إتيان المأموم بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام - اختلاف الإمام والمأموم في المسائل الصلاتية 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1943


ــ[298]ــ

   [1952] مسألة 30 : يجوز للمأموم الإتيان بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام ثمّ الإتيان بتكبيرة الإحرام بعد إحرامه وإن كان الإمام تاركاً لها (1) .

   [1953] مسألة 31 : يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر (2) مع اختلافهما في المسائل الظنّية المتعلّقة بالصلاة إذا لم يستعملا محلّ الخلاف واتّحدا في العمل ، مثلا إذا كان رأي أحدهما اجتهاداً أو تقليداً وجوب السورة ورأي الآخر عدم وجوبها يجوز اقتداء الأوّل بالثاني إذا قرأها وإن لم يوجبها ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التخلّف موجباً لفوات المتابعة .

   (1) ذكرنا في بحث تكبيرة الإحرام(1) عند التعرّض للتكبيرات الافتتاحية أنّ المستفاد من النصوص أنّ تكبيرة الإحرام وما به يتحقّق الافتتاح هي الواحدة منها لا مجموعها ، لقوله (عليه السلام) : يجهر بواحدة(2) . وقلنا : إنّ الأولى والأحوط اختيار الأخير منها ، وعليه فما تقدّمها من التكبيرات الست اُمور مستحبّة خارجة عن الصلاة . فللمأموم الإتيان بها ، سواء أتى بها الإمام أم لا ، لإطلاق دليل الاستحباب ، ووضوح عدم لزوم المتابعة فيما هو خارج عن الصلاة .

   ولأجله لا يلزم تأخّره فيها عن الإمام لو أتى الإمام بها أيضاً ، وإنّما اللازم تأخّره عن الإمام في تكبيرة الإحرام التي بها يفتتح الصلاة ويتحقّق الدخول فيها ، وأمّا قبل ذلك فلا جماعة بعدُ ولا متابعة ، فلا مانع من تقدّمه فيها عليه سواء أتى بها الإمام أم لا ، كما هو ظاهر .

   (2) لا ريب في صحّة الاقتداء فيما إذا رأى الإمام وجوب شيء لم يكن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 14 : 143 .

(2) الوسائل 6 : 33 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 12 .

ــ[299]ــ

وكذا إذا كان أحدهما يرى وجوب تكبير الركوع أو جلسة الاستراحة أو ثلاث مرّات في التسبيحات في الركعتين الأخيرتين يجوز له الاقتداء بالآخر الذي لا يرى وجوبها لكن يأتي بها بعنوان الندب ، بل وكذا يجوز مع المخالفة في العمل أيضاً((1)) فيـما عدا ما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الاُوليين التي يتحمّلها الإمام عن المأموم ، فيعمل كلّ على وفق رأيه .

   نعم لا يجوز اقتداء من يعلم وجوب شيء بمن لا يعتقد وجوبه مع فرض كونه تاركاً له ، لأنّ المأموم حينئذ عالم ببطلان صلاة الإمام ، فلا يجوز له الاقتداء به ، بخلاف المسائل الظنّية ، حيث إنّ معتقد كلّ منهما حكم شرعي ظاهري في حقّه ، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر ، بل كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واجباً عند المأموم ممّا يتعلّق بالصلاة ، اجتهاداً أو تقليداً أو بالاختلاف ، لصحّة صلاة الإمام قطعاً وإن اشتملت على ما هو مستحبّ في نظر المأموم كجلسة الاستراحة ، وهذا ظاهر .

   وأمّا عكس ذلك ـ أي الاقتداء بإمام لا يرى وجوب شيء وهو واجب عند المأموم ـ فلا ريب في الصحّة أيضاً فيما إذا أتى الإمام بذلك الشيء ، لاشتمال الصلاة حينئذ على كلّ ما يعتبره المأموم فيها . ومجرّد الاختلاف في النظر غير المؤثر في العمل غير قادح في صحّة الائتمام بلا كلام .

   إنّما الكلام فيما إذا لم يأت الإمام بذلك الشيء ، وهذا قد يفرض فيما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الاُوليين اللتين يتحمّلها الإمام ، كما لو ترك السورة بانياً على عدم وجوبها مع كونها واجبة في نظر المأموم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر عدم جواز الاقتداء فيما يرى المأموم بطلان صلاة الإمام بعلم أو علمي ، نعم إذا كان الإخلال بما لا تبطل الصلاة به في ظرف الجهل صحّ الاقتداء ، بلا فرق بين العلم  والعلمي أيضاً .

