إمامة المحدود شرعاً بعد التوبة - إمامة الأعرابي 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1815


   وأمّا المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة فقد ورد المنع عن إمامته في جملة من النصوص ، عمدتها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال «قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤم المهاجرين»(2) . وما عداها من الروايات كرواية ابن مسلم(3) ورواية الأصبغ(4) ضعيفة لا تصلح إلاّ للتأييد .

   ومقتضى الإطلاق في هذه الروايات عدم الفرق في المنع بين إمامته لمثله أو لغيره ، إذ ليس فيها إشعار فضلا عن الدلالة على الاختصاص بالثاني . فما أفاده في المتن من التفرقة بينهما وأنّ الأحوط عدم إمامته إلاّ لمثله غير ظاهر الوجه .

   وكيف ما كان ، فرواية زرارة صحيحة السند ، ظاهرة الدلالة ، كدلالة غيرها من بقيّة النصوص المؤيّدة لها ، فانّ ظاهر النهي التحريم الوضعي المساوق لبطلان الجماعة .

   ومع ذلك فقد ذهب غير واحد منهم الماتن وصاحب الجواهر(5) إلى الجواز وحملوا النهي على الكراهة ، باعتبار معارضتها للروايات الدالّة على جواز الصلاة خلف كلّ من يوثق بدينه(6) فحملوا النهي على الكراهة جمعاً .

   ولكنّه لا يتمّ ، أمّا أوّلا : فلأنّ النسبة بين الصحيحة وتلك الروايات وإن

ـــــــــــــــ
(2) الوسائل 8 : 325 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6 .

(3) الوسائل 8 : 324 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3 .

(4) الوسائل 8 : 322 / أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6 .

(5) الجواهر 13 : 383 .

(6) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 ، 319 / ب 12 ح 1 وغيرهما .

ــ[374]ــ

كانت هي العموم من وجه ، فانّ المحدود يعمّ من تاب فصار عادلا يوثق بدينه ومن لم يتب ، كما أنّ تلك الروايات تعمّ المحدود التائب وغير المحدود فيتعارضان في المحدود بعدما تاب .

   لكن لابدّ من تقديم الصحيحة عليها لمرجّح فيها ، وهو ما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مراراً ، من أنّ في موارد التعارض بالعموم من وجه إذا لزم من تقديم أحد الدليلين إلغاء العنوان المذكور في الآخر بالكلّية تعيّن الآخر في الترجيح ، وذكرنا لهذا الضابط موارد :

   منها : الروايات الدالّة على اعتصام الجاري إذا كانت له مادّة(1) المعارضة بمفهوم قوله (عليه السلام) : إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء(2) بالعموم من وجه ، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق بين القليل والكثير ، كما أنّ مقتضى إطلاق الثاني عدم الفرق بين الجاري وغيره ، فيتعارضان في مادّة الاجتماع ، وهي القليل الجاري الذي له مادّة ، فانّ مقتضى الأوّل الاعتصام
ومقتضى الثاني الانفعال .

   لكن لا محذور في تقديم الأوّل ، إذ غايته تقييد المفهوم واختصاصه بالقليل غير الجاري ، وهذا بخلاف العكس ، إذ لو قدّم الثاني وحكم بانفعال القليل وإن كان جارياً لزم إلغاء عنوان الجاري المذكور في تلك الروايات بالكلّية ، إذ لم يبق تحتها إلاّ الكثير المعتصم في حدّ نفسه وبعنوان الكثرة ، فلم تبق لصفة الجريان خصوصية أبداً ، ويكون ذكرها لغواً محضاً . فحذراً عن هذا المحذور يتعيّن الأوّل في الترجيح .

 ومنها : ما ورد من أنّ كلّ طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه(3) المعارض مع قوله : «اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه»(4) بالعموم من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 143 / أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4 وغيره .

(2) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، 2 ، 5 وغيرها .

(3) الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح 1 .

(4) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 .

ــ[375]ــ

وجه ، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق في الطائر بين مأكول اللّحم وغيره ، كما أنّ مقتضى الإطلاق في الثاني عدم الفرق فيما لا يؤكل بين الطائر وغيره ، فيتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه .

   لكن لا محذور في تقديم الأوّل ، إذ غايته ارتكاب التقييد في الثاني ، وحمله على غير الطائر من أفراد ما لا يؤكل ، وهذا بخلاف العكس ، إذ لو قدّمنا الثاني وحكمنا بنجاسة بول ما لا يؤكل من الطائر وغيره لزم إلغاء وصف الطيران وهدم هذا العنوان المأخوذ في لسان الدليل الأوّل ، إذ عليه لم يبق فرق في طهارة بول مأكول الّلحم بين الطائر وغيره .

