حجية الاطمئنان في ثبوت العدالة - تصدّي الفاسق للإمامة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1785


ــ[384]ــ

   [1975 ]مسألة 15 : إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته وحصل الاطمئنان (1) كفى ، بل يكفي الاطمئنان إذا حصل من شهادة عدل واحد ، وكذا إذا حصل من اقتداء عدلين به ، أو من اقتداء جماعة مجهولين به ، والحاصل : أنّه يكفي الوثوق والاطمئنان للشخص من أىّ وجه حصل بشرط((1)) كونه من أهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل ، لا من الجهّال ولا ممّن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شيء كغالب الناس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخارج حجّية الشهادة ، فيعلم من ذلك أنّها مصداق للبينة ، لا أنّها منحصرة في شهادة العدلين كما لا يخفى .

   وعلى الجملة : المستفاد من رواية مسعدة أنّ الأشياء كلّها على الإباحة حتّى يثبت خلافها بعلم وجداني أو حجّة شرعية ، وهي تارة تكون البينة المصطلحة ، واُخرى خبر الثقة ، وثالثة غيرهما من استصحاب ونحوه . فلا دلالة فيها بوجه على الردع عن السيرة القائمة على العمل بخبر العدل الواحد في الموضوعات كالأحكام .

   وعليه فشهادة العدلين بعدالة شخص كما تعارض بشهادة عدلين آخرين تعارض بشهادة العدل الواحد بمناط واحد ، فلا تثبت العدالة كما أفاده في المتن .

   (1) لا ريب في كفاية الوثوق والاطمئنان الذي هو حجّة عقلائية ، لكن الماتن قيّده بأمرين :

   أحدهما : أن يكون من حصل له الوثوق الشخصي من أهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل .

   ثانيهما : أن لا يكون ممّن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شيء .

   أقول : أمّا القيد الثاني ففي محلّه ، فانّ المستند في حجّية الوثوق الشخصي إنّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل مطلقاً .

ــ[385]ــ

   [1976] مسألة 16 : الأحوط أن لا يتصدّى للإمامة من يعرف نفسه بعدم العدالة ، وإن كان الأقوى جوازه((1)) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هي السيرة العقلائية ، وهي خاصّة بما إذا تحصّل الوثوق من السبب العادي المتعارف الذي يراه العرف موجباً لذلك ، دون ما لم يكن كذلك ، كما لو حصل له الوثوق بعدالة زيد أو فضله من قلّة أكله أو كبر عمامته ونحو ذلك ممّا لا يراه العقلاء منشأ للوثوق .

   بل ربما يلام ويستهزأ من ادّعاه مستنداً إلى هذه الاُمور ، بل قيل إنّ القطع لا يكون حجّة إذا استند إلى سبب غير عادي فضلا عن الوثوق ، وإن كان هذا ممنوعاً جدّاً ، لحجيّة القطع الطريقي مطلقاً كما تبيّن في الاُصول(2) .

   وأمّا القيد الأوّل فلم نعرف له وجهاً أبداً ، إذ لا فرق في السيرة القائمة على حجّية الوثوق الناشئ من السبب العادي بين أن يكون صاحبه من أهل الفهم والخبرة ، أم من الجهلة السفلة ، فلو رأى الجاهل جماعة من ذوي الفضل ـ وإن لم يعلم عدالتهم ـ يأتمّون بشخص فحصل له الوثوق بعدالته ، وفرضنا أنّ هذا سبب عادي لدى نوع أهل العرف ، فلا قصور في شمول السيرة للوثوق الحاصل لمثل هذا الشخص وإن لم يكن من أهل الخبرة والفضل .

   ودعوى انصراف الوثوق في قوله : «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه وأمانته» إلى الوثوق العقلائي ، المختص بأهل الفهم والبصيرة . يدفعها ضعف الرواية أوّلا كما مرّ سابقاً(3) ومنع الانصراف ثانياً . والوثوق الشخصي وإن كان كافياً لكن المستند في حجّيته إنّما هي السيرة كما عرفت آنفاً ، لا هذه الرواية الضعيفة كي يدّعى فيها الانصراف .

   (1) ذهب بعضهم إلى عدم جواز التصدّي للإمامة لمن يرى من نفسه أنّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكن لا يترتّب عليه آثار الجماعة على الأقوى .

(2) مصباح الاُصول 2 : 53 .

(3) في ص 344  .

ــ[386]ــ

لا أهلية له ، ومن أجله احتاط الماتن وإن قوّى الجواز .

   ويستدلّ له تارة : بما رواه ابن إدريس عن كتاب السياري قال «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة ، فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعة ، فقال : إن كان الذي يؤمّ بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل»(1) . دلّ بمقتضى المفهوم على عدم جواز الإمامة لمن يرى أنّ بينه وبين الله طلبة وإثماً .

