العدول من الفريضة الى النافلة لو اُقيمت الجماعة أثناءها وخاف فوتها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1614


ــ[290]ــ

   ولو كان مشتغلا بالفريضة منفرداً وخاف من إتمامها فوت الجماعة استحبّ له العدول بها إلى النافلة وإتمامها ركعتين (1) إذا لم يتجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الثالثة ، بل الأحوط عدم العدول إذا قام إلى الثالثة وإن لم يدخل في ركوعها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجرّد أخذ المقيم في الإقامة ، سواء أحصل خوف الفوت من شيء من المذكورات أم لا . وكأنّ هذا من احترام الجماعة وآدابها ، وهذا هو الأقوى كما يكشف عنه إطلاق صحيحة حمّاد المتقدّمة أيضاً .

   (1) على المشهور ، بل إجماعاً كما عن غير واحد . وتدلّ عليه :

   صحيحة سليمان بن خالد قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة ، فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن وأقام الصلاة قال : فليصلّ ركعتين ثمّ ليستأنف الصلاة مع الإمام ، ولتكن الركعتان تطوّعاً»(1) .

   وموثّقة سماعة قال : «سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ، قال : إن كان إماماً عدلا فليصلّ اُخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً ، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو . . .» إلخ(2) .

   ونوقش في دلالتهما على الاستحباب كما في الجواهر(3) بأنّ الأمر الوارد فيهما من أجل وقوعه موقع توهّم الحظر لا يدلّ إلاّ على الجواز والمشروعية ، دون الاستحباب .

   وبعبارة اُخرى : ظاهر الأمر في طبعه هو الوجوب ، لكنّه غير محتمل في المقام ، فانّ الجماعة سنّة ، وليست مفروضة في الصلوات كلّها ـ كما في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 404 / أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 405 / أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2 .

(3) الجواهر 14 : 37 .

ــ[291]ــ

النصّ(1) ـ فكيف يحتمل وجوب العدول إلى التطوع مقدمة لدرك الجماعة المستحبّة . فيدور الأمر بين الحمل على الاستحباب ، وبين إرادة الجواز والإباحة ، وحيث إنّه وارد مورد توهّم الحظر ـ لممنوعية العدول من الفريضة إلى النافلة في غير الموارد المستثناة ـ يتعيّن الحمل على الثاني .

   وفيه : أنّ المقام ليس من موارد توهّم الحظر المانع من الأخذ بظاهر الأمر إذ لم يرد دليل لفظي يدلّ على المنع عن العدول المزبور ، وإنّما نقول به من أجل عدم قيام الدليل على الجواز ، لا من أجل قيام الدليل على عدم الجواز كي يكون مورداً لتوهّم الحظر .

   فانّ العدول على خلاف الأصل ، والعبادة توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى الدليل ، وحيث لا دليل يحكم بعدم المشروعية ، حذراً عن التشريع المحرّم لا لقيام الدليل على العدم . وحيث ورد الدليل في المقام بلسان الأمر فلا مانع من الأخذ بظاهره وهو الاستحباب ، بعد امتناع الحمل على الوجوب كما عرفت .

   وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الروايتين لا قصور في دلالتهما على الاستحباب .

   هذا ما يرجع إلى أصل المطلب ، وأمّا خصوصياته فقد ذكر في المتن اختصاص الحكم بما إذا لم يتجاوز محلّ العدول بالدخول في ركوع الثالثة ، بل ذكر أنّ الأحوط عدم العدول فيما إذا قام للثالثة وإن لم يدخل في ركوعها ، وكأنّه لقصور النصّين عن شمول الفرضين ، سيما الموثّقة .

   إذ المفروض فيها أنّه صلّى ركعة واحدة ، فلا يشمل ما إذا دخل في الثالثة فضلا عمّا إذا دخل في ركوعها ، بل لا تشمل حتّى من كان في الثانية كما لا يخفى لأمره (عليه السلام) بالإتيان بالاُخرى ، الكاشف عن عدم الدخول بعدُ فيها . وكذا الحال في الصحيحة ، لظهور الأمر بصلاة ركعتين في عدم بلوغهما ، فضلا عن الزيادة عليهما ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدّم في ص 9 .

ــ[292]ــ

   ويظهر من المتن الفرق بين ما لو دخل في ركوع الثالثة وما إذا لم يدخل ومن هنا جزم بعدم العدول في الأوّل واحتاط في الثاني .

   والأقوى ثبوت الفرق وجواز العدول في الثاني دون الأوّل .