ــ[300]ــ

   وقد يفرض فيما يتعلّق بغيرها ، كما لو ترك الإمام جلسة الاستراحة ، أو تكبيرة الركوع ، أو التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً ، لبنائه على عدم وجوبها مع كونها واجبة عند المأموم ، فاختلفا نظراً وعملا ، فهل يجوز الاقتداء به ؟ فهنا مقامان .

   والكلام فعلا في المقام الثاني ، أعني ما يتعلّق بغير القراءة . وقد فصّل في المتن حينئذ بين ما إذا كان الاختلاف راجعاً إلى الظنون الاجتهادية ، بأن قامت الأدلّة الشرعية والحجّة الفعلية عند كلّ منهما بنفسه أو بمقلّده على خلاف ما أدّى إليه نظر الآخر ، وبين ما إذا كان المأموم عالماً بوجوب ما لا يراه الإمام واجباً علماً وجدانياً ، بحيث كان قاطعاً ببطلان صلاة الإمام .

   فيجوز الاقتداء في الأوّل ، إذ الدليل العلمي والظنّي الاجتهادي كما هو قائم عند المأموم قائم عند الإمام أيضاً ، وكلّ منهما مستند إلى حجّة شرعية والحكم الشرعي الظاهري ثابت في حقّ كلّ منهما بمناط واحد ، والحكم الواقعي الذي ربما يصيبه المجتهد وربما لا يصيب غير معلوم لدى كلّ واحد منهما . فليس لأحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بعد أن كان كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً ظاهرياً من غير ترجيح لأحدهما على الآخر . فلا مانع من الاقتداء به .

   وهذا بخلاف الصورة الثانية ، إذ بعد انكشاف الواقع لدى المأموم بعلم وجداني فهو يرى على سبيل القطع بطلان صلاة الإمام ، وجازم بفسادها في مرحلة الواقع ، ومعه كيف يسوغ له الاقتداء بهذه الصلاة الفاسدة .

   أقول : قد ذكرنا في الاُصول في مبحث الإجزاء(1) ، وأشرنا في مسائل التقليد أنّ نظر المجتهد سواء تحصّل من الظنّ الاجتهادي أو من غيره لا يكون حجّة إلاّ في حقّه وحقّ مقلّديه ، ولا يكون نافذاً بالإضافة إلى من سواه ممّن يخالفه في الرأي . فلو غسل المتنجّسَ بالبول في الكرّ مرّة مَن يرى الاكتفاء بها اجتهاداً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 285 .

 
 

ــ[301]ــ

أوتقليداً لا يجزي في حقّ غيره ممّن يرى اعتبار التعدّد ، ولا يجوز له ترتيب آثار الطهارة . وهكذا لو اختلفا في سائر ما يعتبر في التطهير أو غيره .

   وقد ذكرنا في محلّه(1) أيضاً أنّ معنى الحجّية بناءً على الطريقية هو إلغاء احتمال الخلاف ، وفرض من قامت عنده الأمارة عالماً في اعتبار الشارع ، وكأنّه يرى الواقع رؤية علمية ، غايته أنّ العلم تعبّدي لا وجداني ، ولا ضير فيه بعد أن ألحقه الشارع به بدليل الاعتبار ، الراجع إلى تتميم الكشف وكونه بمثابة العلم الوجداني في جميع الآثار .

   إذن لا فرق بين العلم والعلمي من هذه الجهة أصلا ، ومعه كيف يسوغ الاقتداء بمن يعلم المأموم بطلان صلاته ولو بعلم تعبّدي هو في حكم العلم الوجداني في نظر الشارع ، نعم هو معذور فيها من أجل قيام الحجّة عنده على الصحّة ، إلاّ أنّ معذوريّته لا تجدي بالقياس إلى المأموم الذي لم تتمّ عنده تلك الحجّة ، إذ قد عرفت آنفاً أنّ نظر المجتهد لا يكون نافذاً في حقّ غير مقلّديه .

