انكشاف فسق الإمام أو كونه امرأة أو فقدان صلاته لركن ونحوه بعد الفراغ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1760


ــ[311]ــ

   [1956] مسألة 34 : إذا تبيّن بعد الصلاة كون الإمام فاسقاً (1) أو كافراً ، أو غير متطهّر ، أو تاركاً لركن مع عدم ترك المأموم له ، أو ناسياً لنجاسة غير معفو عنها في بدنه أو ثوبه انكشف بطلان الجماعة ، لكن صلاة المأموم صحيحة إذا لم يزد ركناً أو نحوه ممّا يخلّ بصلاة المنفرد للمتابعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اجتهاده ، فيصحّ الائتمام في الأوّل دون الثاني .

   وهذا التفصيل متين في حدّ نفسه ، إذ النجاسة الواقعية منجّزة في حقّه لدى التقصير ، ومعه تفسد صلاته ، فلا يصحّ الائتمام به . لكنّه غير منطبق على المقام إذ فرض تقصير الإمام مناف لعدالته كما لا يخفى ، ومحلّ الكلام ما إذا كان الإمام جامعاً لشرائط الإمامة . فلابدّ من فرض كونه جاهلا بالحكم عن قصور .

   (1) أمّا إذا كان التبيّن قبل الدخول في الصلاة معه فلا إشكال في عدم جواز الائتمام كما مرّ(1) ، وأمّا لو كان بعد الفراغ عنها فلا إشكال في بطلان الجماعة لاختلالها باختلال شرطها ممّا يعود إلى الإمام لظهور فسقه أو نحوه ، أو إلى الصلاة نفسها كوقوعها من غير طهارة ، أو فاقدة لركن ، أو مع النجاسة غير المعفوّ عنها ، ونحو ذلك .

   كما لا ريب في وجوب الإعادة على الإمام حينئذ لو تبيّن له بطلان صلاته .

   إنّما الكلام في المأموم ، فالمشهور صحّة صلاته وعدم وجوب الإعادة عليه . وعن الأسكافي(2) وعلم الهدى(3) وجوب الإعادة ، وعن الصدوق على ما حكاه الشيخ عنه التفصيل بين الجهريّة فلا يعيد ، والإخفاتيّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسائل الثلاث السابقة .

(2) حكاه عنه في المختلف 2 : 497 المسألة 357 [وقول ابن الجنيد مختص بالكفر والفسق فقط . نعم حكى عنه في ص 513 المسألة 373 الإعادة لو تبيّن حدث الإمام مادام الوقت    باقياً] .

(3) [ذكر في الناصريات : 242 وجوب الإعادة لو تبيّن حدث الإمام . وحكى الحلّي في السرائر 1 : 282 عنه الوجوب أيضاً لو تبيّن كفر الإمام أو فسقه] .

ــ[312]ــ

فيعيد(1) . ومستند المشهور روايات كثيرة ، جملة منها معتبرة ، تضمّنت نفي الإعادة صريحاً(2) .

   ولكن بازائها روايات اُخرى ربما يستدلّ بها لوجوب الإعادة ، ولعلّها هي مستند الأسكافي .

   منها : ما عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) «قال : صلّى عمر بالناس صلاة الفجر ، فلمّا قضى الصلاة أقبل عليهم فقال : أيّها الناس إنّ عمر صلّى بكم الغداة وهو جنب ، فقال له الناس : فماذاترى ؟ فقال : علَىّ الإعادة ولا إعادة عليكم ، فقال له علي (عليه السلام) : بل عليك الإعادة وعليهم ، إنّ القوم بإمامهم يركعون ويسجدون ، فاذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأمومين»(3) .

   وفيه : أنّها ضعيفة السند بالإرسال(4) مضافاً إلى ما قيل من جواز أن يكون الأمر بالإعادة لخصوصية المورد ، وهو كون الإمام من كان ، لا لاطّراد الحكم في كلّ مورد .

   ومنها : ما عن البحار عن نوادر الراوندي بسنده عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جدّه موسى بن جعفر عن آبائه(عليهم السلام) : «من صلّى بالناس وهو جنب أعاد وأعاد الناس»(5) .

