النصوص الدالّة على عدم اعتناء كثير الشك بشكّه 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1918


ــ[5]ــ

   فمن جملة تلك النصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فانّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان» (1) .

   فانّها كالصريح في المطلوب بعد وضوح أنّ المراد بالسهو هو الشكّ ، الّذي يطلق عليه كثيراً في لسان الأخبار (2) .

   ومنها :  صحيحة زرارة وأبي بصير جميعاً قالا «قلنا له : الرّجل يشكّ كثيراً في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه ، قال : يعيد ، قلنا : فانّه يكثر عليه ذلك ، كلّما أعاد شكّ ، قال : يمضي في شكّه . ثمّ قال : لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه ، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد ، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة ، فانّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك . قال زرارة : ثمّ قال : إنّما يريد الخبيث أن يطاع ، فاذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (3) .

   وقد وقع الكلام في فقه الحديث من حيث الجمع بين الصدر والذيل ، حيث حكم (عليه السلام) أوّلاً على من يشكّ كثيراً بالإعادة ، وحكم أخيراً على من يكثر عليه بعدمها والمضي على الشك .

   ولا ينبغي الشك في أنّ المراد بالموضوع في أحد الحكمين غير ما هو المراد في الحكم الآخر . ولا يبعد أن يراد في الأوّل من يكثر عدد شكّه بالإضافة إلى الأفراد العاديين وإن لم يبلغ مرتبة كثير الشكّ بالمعنى المصطلح المحكوم عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 227 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 240 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 ، 243 / ب 25 ح 1 ، وغيره .

(3) الوسائل 8 : 228 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2 .

ــ[6]ــ

بعدم الاعتناء .

   وتوضيحه :  أنّ الكثرة والقلّة كالكبر والصغر ليست من الاُمور الواقعية التي لها تقرّر في حدّ ذاتها ، وإنّما يتّصف الشيء بهما عند ملاحظته مع شيء آخر ولدى المقايسة بينهما ، فهي من الصفات الإضافية كالفوقيّة والتحتيّة .

   فالجسم الواحد كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه حجماً ، وهو بنفسه صغير بالنسبة إلى الأكبر منه ، كما أنّ كمِّيّة خاصّة من المال مثلاً كثيرة بالقياس إلى ما دونها وقليلة بالإضافة إلى ما فوقها ، ولا يصحّ توصيف شيء بالكثرة والقلّة أو الكبر والصغر بقول مطلق من غير ملاحظته مع شيء آخر .

   وعليه فاذا فرضنا أنّ أحداً يشكّ في الشهر عشر مرّات مثلاً أو عشرين فهو كثير الشك بالإضافة إلى الأفراد العاديين الّذين لا يشكّون كما هو الغالب أو في الشهر مرّة أو مرّتين ، وإن لم يكن هذا بالغاً درجة كثير الشك بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بمن لا تمرّ عليه ثلاث صلوات إلاّ ويشكّ في إحداها ، فهو بالإضافة إليه من قليل الشك ، ووظيفته الإعـادة كما حكم (عليه السلام) أوّلاً إذ الشكّ في عدد الركعات بحيث لم يدر كم صلّى موجب للبطلان كما مرّ سابقاً (1) .

   فلا منافاة بينه وبين نفي الإعادة في الجواب عن السؤال الثاني المفروض فيه كثرة الشك ، بحيث كلّما أعاد شكّ ، الّذي هو من كثير الشك بالمعنى المصطلح . فالمراد بالكثرة في أحد السؤالين غير ما هو المراد بها في السؤال الثاني .

   واستظهر صاحب الحـدائق (قدس سره) (2) أن يكون المراد بالكـثرة في السؤال الأوّل كثرة أطراف الشكّ ومحتملاته ، بأن تردّدت بين الواحدة والثنتين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 18 : 177 .

(2) الحدائق 9 : 289 .

ــ[7]ــ

والثلاث والأربع وهكذا ، وإن كان في نفسه شكّاً واحداً . فالتكثّر باعتبار متعلّق الشك لا أفراده ، بقرينة قوله : «حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه» ثمّ لمّا راجعه السائل بقوله : «فانّه يكثر عليه ذلك» أمره بما هو الحكم في كثير الشك من المضي وعدم الالتفات ، لدخوله بكثرة ذاك الشكّ وتكرّر أفراده تحت عنوان كثير الشك ، فيشمله حكمه .

   لكنّ الأظهر ما ذكرناه ، فانّ المتبادر من قولهما «قلنا له : الرجل يشكّ كثيراً في صلاته ... » إلخ أنّ الكثرة وصف لنفس الشك لا لمتعلّقه ، فيكون ظاهراً في كثرة الأفراد لا كثرة الأطراف كما لا يخفى .

   وكيف ما كان ، فمورد الصحيحة كثرة الشكّ في عدد الركعات لا في غيرها من الأجزاء ونحوها ، كما أنّ موردها خصوص الشكّ المبطل ، ولا يعمّ الشكوك الصحيحة المتعلّقة بالركعات . فهي أخص من المدّعى .

   بل يمكن أن يقال بخروجها عمّا نحن فيه ، إذ المفروض فيها بلوغ الكثرة حدّاً لا يتمكّن معها من الإتيان بصلاة خالية عن الشكّ ، لقوله : «كلّما أعاد شكّ» . ومعلوم أنّ مثله محكوم بعدم الاعتناء عقلاً ، لمكان العجز ، من غير حاجة إلى التماس دليل شرعي . فالكثرة بهذا المعنى غير كثير الشكّ بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بما عرفت . فالصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، إذ موردها دائم الشكّ وهو غير كثير الشكّ .

   ومنها :  صحيحة ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك» (1) .

   والظاهر أنّ المـراد به عبدالله بن سـنان ، بقرينة رواية فضـالة عنه ، فهي صحيحة السند . ومع التشكيك فيه فتكفينا صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 228 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 3 .

ــ[8]ــ

المشتملة على عين هذا المتن باضافة التعليل بقوله : «فانّه يوشك أن يدعك ، إنّما هو من الشيطان» .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net