   فالصحّة عند الإمام لا تجدي بالإضافة إلى المأموم الذي يخالفه في الرأي فانّ صلاة الإمام في المقام نظير التطيهر في الكرّ الذي مثّلنا به آنفاً ، فكما لا يجوز ترتيب آثار الطهارة لمن يخالفه في الرأي فكذا لا يجوز الائتمام في المقام .

   وحاصل الكلام : أنّا لا نجد فرقاً بين العلم والعلمي من هذه الجهة أبداً فإمّا أن يبنى على البطلان في كليهما من جهة العلم ولو تعبّداً بفساد صلاة الإمام ، المانع عن الائتمام ، أو على الصحّة في كليهما أيضاً ، بدعوى أنّ الموضوع لجواز الائتمام هي الصحّة في نظر الإمام ، وإن كانت الدعوى غير ثابتة .

   والتحقيق : هو التفصيل بوجه آخر ، وهو أنّ ما يختلف فيه المأموم مع الإمام على نوعين :

   فتارة : يرجع الاختلاف إلى ما يتعلّق بالأركان ، بحيث يرى المأموم بطلان صلاة الإمام واقعاً وإن كان معذوراً فيه ، على نحو لو علم به الإمام وانكشف له

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 104 ـ 107 .

ــ[302]ــ

الحال أثناء الصلاة أو بعدها وجبت عليه الإعادة ، بل القضاء خارج الوقت لإخلاله بشرط أو جزء ركني .

   مثال الشرط : ما لو اختلفا في مصداق الطهور ، كما لو كانت في بعض محالّ الوضوء من أعضاء الإمام نجاسة عينيّة لا يمكن إزالتها ، فيتيمّم الإمام لبنائه على أنّ المورد من موارد التيمّم ، والمأموم يرى أنّه من موارد الوضوء جبيرة .

   ومثال الجزء : ما لو اختلفا في مصداق الركوع ، كما لو كان الإمام مبتلى بوجع في ظهره يمنعه عن الركوع قائماً ، فأومأ إليه بانياً على أنّ الوظيفة حينئذ هي الإيماء ، والمأموم يرى أنّ الوظيفة هي الركوع جالساً .

   ففي أمثال المقام لا يصحّ الائتمام ، إذ المأموم يرى بعلم أو علمي فساد صلاة الإمام حتّى واقعاً ، وأنّها مجرّد صورة الصلاة ، وليست من حقيقتها في شيء للإخلال بركن مقوّم للحقيقة ، بحيث لو التفت إليه الإمام وتبدّل رأيه وجبت عليه أيضاً الإعادة أو القضاء ، ومعه كيف يسوغ الاقتداء به .

   واُخرى : يرجع الاختلاف إلى ما عدا الأركان ، بحيث لا يوجب البطلان إلاّ في ظرف العلم والعمد ، دون الجهل أو السهو ، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب جلسة الاستراحة ، أو عدم وجوب التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً وكفاية الواحدة ، أو عدم وجوب الذكر الخاصّ في الركوع والسجود والاكتفاء بمطلق الذكر ، هذا في الأجزاء .

   وكذا في الشرائط ، كما لو كان بانياً على عدم اعتبار الطمأنينة في التشهّد فتركها ، والمأموم يرى بعلم أو علمي وجوب هذه الاُمور .

   ففي أمثال هذه الموارد يصحّ الاقتداء ، لصحّة صلاة الإمام حينئذ لدى كلّ من الإمام والمأموم حتّى واقعاً ، بحيث لو انكشف الحال وتبدّل رأي الإمام لم تجب عليه الإعادة ، لحديث «لا تعاد . . .»(1) الحاكم على الأدلّة الأوّليّة والموجب لاختصاص الجزئية والشرطية فيما عدا الأركان ـ أعني الخمسة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8 .

ــ[303]ــ

المستثناة ـ بحال الذكر والعلم ، وسقوطها في ظرف السهو أو الجهل القصوري أي مطلق العذر ، بناءً على التحقيق من شموله للجاهل كالناسي .

   فالصلاة الصادرة عن الإمام وإن كانت باطلة بحسب الجعل الأوّلي في نظر المأموم لفقدانها الجزء أو الشرط ، لكنّها محكومة بالصحّة الواقعية بحسب الجعل الثانوي المستفاد من حديث «لا تعاد . . .» ، إذ كما أنّ الأمر بالإعادة يكشف عن البطلان الواقعي في نحو قوله (عليه السلام) : «من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة»(1) فكذا نفي الإعادة الذي تضمّنه الحديث يكشف عن الصحّة الواقعية بمقتضى المقابلة كما لا يخفى .

