 1: 286.

(4) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 ، راجع ص 18 ، الهامش (1) .

(5) الوسائل 8 : 353 / أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1 ، الفقيه 1 : 247 / 1104 [وفيه : الحسن بن كثير] .

(6) الوسائل 8 : 354 / أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 3 .

(7) [لعدم ذكر طريقه إليه في المشيخة] .

ــ[263]ــ

كلّ ركعة كان الإمام مكلّفاً فيها بالقراءة فهو يتحمّل عن المأموم ويكون ضامناً لقراءته في تلك الركعة ، دون ما لم يكن مكلّفاً بها وإن اختارها خارجاً كما في الأخيرتين . فلا ضمان فيهما بعد أن لم يكن مكلّفاً بها ، سواء أكانتا الأخيرتين للمأموم أيضاً أم الأولتين بالإضافة إليه كما هو محلّ الكلام ، هذا أوّلا .

   وثانياً : مع الغض عمّا ذكر فتكفينا الروايات الخاصّة الواردة في المقام المصرّحة بعدم الضمان . فلو سلّمنا الإطلاق في روايات الضمان وبنينا على شمولها للمقام فهي مقيّدة لا محالة بهذه الروايات الخاصّة ، وهي كثيرة :

   منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان ، قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه باُمّ الكتاب وسورة ، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته اُمّ الكتاب» إلخ(1) .

   وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) ـ إلى أن قال : ـ وسألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة ؟ فقال : اقرأ فيهما ، فانّهما لك الأولتان ، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها»(2) وغيرهما .

   قوله : «ولا تجعل» إلخ ، أي لا تجعل الركعتين الأولتين مثل الأخيرتين في ترك القراءة فيشابه أوّل الصلاة آخرها .

   وكيف ما كان ، فما ذكره العلامة ومن تبعه من سقوط القراءة حينئذ عن المأموم لا وجه له ، لمنافاته مع هذه النصوص المصرّحة بعدم السقوط .

   ومن جميع ما ذكرنا يظهر أنّ الإمام لا يتحمّل شيئاً من أفعال الصلاة ما عدا القراءة في الأوّلتين إذا ائتمّ به فيهما ، دون ما لم يأتمّ كما في المسبوق ، ودون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 388 / أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4 .

(2) الوسائل 8 : 387 / أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2 .

ــ[264]ــ

   وإن لم يمهله الإمام لإتمامها اقتصر على الحمد وترك السورة (1) وركع معه وأمّا إذا أعجله عن الحمد أيضاً فالأحوط إتمامها واللحوق به في السجود أو قصد الانفراد((1)) ويجوز له قطع الحمد والركوع معه ، لكن في هذه لا يترك الاحتياط باعادة الصلاة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخيرتين ، ودون غيرها من سائر أفعال الصلاة كما صرّح بالأخير في موثّقة سماعة المتقدّمة وغيرها فلاحظ .

   (1) بلا خلاف ولا إشكال ، كما صرّح بذلك في صحيحة زرارة المتقدّمة .

   إنّما الكلام فيما إذا أعجله عن الحمد أيضاً ، بحيث دار الأمر بين ترك القراءة وبين ترك المتابعة . وقد ذكر في المتن حينئذ احتمالات :

   أحدها : إتمام القراءة والالتحاق به في السجود ، تقديماً لإطلاق دليل القراءة ورفعاً لليد عن إطلاق دليل المتابعة بعد عدم إمكان الجمع بينهما .

   ثانيهما : الإتيان بالمقدار الممكن من الحمد ثمّ قطعه والركوع معه ، تقديماً لإطلاق دليل المتابعة على دليل القراءة عكس ما سبق .

   وهذان الاحتمالان كما ترى لا شاهد على أىّ منهما ، فانّ كلا من الدليلين مطلق يجب الأخذ به ، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر من غير قرينة تقتضيه ، إلاّ أن يقوم دليل من الخارج كما ثبت بالنسبة إلى صلاة الجمعة في من منعه الزحام من الركوع ، وأنّه يصبر حتّى يسجد الإمام ثمّ يركع وحده ويلتحق به في السجود(2) ، فيرفع اليد عن إطلاق دليل وجوب المتابعة في خصوص المقام ، لأجل النصّ الخاص .

   وقد يقال : إنّ المقام مندرج في باب التزاحم ، لوقوع المزاحمة بين جزئية القراءة وبين شرطية المتابعة ، فلابدّ من الرجوع إلى مرجّحات هذا الباب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأحوط اختياره .

(2) الوسائل 7 : 335 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 17 ح 1 ، 3 .