 وهي أيضاً ضعيفة ، فانّ موسى بن إسماعيل الذي يروي الأشعثيّات وإن كان موثوقاً ، لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات(6) إلاّ أنّ طريق الراوندي إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقنع : 118 [لكن خصّه بما إذا تبيّن كفر الإمام ـ المذكور في المقنع لفظ (يهودي) ـ وفي الفقيه 1 : 263 ذيل ح 1200 حكى التفصيل المذكور عن جماعة من مشايخه] .

(2) الوسائل 8 : 371 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ، 37 ، 38 .

(3) المستدرك 6 : 485 / أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2 ، دعائم الاسلام 1 : 152 .

(4) مضافاً إلى جهالة مؤلّف الدعائم كما اُشير إليه في المعجم 20 : 184 / 13102 .

(5) البحار 85 : 67 / 19 .

(6) عدل (دام ظلّه) عنه أخيراً ، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة .

ــ[313]ــ

الرجل غير معلوم لدينا ، فتكون في حكم المرسل .

   على أنّ هذه الرواية كسابقتها مع الغضّ عن سندهما قابلتان للحمل على الاستحباب ، جمعاً بينهما وبين الروايات المتقدّمة(1) ، فانّ غايتهما الظهور في وجوب الإعادة ، وتلك صريحة في نفي الإعادة كما عرفت ، فيرفع اليد عن الظهور بالنصّ ، ويحمل على الندب ، فتأمّل .

   ومنها : رواية العرزمي عن أبيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «صلّى علي (عليه السلام) بالناس على غير طهر ، وكانت الظهر ، ثمّ دخل فخرج مناديه أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) صلّى على غير طهر فأعيدوا ، وليبلّغ الشاهد الغائب»(2) .

   وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها ، لعدم ثبوت وثاقة والد العرزمي ، أنّ مضمونها غير قابل للتصديق ، لمنافاته العصمة ، وعدم انطباقه على اُصول المذهب . ولا يكاد ينقضي تعجّبي من الشيخ والكليني لدى الظفر بهذه الرواية وأمثالها ممّا يخالف اُصول المذهب أنّهما كيف ينقلانها في كتب الحديث(3) المستوجب لطعن المخالفين على اُصولنا .

 على أنّ مضمون هذه الرواية مقطوع البطلان ، كيف ولو كانت لهذه القصة أىّ شائبة من الحقيقة لنقلها أعداؤه ومناوئوه في كتبهم ، واشتهرت بينهم لتضمّنها أكبر طعن وتشنيع عليه (عليه السلام) مع حرصهم على تنقيصه بكلّ ما تيسّر لهم ولو كذباً وافتراءً (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَ هِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَـفِرُونَ)(4) مع أنّها ليست مشهورة عندهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [تقدمت مصادرها في الصفحة السابقة ، من دون أن تذكر الروايات ، نعم تقدّم البعض في    ص 76 وما بعدها] .

(2) الوسائل 8 : 373 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 9 .

(3) التهذيب 3: 40 / 140، الاستبصار 1: 433 / 1671.

(4) التوبة 9 : 32 .

ــ[314]ــ

ولا منقولة في كتبهم إلاّ نادراً . وكيف كان ، فهذه الرواية من الضعف والسقوط بمكان .

   ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أيضمن الإمام صلاة الفريضة ، فانّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن ؟ فقال : لا يضمن ، أىّ شيء يضمن ؟ إلاّ أن يصلّي بهم جنباً أو على غير طهر»(1) دلّت على أنّ الإمام الذي صلّى فاسداً ضامن لصلاة المأمومين ، لبطلان صلاتهم ، أي فتجب عليهم الإعادة بعد إعلانه لهم ، هذا .

   وصاحب الوسائل (قدس سره) استدلّ بها على عكس ذلك ، وأنّ الحكم بضمان الإمام حينئذ يدلّ على وجوب الإعادة عليه وعدم وجوب الإعادة على المأمومين ، وكأنّه (قدس سره) حمل الضمان هنا على معنى الضمان في باب الأموال على مسلك الخاصّة ، من تفسيره سقوط ذمّة المضمون عنه ، وانتقال ما في ذمّته إلى ذمّة الضامن ، في قبال مسلك الجمهور حيث فسّروه بضمّ ذمّة إلى ذمّة ، إذ عليه لا تكون الإعادة إلاّ في ذمّة الإمام دون المأمومين ، لانتقال ما في ذمّتهم إلى ذمّته بعد كونه ضامناً عنهم .