   وبالجملة : دلّ الحديث على أنّ الجزئية أو الشرطية غير الركنيةِ ذكريةٌ لا واقعية . فهذه الصلاة وإن كانت باطلة لو صدرت عن المأموم العالم بالحال لكنّها صحيحة حتّى واقعاً من الإمام المعذور والجاهل بذلك ، لاختلاف الموضوع .

   فالمقام بعينه نظير ما سيذكره الماتن (قدس سره) في بعض المسائل الآتية من صحّة الاقتداء فيما لو رأى المأموم نجاسة غير معفوّ عنها في لباس الإمام وهو لا يدري ، فكما أنّ اشتمال اللباس على النجس غير مانع عن الاقتداء لجهله به ، الموجب لصحّة صلاته واقعاً في هذه الحال ، بحيث لا إعادة عليه لدى انكشاف الخلاف وإن لم تجز الصلاة فيه من المأموم العالم به ، فكذا في المقام حرفاً بحرف ، غايته أنّ الشبهة هنا حكمية وهناك موضوعية . وهذا لا يستوجب فرقاً جوهرياً في مناط البحث بالضرورة .

   بل يكاد المقام يكون نظيراً لائتمام المرأة بالرجل ، حيث إنّ الواجب عليها ستر تمام بدنها في الصلاة دون الإمام . فكما أنّ اقتصار الإمام على ستر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 [ولا يخفى كونها مرسلة ، ولعلّ المقصود الاستدلال بما هو في مضمونها وهو ح 1 وغيره من أحاديث الباب] .

ــ[304]ــ

   وأمّا فيـما يتعلّق بالقراءة في مورد تحمّل الإمام عن المأموم وضمانه له فمشكل((1)) لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان بحسب معتقد المضمون عنه ، مثلا إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة والمفروض أنّه تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به ، وكذا إذا كان قراءة الإمام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم أو نحو ذلك (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العورتين غير مانع من اقتدائها به ، لصحّة صلاته حينئذ حتّى واقعاً وإن لم يصحّ مثل ذلك عنها ، لأجل تعدّد الموضوع الموجب لتغاير الحكم الواقعي ، فكذا في المقام بمناط واحد .

   فهذا التفصيل هو الحري بالقبول . وملخّصه : أنّ الاختلاف إن كان عائداً إلى الأركان التي هي أجزاء أو شرائط واقعية ومعتبرة في الصحّة في حالتي العلم والجهل لم يصحّ الاقتداء ، سواء أكان نظر المأموم أو مقلّده متحصّلا من علم أو علمي . وإن كان راجعاً إلى ما عداها ممّا هي أجزاء أو شرائط ذكرية ومعتبرة في حالة العلم والالتفات خاصّة دون الجهل صحّ الاقتداء حينئذ ، من غير فرق بين العلم والعلمي أيضاً كما عرفت بما لا مزيد عليه . هذا كلّه في المقام الثاني .

   (1) وأمّا المقام الأوّل أعني ما يتعلّق بالقراءة ، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب سورة فتركها والمأموم يرى الوجوب ، أو كانت قراءته باطلة عنده من أجل تركه إدغاماً أو مدّاً لازماً ونحو ذلك ممّا يرى المأموم وجوبه دون الإمام فهل يصحّ به الائتمام ؟

   لابدّ من فرض الكلام في القراءة التي يتحمّلها الإمام كما أشار إليه في المتن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الظاهر عدم جوازه إذا كان الاقتداء به حال القراءة ، وأمّا إذا كان حال الركوع فلا إشكال فيه .

ــ[305]ــ

   نعم يمكن أن يقال((1)) بالصحّة إذا تداركها المأموم بنفسه كأن قرأ السورة في الفرض الأوّل ، أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً ، بل يحتمل أن يقال إنّ القراءة في عهدة الإمام ويكفي خروجه عنها باعتقاده ، لكنّه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بترك الاقتداء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمّا ما لا يتحمّل كما في الأخيرتين مع عدم استعماله مورد الخلاف في الأولتين بأن راعى الإدغام أو المدّ مثلا ـ الذي يعتبره المأموم ـ في الأولتين وأهملهما في الأخيرتين ، فهو خارج عن محلّ الكلام ، ومندرج في المقام الثاني الذي مرّ البحث عنه ، ويجري فيه التفصيل المتقدّم عن الماتن من الفرق بين العلم والعلمي ، وعلى ضوء ما ذكرناه يحكم بصحّة الاقتداء حينئذ مطلقاً كما لا يخفى .