   والمقام من هذا القبيل ، فانّ من الواضح أنّ ظاهر الصحيحة أنّ المحدود بعنوان كونه محدوداً موضوع للمنع ، لا من جهة كونه فاسقاً . وعليه فلو قدّمناها على ما ورد من قوله (عليه السلام) : «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه»(1) لا محذور فيه عدا ارتكاب التخصيص ، والالتزام بجواز الصلاة خلف كلّ عادل إلاّ المحدود .

   وهذا بخلاف العكس ، إذ لازم تقديم الثاني إلغاء عنوان المحدود عن موضوعيته للمنع بالكلّية ، إذ لا فرق بينه وبين غير المحدود في عدم جواز الصلاة خلفه إذا لم يوثق بدينه ، فلا مناص من تقديم الصحيحة كي لا يلزم المحذور المزبور . ونتيجة ذلك حمل المحدود المذكور في الصحيحة على ما بعد التوبة ، تحفّظاً على استقلال عنوان المحدودية في المانعية فيحكم بأنّ مجرّد المحدودية مانع عن الإمامة إلى الأبد وإن تاب وصار عادلا .

   ولا يقاس ذلك بمثل قوله : لا تصلّ خلف شارب الخمر(2) ، بداهة أنّ الظاهر من شارب الخمر هو الممارس لشربها فعلا ، ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع أنّ علّة النهي هو فسقه ، ولا ظهور له في من شرب ولو مرة واحدة ثمّ تاب ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 .

(2) الوسائل 8 : 322 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6 ، (نقل بالمضمون) .

ــ[376]ــ

شرب عن عذر . وهذا بخلاف المحدود ، فانّه ظاهر في من اُجري عليه الحدّ في زمان ما وإن تاب بعده .

   وأمّا ثانياً : فمع الغضّ عمّا ذكرناه غاية ما هناك تعارض الدليلين بالعموم من وجه وتساقطهما ، فيرجع حينئذ إلى أصالة عدم المشروعية . ولا مجال للجمع بالحمل على الكراهة في مثل ذلك كما لا يخفى . فيلتزم بأنّ المحدود في زمان ممنوع عن الإمامة دائماً ، لمثله ولغيره ، وإن تاب وأصبح عادلا .

   ولا بُعد في ذلك ، فانّ المحدودية منقصة شرعية تسقطه عن الأنظار ويوصف صاحبها بالعيب والعار ، ولا كرامة له في أعين الناس ، ولا يرضى الشارع بتصدّي من هذا شأنه لمنصب الإمامة وزعامة الجماعة .

   فهو من هذه الجهة نظير ابن الزنا ، الممنوع عن إشغال هذا المنصب وإن كان في غاية الورع والتقى ، لاشتراكهما في النقص ، غايته أنّ النقص فيه طبيعي ذاتي وفي المقام لسبب اختياري ، وهذا لا يكون فارقاً في مناط المنع .

   وأمّا الأعرابي : فالمنسوب إلى جماعة من القدماء المنع عن إمامته مطلقاً ، بل عن بعض نفي الخلاف فيه إلاّ من الحلّي(1) . والمشهور بين المتأخّرين الكراهة ، وفصّل بعضهم بين إمامته لمثله فيجوز ولغيره فلا يجوز ، وهذا هو الأظهر كما ستعرف .

   والأخبار الواردة في المقام عمدتها صحيحتا أبي بصير وزرارة ، قال (عليه السلام) في الاُولى : «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي»(2) . وفي الثانية : «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤمّ المهاجرين»(3) .

   وما عداهما من النصوص فهي ضعيفة سنداً وبعضها دلالة :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 1 : 281 .

(2) ، (3) الوسائل 8 : 325 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5 ، 6 .

ــ[377]ــ

   منها : رواية عبدالله بن طلحة النهدي عن الصادق (عليه السلام) : «لا يؤمّ الناس المحدود ، وولد الزنا ، والأغلف ، والأعرابي ، والمجنون ، والأبرص والعبد»(1) والسند ضعيف إلى النهدي ، وهو بنفسه مجهول .

   ومنها : رواية الأصبغ : «ستّة لا ينبغي أن يؤمّوا الناس : ولد الزنا والمرتدّ ، والأعرابي بعد الهجرة . . .»(2) .