ــ[265]ــ

   وفيه : ما ذكرناه في الاُصول من اختصاص التزاحم بالتكليفين النفسيين الواجبين الاستقلاليين ، وأمّا التكاليف الضمنية في المركّبات الارتباطية فهي أجنبية عن هذا الباب ، وليست من التزاحم المصطلح في شيء ، بل هي مندرجة في باب التعارض ، ونتيجته سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب منهما لدى تعذّر الجمع(1) .

   وعليه ففي المقام حيث لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل الحمد ، كما لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل المتابعة ، فلا جرم يسقط الأمر المتعلّق بالصلاة جماعة لتعذّر امتثالها ، كما لو مات الإمام أو حدث له حدث ، فتنقلب الصلاة حينئذ فرادى بطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى نيّة العدول إلى الانفراد ، فانّ امتناع الإتمام جماعة موجب للانقلاب المزبور قهراً .

   ومنه تعرف أنّ الأحوط ، بل الأظهر هو الاحتمال الثالث الذي ذكره في المتن من قصد الانفراد ، بل عرفت عدم الحاجة إلى القصد وحصول الانفراد القهري .

   لكن هذا كلّه فيما إذا عرض ذلك أثناء الصلاة ، بحيث لم يتمكّن من إتمام الجماعة بقاءً .

   وأمّا إذا علم بذلك من ابتداء الصلاة وأنّ الإمام يعجله عن الحمد ولا يمهله فصحّة الاقتداء حينئذ مشكلة ، فانّها مبنيّة على جواز الائتمام لمن يعلم بعدم التمكّن من إتمام الصلاة جماعة ، فان قلنا بالجواز صحّ في المقام ، وإلاّ فلا .

   بقي في المقام رواية واحدة ربما يستدلّ بها على سقوط القراءة ، وهي صحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام وهو أوّل صلاة الرجل ، فلا يمهله حتّى يقرأ ، فيقضي القراءة في آخر صلاته ؟ قال : نعم»(2) والمراد بآخر الصلاة في ذيل الصحيحة هي الركعة الأخيرة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 3 : 229 وما بعدها .

(2) الوسائل 8 : 388 / أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 5 .

ــ[266]ــ

   وهذه الصحيحة هي من جملة الروايات المتضمّنة أنّ من ترك القراءة في الأولتين لعذر يتداركها ويقضيها في الأخيرتين وجوباً أو استحباباً ، كي لا تخلو صلاته عن القراءة ، إذ لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ، وقد تقدّمت الإشارة إليها في مبحث القراءة(1) .

   وكيف ما كان ، فسياق الصحيحة سؤالا وجواباً وإن كان في مقام قضاء ما ترك من القراءة ، والنظر فيها مقصور عليه فحسب ، إلاّ أنّه يظهر منها المفروغية عن جواز الترك وسقوط القراءة لدى عدم إمهال الإمام ، لمغروسيّته في ذهن السائل وتقريره (عليه السلام) على ذلك ، وهو المطلوب .

   وفيه : أنّ الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، فانّ المراد بآخر صلاة الإمام ليس هو الجزء الأخير من الصلاة ـ أعني السلام ـ قطعاً ، إذ ليس هو آخر جزء يدرك من صلاة الإمام بوصف أنّه إمام ، وإن كان هو آخر صلاته بوصف أنّه مصلّ كما هو واضح . فيدور الأمر بين إدراكه في الركعة الأخيرة من صلاته في حال القيام ، وبين إدراكه فيها في حال الركوع ، ولا يخلو المراد من أحد هذين الاحتمالين .

   والاستدلال مبنىّ على استظهار الأوّل ، كي يكون المأموم مكلّفاً بالقراءة فلا يمهله الإمام ، كي تدلّ الصحيحة على سقوطها رعاية للتبعية وقضائها ـ أي الإتيان بها ـ لاحقاً وجوباً أو استحباباً فتكون ممّا نحن فيه . لكنّه غير واضح بل الظاهر إنّما هو الاحتمال الثاني ، فانّ آخر ما يدرك(2) من صلاة الإمام إنّما هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 14 : 454 وما بعدها .

(2) هذا وجيه لو كان الوارد في النصّ هو هذا العنوان ، أعني آخر ما يدرك من صلاة الإمام . وليس كذلك ، بل الوارد هكذا : آخر صلاة الإمام . ومقتضى المقابلة بينه وبين : أوّل صلاة الرجل المذكور بعد ذلك أنّ هناك حالة واحدة تعدّ آخراً بالإضافة إلى الإمام وأوّلا بالإضافة إلى المأموم ، وحيث إنّ المراد من الثاني هو الركعة لا الركوع ـ كما لا يخفى ـ  فكذلك الأوّل .

   وأمّا ما جعله (دام ظله) كاشفاً عمّا استظهره فلعلّه على خلاف المطلوب أدلّ ، فليتأمّل .  هذا وسيجيء في المسألة العشرين مزيد بحث حول الصحيحة فلاحظ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net