   ولكنّه كما ترى ، فانّ حمل الضمان في باب العبادات على معناه في باب المعاملات بعيد جدّاً .

   والإنصاف : أنّ الرواية لا دلالة فيها لا على وجوب الإعادة على المأمومين ولا على عدم الوجوب ، فانّ مفادها أنّ صلاة المأمومين إنّما هي في عهدتهم ، وهم المكلّفون بإتيانها على وجهها من الأجزاء والشرائط ، وليست في عهدة الإمام كما يزعمه هؤلاء من إيكال الصلاة إلى الإمام وعدم إتيانهم بشيء عدا مجرّد المتابعة في الأفعال ، وكأنّ المصلّي حقيقة ليس إلاّ الإمام فحسب .

   فلا يتحمّل الصلاة عنهم ، ولا يتعهّد لهم بشيء عدا أن يصلّي بهم صلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 373 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 6 .

ــ[315]ــ

صحيحة ، حيث إنّه لازم التصدّي لمنصب الإمامة ، فلا يتعهّد ولا يضمن إلاّ الإمامة بالإتيان بصلاة صحيحة جامعة للأجزاء والشرائط ، فلو خالف وصلّى بهم صلاة فاسدة كأن كان جنباً أو على غير طهر كان آثماً ومعاقباً ، لخروجه عن مقتضى تعهّده وإخلاله بوظيفته إن كان عامداً ، وإلاّ فلا شيء عليه .

   فذكر الجنب وعلى غير طهر من باب المثال لفساد الصلاة . وضمان الإمام حينئذ معناه الإثم الناشئ عن تخلّفه عن تعهّده ، ولا تعرّض في الصحيحة لحكم الإعادة على المأمومين نفياً ولا إثباتاً .

   وكيف ما كان ، فهذه الروايات كلّها ساقطة وغير صالحة للاستدلال بها لوجوب الإعادة ، قبال هاتيك الروايات الكثيرة المعتبرة المتضمّنة لنفي الإعادة صريحاً ، التي هي مستند المشهور كما عرفت .

   ثمّ إنّ تلك الروايات قد تضمّنت نفي الإعادة في مواضع أربعة :

   الأوّل : ما إذا كان الإمام جنباً أو على غير طهر ، كصحيحة الحلبي : «من صلّى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء فعليه الإعادة ، وليس عليهم أن يعيدوا . . .» إلخ ، ونحوها صحاح محمّد بن مسلم وزرارة وابن أبي يعفور وغيرها(1) وقد عرفت أنّ بازاء هذه روايات اُخرى تضمّنت وجوب الإعادة في نفس المورد ، كلّها ساقطة كما مرّ آنفاً .

   الثاني : ما لو تبيّن كفر الإمام ، دلّت عليه مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل فلمّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهودي ، قال : لا يعيدون»(2) .

   وما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن أبي عمير في نوادره ، وباسناده عن زياد بن مروان القندي في كتابه : «أنّ الصادق (عليه السلام) قال في رجل صلّى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 371 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 1 ، 3 ، 4 ، 5 ، 7 .

(2) الوسائل 8 : 374 / أبواب صلاة الجماعة ب 37 ح 1 .

ــ[316]ــ

بقوم من حين خرجوا من خراسان حتّى قدموا مكّة فاذا هو يهودي أو نصراني ، قال : ليس عليهم إعادة»(1) .

   لكن المرسلة ضعيفة عندنا وإن كانت صحيحة لدى المشهور بناءً منهم على معاملة المسانيد مع مراسيل ابن أبي عمير ، لما ذكره الشيخ من أنّه لا يروي إلاّ عن الثقة(2) . فانّا قد ظفرنا على روايته عن الضعاف في غير مورد ممّن ضعّفه النجاشي وغيره . فهذه الدعوى غير مسموعة كما أشرنا إليه مراراً .

   على أنّ الشيخ بنفسه لم يعمل بمرسلة ابن أبي عمير في موضعين من التهذيبين ، مصرحاً بضعف الرواية من جهة الإرسال(3) .