   وهي ضعيفة سنداً بأبي جميلة المفضّل بن صالح ، وكذا دلالة ، لا من جهة لفظة «لا ينبغي» فانّها غير قاصرة الدلالة على الحرمة ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّها لغة بمعنى لا يتيسّر ولا يمكن ، المساوق للمنع ، ومنه قوله تعالى : (لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ . . .)إلخ(3) . وتفسيرها بـ (لا يليق ولا يناسب) الراجع إلى الكراهة اصطلاح حادث . والكلمة في لسان الأخبار على ما هي عليه من المعنى اللغوي .

   بل من جهة أنّ الظاهر من قوله : «الأعرابي بعد الهجرة» هو التعرّب بعد الهجرة ، أي الإعراض عن أرض المسلمين بعد الهجرة إليهم ، والانتقال إلى بلد الكفار ، الذي هو فسق ومعدود من الكبائر في جملة من الأخبار ، لا الأعرابي بمعنى سكنة البوادي المبحوث عنه في المقام ، لمنافاته مع كلمة بعد الهجرة المذكورة في الرواية . فهي أجنبية عن محلّ الكلام كما لا يخفى .

   ومنها : ما رواه في قرب الإسناد باسناده عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال : «كره أن يؤمّ الأعرابي ، لجفائه عن الوضوء والصلاة»(4) .

   وهي ضعيفة سنداً بأبي البختري ، الذي قيل في حقّه : إنّه أكذب البريّة . ودلالة من جهة التعبير بـ «كره» ولا سيما التعليل بالجفاء ، الظاهر في أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 6: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.

(2) الوسائل 8 : 322 / أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6 .

(3) يس 36 : 40 .

(4) الوسائل 8 : 323 / أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 9 ، قرب الإسناد : 156 / 575 .

ــ[378]ــ

الأعرابي من حيث هو لا خصوصية فيه ، وإنّما لا يؤتمّ به لنقص في وضوئه وصلاته وجفائه عنهما . فتكون أيضاً أجنبية عن محلّ الكلام من عدم جواز الائتمام بالأعرابي بما هو أعرابي مع استجماعه لسائر الشرائط .

   فهذه الروايات غير صالحة الاستدلال ، والعمدة هي الصحيحتان المتقدّمتان ، وقد ذكر صاحب الوسائل اُولاهما ـ أعني صحيحة أبي بصير ـ في موضعين : أحدهما ما مرّ ، والآخر في باب 14 من صلاة الجماعة ح 1 معبراً عن أبي بصير في الثاني بقوله : يعني ليث المرادي . وكيف ما كان ، فسواء كان ليثاً أم غيره فهو موثّق ، والرواية صحيحة ، وقد تضمّنت عدم جواز إمامة الأعرابي حتّى لمثله ، بمقتضى الإطلاق .

   لكنّ الثانية ـ أعني صحيحة زرارة ـ مقيّدة بالمهاجرين ، فهل يحمل المطلق على المقيّد فيختصّ النهي بإمامته للمهاجرين ، أو يعمل بكليهما معاً ، أو يحمل النهي فيهما على الكراهة ؟ وجوه ، بل أقوال كما مرّ .

   أمّا الأخير فلا وجه له ظاهر . ودعوى أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي الحمل على الكراهة ، بشهادة التعليل بالجفاء عن الوضوء والصلاة في رواية قرب الإسناد المتقدّمة ، الظاهر في أنّ كراهة إمامته لأمر خارجي لا لكونه أعرابياً ، غير مسموعة . والرواية ضعيفة كما سمعت ، فلا تصلح للاستشهاد .

 فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين ، وقد يقال بالثاني ، نظراً إلى عدم التنافي بينهما كي يجمع بحمل المطلق على المقيّد ، فانّ مورد التنافي المقتضي للحمل ما إذا كان الحكم في الدليل المطلق مجعولا على نحو صرف الوجود ، مثل قوله : اعتق رقبة ، مع قوله : اعتق رقبة مؤمنة . فانّ المطلوب شيء واحد ، وهو صرف وجود العتق ، فيدور الأمر بين كونه مقيّداً بحصّة خاصّة وأنّ المراد من مجموع الدليلين شيء واحد وهي الرقبة المؤمنة . وأن يكون مطلقاً والأمر في المقيّد محمولا على الاستحباب لبيان أفضل الأفراد . والمقرّر في محلّه(1) أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 375 .

ــ[379]ــ

المتعيّن هو الأوّل ، عملا بظاهر الأمر في دليل التقييد ، بعد أن لم تكن ثمّة قرينة تقتضي صرفه إلى الاستحباب .