   وتوضيحه : أنّ الركوع الصادر ممّن دخل في ركوع الثالثة واقع في محلّه وغير متّصف بالزيادة حال حدوثه ، وإنّما يتّصف بها بعد ذلك من أجل العدول إلى النافلة ، فأدلّة الزيادة القادحة غير شاملة للمقام ، لاختصاصها بما إذا أوجد الزائد ابتداءً ، لا ما إذا أعطى وصف الزيادة لما كان ، كما هو الحال في غير المقام .

   ولذا ذكرنا في بحث القراءة(1) أنّه عند التلفّظ بكلمة (مالك) مثلا ، لو قال (ما) فبدا له في إتمامها ، ثمّ استأنفها وأتى بالكلمة تامّة لم تبطل صلاته بلا إشكال ، فانّ لفظة (ما) وإن اتّصفت بالزيادة من أجل فوت الموالاة وعدم التحاق الجزء الأخير من الكلمة أعني (لك) بها ، إلاّ أنّها حين حدوثها وقعت في محلّها ولم تكن زائدة ، وإنّما طرأ لها وصف الزيادة فيما بعدُ ، وأدلّة الزيادة العمديّة المبطلة منصرفة عن مثل ذلك ، وخاصّة بما إذا أحدث الزائد ابتداءً .

   وبالجملة : فالركوع المزبور وإن لم يكن مشمولا لأدلّة الزيادة القادحة إلاّ أنّه موجب لبطلان النافلة المعدول إليها ، لكونه زيادة في الركن ولو بقاءً ، ولم يثبت العفو عنها إلاّ في الزيادة السهويّة .

   وأمّا العمديّة في الأركان سواءً أكانت باحداث الزائد ابتداءً أو باعطاء وصف الزيادة لما كان فهي توجب البطلان في النافلة كالفريضة ، لاندراجها في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق الخلل نقصاً أو زيادة ، فانّ بعض المذكورات فيه وإن لم تتصوّر فيه الزيادة كالوقت والقبلة والطهور ، لكن البعض الآخر كالركوع والسجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 14 : 429 .

ــ[293]ــ

تتصوّر فيه ، وهو كاف في الشمول ، ومن البيّن أنّه لا معنى للعدول إلى نافلة باطلة .

   هذا فيما إذا كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة ، وأمّا قبل الدخول فيه فلا موجب للبطلان ، فانّ أدلّة الزيادة القادحة قد عرفت قصورها عن الشمول للمقام . وحديث لا تعاد لا يقتضيه أيضاً بعد أن لم يكن الزائد من الأركان . فلم تشتمل النافلة المعدول إليها على خلل يستوجب بطلانها ، فلا مانع من العدول إليها . وبذلك يفرق بين الصورتين في العدول ، هذا في مقام الثبوت .

   وأمّا في مقام الإثبات فربما يشكل بعدم وفاء النصّ لإثبات جواز العدول في الفرض المزبور بعد كونه على خلاف الأصل . أمّا الموثّقة فقصورها عن ذلك ظاهر كما مرّ ، وأمّا الصحيحة فلتضمّنها الأمر بصلاة ركعتين ، الظاهر في عدم بلوغ المصلّي الذي اُقيمت لديه الجماعة هذا الحدّ ، فضلا عن الزيادة عليهما والدخول في الثالثة . فهذا الفرض خارج عن مورد الصحيحة المتكفّلة بجواز العدول .

   وفيه : أنّ الظاهر بل المقطوع به اتّفاق الأصحاب على جواز العدول فيما إذا صلّى ركعتين من الفريضة وبعد انتهائه عن التشهّد اُقيمت الجماعة ، فانّه لم يستشكل أحد فيما نعلم في جواز العدول حينئذ إلى النافلة ، مع خروج الفرض ـ لو تمّ ما اُفيد ـ عن مقتضى الجمود على النصّ .

   ولا ينبغي الاستشكال فيه ، إذ ليس المراد من أمره (عليه السلام) بصلاة ركعتين تطوّعاً إحداث الركعتين برفع اليد عن الفريضة وإيجاد نافلة جديدة فانّ هذا غير مقصود بالضرورة كما هو واضح ، بل المراد إتمام الصلاة ركعتين والفراغ عنها كذلك بعد العدول إلى النافلة .

   ولا ريب أنّ هذا كما يشمل ما لو كان في الركعة الاُولى ـ وقد اُقيمت الجماعة ـ يشمل ما لو كان في الثانية ، بل في الثالثة ما لم يدخل في ركوعها المانع عن العدول . ففي جميع ذلك يصحّ منه إتمام الصلاة على ركعتين ، فيندرج الكلّ تحت إطلاق النصّ بمناط واحد .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net