   فمحلّ الكلام هنا ما يتحمّله الإمام ويضمن عن المأموم كما في الأولتين .

   وقد استشكل في المتن في صحّة الائتمام حينئذ ، من أجل أنّ القراءة واجبة على المأموم وغير ساقطة عنه رأساً ، غايته أنّه يجتزي بقراءة الإمام ، وهو ضامن عنه بمقتضى النصوص المتكفّلة للضمان ، فيجب عليه الإتيان بها إمّا بنفسه أو ببدله الصحيح وهو قراءة الإمام ، والمفروض أنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه ، فلم يؤت لا بها ولا ببدلها الصحيح .

   ثمّ احتمل الصحة فيما إذا تصدّى المأموم لتدارك النقص بنفسه ، كأن قرأ السورة أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً ، إذ لا قصور في القراءة إلاّ من هذه الناحية المفروض تداركها ، فقد تحقّقت القراءة الصحيحة بمجموع فعله وفعل الإمام .

   واحتمل أخيراً الصحّة من غير تدارك ، بدعوى أنّ القراءة إنّما هي في عهدة الإمام ، وساقطة عن المأموم ، ويكفي خروجه عنها حسب اعتقاده .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا وما ذكر بعده من الاحتمال ضعيفان جدّاً .

ــ[306]ــ

   أقول : أمّا أوّل الاحتمالين فهو وإن كان ممكناً ثبوتاً ، ولا مانع عنه في حدّ نفسه ، إلاّ أنّه لا دليل عليه في مرحلة الإثبات ، فانّ مشروعيّة القراءة التلفيقية التي هي على خلاف الأصل تحتاج إلى دليل مفقود . وظاهر قوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(1) لزوم الإتيان بتمام القراءة إمّا بنفسه أو بمن يقوم مقامه ، وهو الإمام بمقتضى أدلّة الضمان ، وأمّا المركّب منهما فهو مخالف لظاهر الأمر ، ومناف لمقتضى الأصل كما عرفت .

   وأمّا ثاني الاحتمالين الذي ذكره أخيراً فهو أيضاً ساقط ، إذ المستفاد من أدلّة الضمان على اختلاف ألسنتها من أنّه يكِلها إلى الإمام ، أو يجزيك قراءته ، أو أنّه ضامن ، ونحو ذلك ، أنّ الساقط إنّما هو قيد المباشرة لا أصل القراءة ، فهي باقية على وجوبها ما لم يؤدّها بنفسها أو ببدلها الصحيح ، والمفروض انتفاء كلا الأمرين . فهذان الاحتمالان ساقطان لضعفهما جدّاً .

   فيبقى الإشكال الذي ذكره أوّلا ، وهو في محلّه ، لما عرفت في تقريره من أنّ المأموم لا يشذّ عن غيره في مشموليّته للخطاب المتعلّق بالقراءة بمقتضى عموم «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» إذ لا تخصيص في هذا العام .

   غاية الأمر ثبت اجتزاؤه في مرحلة الامتثال بقراءة الإمام على ما تقتضيه أدلّة الضمان ، وأنّه يكِلها إليه ، وقراءته قراءته ، ويكون الواجب إمّا التصدّي للقراءة أو إيكالها إلى الإمام باختيار الجماعة ، فالساقط ليس إلاّ خصوص التصدّي لها بنفسه ـ أعني قيد المباشرة ـ دون أصل الوجوب ، فيكتفي ببدلها عوضاً عن نفسها .

   ولا ريب أنّ هذا الإيكال والتضمين خاصّ بما إذا خرج الإمام عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه ، كي يتحقّق البدل الصحيح الذي كلّف به المأموم عوضاً عن القراءة التي اُمر بها ، إذ لو كانت فاسدة عنده فوجودها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 ، راجع ص 18 ، الهامش (1) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net