   وفيه : أنّ دلالة الرواية وإن لم يكن بها بأس في حدّ نفسها مع قطع النظر عن القرائن الخارجية المقتضية لفساد هذا الاعتقاد ، وقد كان المرحوم السيد القمّي (قدس سره) يقول : إنّ من يرى من نفسه أنّه غير مأثوم ، وليس بينه وبين الله طلبة وإثم ، فهو غبىّ قاصر ، ولا يكاد يدّعيه العاقل .

   إلاّ أنّ السند ضعيف جدّاً ، أوّلا : لجهالة طريق ابن إدريس إلى الكتاب . وثانياً : أنّ السياري بنفسه ضعيف لا يعتمد عليه ولا على كتابه .

   واُخرى : بأنّ الجماعة تتضمّن أحكاماً ، من رجوع المأموم إلى الإمام لدى عروض الشكّ وإن كان مبطلا ، واغتفار زيادة الركن ، ولا جماعة مع علم الإمام بعدم الأهلية ، لأنّها من الشرائط الواقعية كما مرّ . فصلاة المأموم باطلة عند اتّفاق هذه الاُمور . وحيث إنّ البطلان مستند إلى الإمام ، لكونه السبب في إيجاده بتقمّصه الإمامة عالماً بعدم اللياقة وفساد الجماعة ، فيحرم لحرمة التسبيب إلى الحرام كارتكابه .

   ويندفع : بأنّ الكبرى ـ أعني حرمة التسبيب إلى الحرام كمباشرته فيما إذا كان الفعل محرّماً على الكلّ ـ وإن كانت مسلّمة ، فلا يجوز تقديم الطعام النجس إلى الغير ليأكله بلا إشكال ، لكنّ الصغرى ممنوعة ، فانّ التصدّي للإمامة ليس إلاّ مقدّمة إعدادية لبطلان الصلاة ، إذ ليس هو سبباً للائتمام فضلا عن البطلان .

   غاية ما هناك أنّ الإمام يجعل نفسه معرضاً لأن يؤتمّ به ، وهذا لا يستوجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 316 / أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 12 ، السرائر 3 : 570 .

ــ[387]ــ

استناد فعل المأموم إليه عرفاً من اقتدائه أو بطلان صلاته ، وإنّما هو مسبَّب عن اعتقاده عدالة الإمام . فليست المعرضية إلاّ من قبيل المعدّات ، نظير بيع العنب ممّن يحتمل أنّه يصنعه خمراً ، أو الطعام لأحد وهو يحتمل أنّه يأكله في نهار شهر رمضان ، ونحو ذلك من المقدّمات الإعدادية .

   نعم ، لا نضايق من صدق التسبيب لدى علم الإمام باتّفاق هذه الاُمور الموجبة للبطلان ، لكنّه فرض نادر ، ولعلّه لا يكاد يتّفق خارجاً بتاتاً .

   وعلى الجملة : لا تسبيب إلى الحرام في مثل المقام ، فلا مانع من التصدّي للإمامة . ومقتضى الأصل جوازه بعد عدم الدليل على الحرمة ، هذا .

   وربما يستدلّ للجواز بالروايات المتقدّمة في محلّها ، المتضمّنة لعدم وجوب إعلام المأمومين بفساد الصلاة(1) ، بل في بعضها جواز التصدّي للإمامة حتّى مع عدم كونه ناوياً للصلاة(2) ، فاذا جاز ذلك مع فساد الصلاة جاز مع فساد الإمامة وصحّة الصلاة كما في المقام بطريق أولى .

   وفيه : ما لا يخفى ، فانّ تلك الروايات ناظرة إلى عدم بطلان صلاة المأمومين من ناحية فساد صلاة الإمام ، وأنّ هذه الجهة لا تستوجب فساد صلاتهم فلا مانع من التصدّي من هذه الحيثية .

   ولا نظر فيها إلى الفساد من جهة اُخرى ، كما لو رتّب المأموم آثار الجماعة من زيادة ركن للمتابعة ، أو رجوعه إلى الإمام في الشكوك الباطلة ، فانّه لا تعرّض فيها لجواز التصدّي حتّى لدى عروض هذه الطوارئ أحياناً ، الذي هو محلّ الكلام في المقام . ولا ينبغي الإشكال في جواز التصدّي وعدم البطلان في المقام فيما إذا لم تتّفق تلك الاُمور . فالعمدة في الجواز هو الأصل كما عرفت .

   نعم ، ليس للإمام ترتيب أحكام الجماعة كرجوعه إلى المأموم لدى الشكّ إذ بعد علمه بعدم الأهلية فهو يرى بطلان الجماعة ، فكيف يسوغ له ترتيب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [وهما صحيحتا الحلبي وزرارة المتقدّم مصدرهما في ص 315] .

(2) تقدّمت في ص 316 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net