   وأمّا الرواية الاُخرى فان كان المراد بمحمد بن أبي عمير هو ابن أبي عمير المعروف ـ المتقدّم ذكره آنفاً ـ فالرواية مرسلة ، لأنّه من أصحاب الرضا (عليه السلام) فلا يمكن روايته عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ، فيعود الكلام السابق من ضعفها للإرسال . وإن كان المراد به شخصاً آخر غير المعروف فهو لم يوثّق .

   وأمّا القندي الذي يروي عنه الصدوق بسند آخر فهو واقفي ، بل من أحد أركان الوقف ، ولم يوثّق في كتب الرجال(4) .

   وعليه فلم يثبت نصّ صحيح يمكن التعويل عليه في نفي الإعادة في هذا الموضع ، أعني ما لو تبيّن كون الإمام كافراً ، لضعف الروايتين ، ولا مستند غيرهما .

   الثالث : ما إذا لم يكن الإمام ناوياً للصلاة ، دلّت عليه صحيحة زرارة قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 374 / أبواب صلاة الجماعة ب 37 ح 2 ، الفقيه 1 : 263 / 1200 .

(2) العدة 1 : 58 السطر 8 .

(3) التهذيب 8 : 257 / 932 ، الاستبصار 4 : 27 / 87 .

(4) ولكنّه موثّق عنده (دام ظلّه) كما سيأتي في ذيل هذه المسألة .

ــ[317]ــ

لا ينويها صلاة ، وأحدث إمامهم ، فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة ؟ فقال : لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، بل ينبغي له أن ينويها صلاة وإن كان قد صلّى ، فانّ له صلاة اُخرى ـ أي وهي الصلاة المعادة التي تستحبّ حينئذ ـ وإلاّ فلا يدخل معهم ، وقد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها»(1) وهي صحيحة السند صريحة الدلالة كما هو ظاهر .

   الرابع : ما لو تبيّن كون الإمام على غير جهة القبلة لظلمة أو عمى ونحو ذلك ، دلت عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «أنّه قال في رجل يصلّي بالقوم ، ثمّ إنّه يعلم أنّه قد صلّى بهم إلى غير القبلة ، قال : ليس عليهم إعادة شيء»(2) ، فانّ ظاهرها اختصاص الإمام بالانحراف عن القبلة كما لا يخفى . كما أنّ مرجع الضمير في «عليهم» هو القوم كما يكشف عنه الضمير المجرور السابق بمقتضى اتّحاد السياق .

   وعلى الجملة : فالنصّ المتضمّن لنفي الإعادة عن المأمومين يختصّ مورده بمواضع ثلاثة ، لضعفه في الموضع الآخر ، أعني ما لو تبيّن كفر الإمام كما عرفت .

   وهل يتعدّى عن الموارد المنصوصة إلى الموارد الاُخر ممّا تبيّن الخلل في صحّة الجماعة ، إمّا لعدم أهليّة الإمام للإمامة كظهور كفره أو فسقه ، بناءً على أنّ الشرط هو نفس العدالة الواقعية ـ كما هو الصحيح على ما نطقت به النصوص ـ لا مجرّد الوثوق وإن كان ربما يوهمه ظاهر قوله (عليه السلام) : «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته»(3) لوضوح أنّ الوثوق ملحوظ طريقاً لا موضوعاً كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 376 / أبواب صلاة الجماعة ب 39 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 375 / أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 1 .

(3) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 .

ــ[318]ــ

   وكظهور كونه امرأة أو صبيّاً مميّزاً ، بناءً على اشتراط البلوغ في الإمام كما مرّ(1) .

   أو لبطلان صلاة الإمام في نفسها ، لكونه تاركاً لركن دون المأموم ، كما لو سجد في سجدتيه على ما لا يصحّ السجود عليه ، أو ناسياً لنجاسة غير معفوّ عنها في ثوبه أو بدنه ، ونحو ذلك ممّا ينكشف معه بطلان الجماعة .