   وأمّا إذا كان الحكم انحلالياً ومجعولا على نحو مطلق الوجود ، الساري إلى جميع الأفراد على سبيل تعدّد المطلوب ، فليست هناك أيّة منافاة بين الدليلين كي تحتاج إلى الجمع ، لجواز الأخذ بكلّ منهما ، نظير قوله : بول الهرة نجس(1) بالإضافة إلى قوله (عليه السلام) : «اغسل ثوبك من أبوال مالايؤكل لحمه»(2) وقوله : النبيذ حرام(3) ، مع قوله : «كلّ مسكر حرام»(4) ، وقوله : ماء البحر طاهر»(5) مع قوله : خلق الله الماء طهوراً(6) إلى غير ذلك من الأحكام المجعولة على الطبيعة السارية ، التي لا تنافي بينها وبين ما دلّ على ثبوت الحكم لبعض أفرادها كي يحمل مطلقها على مقيّدها . فلا يحمل مالايؤكل على خصوص الهرة ، ولا المسكر على النبيذ ، ولا الماء على ماء البحر ، بل يعمل بكلا الدليلين بعد عدم التنافي في البين .

   والمقام من هذا القبيل ، فانّ صحيحة أبي بصير دلّت على المنع من إمامة الأعرابي بنحو مطلق الوجود ، الشامل لمثله وللمهاجر ، فلا تنافيها صحيحة زرارة الخاصّة بالمهاجر ، بل يعمل بكل منهما . ومعلوم أنّ التقييد بالمهاجر لا يدلّ على نفي الحكم عن غيره ليقع التنافي بينه وبين الإطلاق ، لعدم مفهوم للوصف . فلا تنافي بين الدليلين ، لا من ناحية صناعة الإطلاق والتقييد ، ولا من ناحية مفهوم القيد ، كي يستوجب الحمل المزبور . فلا مناص من الأخذ بكلا الدليلين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3: 404 / أبواب النجاسات ب 8 ح 1، 7، (نقل بالمضمون) .

(2) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 .

(3) الوسائل 25 : 334 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 30 .

(4) الوسائل 25 : 325 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 1 ، 3 ، 5 وغيرها .

(5) الوسائل 1: 136 / أبواب الماء المطلق ب 2 ح 4 ، (نقل بالمضمون) .

(6) الوسائل 1 : 135 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9 ، 4 .

ــ[380]ــ

   أقول : قد ذكرنا في بحث الاُصول أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء فلا معارضة بين قوله : أكرم رجلا عادلا ، وبين قوله : أكرم رجلا هاشمياً ، كما تتحقّق المعارضة بينهما لو كان بنحو القضية الشرطية ، إلاّ أنّ التقييد بالوصف يدلّ لا محالة على أنّ الموضوع للحكم ليس هو الطبيعة على إطلاقها وسريانها ، وإلاّ كان التقييد به من اللغو الظاهر(1) .

   فلو ورد في دليل : أكرم رجلا ، لكان معارضاً مع قوله : أكرم رجلا عادلا بطبيعة الحال ، لدلالة الأوّل على أنّ الموضوع ذات الرجل أينما سرى وحيثما تحقّق . وقد عرفت أنّ الثاني ينفي ذلك .

   وعلى الجملة : لا نضايق من أنّ الوصف لا يقتضي الانحصار ، لجواز قيام خصوصية اُخرى مقامه كالهاشمية في المثال ، لكن لا مناص من الالتزام بدلالته على عدم كون الطبيعة المطلقة موضوعاً للحكم ، حذراً من لغوية القيد كما عرفت .

   ودعوى جواز أن تكون النكتة في ذكره العناية بشأنه والاهتمام بأمره ، أو لبيان أفضل الأفراد لمزيّة فيه ، كلّ ذلك مخالف لظاهر الكلام ، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي ما لم تقم عليه قرينة خاصّة ، ولعلّه إلى ما ذكرنا ينظر قول أهل الأدب من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً ، مع اعترافهم بعدم المفهوم للوصف بالمعنى المصطلح .

   وعليه فصحيحتا أبي بصير وزرارة متنافيتان لا محالة ، إذ التقييد بالمهاجر الواقع في كلام الإمام (عليه السلام) في صحيح زرارة كاشف عن عدم كون موضوع الحكم مطلق الأعرابي ، وإلاّ لم يكن وجه للتقييد به كما عرفت .

   وقد دلّت صحيحة أبي بصير على أنّ الموضوع مطلق الأعرابي ، وأنّه لا يؤتمّ به ولا بغيره من المذكورات فيها على كلّ حال ، فلا مناص من حمل المطلق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 133 .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net