   فهل يتعدّى عن مورد النصّ إلى هذه الموارد ، بدعوى استفادة الكلّية من مجموع الموارد المنصوصة وإن لم يستفد من آحادها ، وأنّه يعلم منها أنّ المناط في نفي الإعادة صدور الصلاة صحيحة عن المأموم ولو في اعتقاده ؟

   الظاهر عدم التعدّي ، لعدم وضوح مناط الحكم بعد احتمال أن يكون لتلك الموارد خصوصية لا نعرفها . فاستفادة الكلّية بإلغاء الخصوصية بحيث يكون نفي الإعادة في هذه الموارد مستفاداً من النصّ الوارد في تلك الموارد عهدتها على مدّعيها .

   وعلى تقدير التسليم فانّما يتعدّى إلى ما كانت صورة الجماعة محفوظة ولو ظاهراً كالأمثلة المتقدّمة ، وأمّا فيما لم تكن الصورة محفوظة حتّى ظاهراً ، بل كانت خيالا صرفاً ووهماً محضاً ، كما لو رأى شبحاً يتحرّك بحركات الصلاة فتخيّل أنّه إنسان يصلّي فائتمّ به ثمّ تبيّن أنّه شاة أو حيوان آخر ، فلا مجال للتعدّي إلى مثل ذلك جزماً .

   وعليه فلابدّ من العمل في هذه الموارد بما تقتضيه القاعدة بعد قصور النصّ عن الشمول لها ، وعدم الدليل على التعدّي . والظاهر أنّ مقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة في جميع هذه الموارد حتّى في مثال الشاة ممّا لم تكن الصورة محفوظة ولو ظاهراً ، إذ لا خلل في صلاة المأموم من غير ناحية القراءة ، وهي مشمولة لحديث لا تعاد ، الذي لا قصور في شموله للمقام .

   فانّه وإن كان متعمّداً في الترك لكنّه معذور فيه ، لتخيّل الائتمام ، بناءً على ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 51 .

ــ[319]ــ

هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور ، كما مرّ نظير ذلك(1) في اختلاف المصلّيين ودعوى كلّ منهما أنّه المأموم ، حيث حكمنا هناك بالصحّة لعين ما ذكر . فالجماعة وإن كانت باطلة في هذه الموارد لفقد شرطها إلاّ أنّ أصل الصلاة محكومة بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد ، فتنقلب فرادى .

   وقد ذكرنا غير مرّة(2) أنّ الجماعة والفرادى ليستا حقيقتين ونوعين متباينين ، بل صلاة الظهر مثلا طبيعة واحدة ذات فردين مختلفين في الأحكام والخصوصيات ، فهما صنفان من حقيقة واحدة ، لكلّ منهما حكم يخصّه والمصلّي قاصد لتلك الحقيقة في مرحلة الامتثال دائماً بتطبيقها على هذا الفرد مرّة وذاك اُخرى ، غايته أنّه ربما يخطئ في التطبيق فيتخيّل وقوع الطبيعة في ضمن هذا الفرد فيقصد امتثالها به ، مع أنّها واقعة في ضمن الفرد الآخر .

   ولا ريب أنّ هذا الخيال والاعتقاد المنكشف خلافه غير قادح في الصحّة كما لو تخيّل أنّ هذه الأرض مسجد وقد فرغت الجماعة المنعقدة فيه فصلّى من غير أذان وإقامة قبل تفرّق الصفوف كما هو من أحكام الجماعة المنعقدة في المسجد ، ثمّ تبيّن أنّه لم يكن مسجداً ، فانّ الاعتقاد المزبور غير قادح وإن رتّب الأثر ، وكذا في المقام .

   فخصوصية كون الصلاة جماعة أو فرادى كخصوصية كونها واقعة في المسجد أو في الدار ، كلّ ذلك من خصوصيات الفرد ، لا يضرّ تخلّفها في مرحلة الامتثال بعد الإتيان بطبيعي الصلاة جامعة لما يعتبر فيها .

   والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الصلاة محكومة بالصحّة في جميع الموارد المذكورة من المنصوص وغيرها ، فلا تجب الإعادة على المأمومين للنصوص المتقدّمة ، ولحديث لا تعاد في غير الموارد المنصوصة وإن كانت الجماعة باطلة لاختلال شرطها كما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 66 .

(2) منها ما تقدّم في ص 59 ـ 60 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net