عموم جواز رجوع الشاك منهما إلى الحافظ للركعات والأفعال 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1967


   إنّما الكلام في أ نّه هل يختصّ بالركعات فيما إذا علم بتوافقهما في الكيفية وإلاّ فلا يجري فيها أيضاً كما ستعرف ، أو أ نّه يعمّ الأفعال ؟

ــ[31]ــ

   نسب الثاني في المدارك إلى المشهور(1) ، ولكنّ جماعة من المتأخّرين منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2) قالوا إنّه لا دليل عليه ، لورود الروايات في الركعات ، فيرجع في الأفعـال إلى مقتضى القـواعد . فلا بدّ إذن من النظر إلى الروايات .

   فمنها :  صحيحة علي بن جعفر المرويّة بطريقين معتبرين ، قال : «سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى ، فهل عليه سهو ؟ قال : لا» (3) وهي كما ترى خاصّة بالركعات .

   ومنها :  ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره : «أ نّه سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع أو بخمس فيسبّح اثنان على أ نّهم صلّوا ثلاثاً ويسبّح ثلاثة على أ نّهم صلّوا أربعاً ، يقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا ، والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم ، فما يجب عليهم ؟ قال : ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفـاق (بايقان) منهم ، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام ، ولا سهو في سهو ، ولا في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو، ولا سهو في نافلة» (4) .

   ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 4 : 269 .

(2) الجواهر 12 : 411 .

(3) الوسائل 8 : 239 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 .

(4) الوسائل 8 : 241 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8 ، الفقيه 1 : 231 / 1028 .

(5) الكافي 3 : 358 / 5 .

ــ[32]ــ

   وهي أيضاً خاصّة بالركعات ، ولا سيما بقرينة بقية الفقرات ، فانّ السهو في الأفعال في المغرب والفجر جار قطعاً .

   ولكنّ الرواية في نفسها غير صالحة للاستدلال ، لقصور السند ، فانّها مرسلة بطريق الكليني ، وكذا بطريق الصدوق ، لوضوح أنّ إبراهيم بن هاشم لم يدرك الصادق (عليه السلام) فبينهما واسطة لا محالة . ولا يبعد أن يكون السند هو السند .

   وكيف ما كان ، فكلا الطريقين محكومان بالإرسال . فلا تنهض للاستدلال .

   ومنها :  ما رواه الشيخ (1) باسناده عن ابن مسكان عن أبي الهذيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبي ؟ فقال : نعم ، ألا ترى أ نّك تأتم بالإمام إذا صلّيت خلفه ، فهو مثله» (2) .

   وهي أيضاً غير ظاهرة في التعميم لتدلّ على جواز الرجوع في الصلاة في غير الركعات ، لعدم كونها مسوقة لبيان حكم الصلاة ، وإنّما هي في مقام بيان أنّ الطواف مثل الصلاة . وأمّا أنّ المماثلة هل هي في مطلق الأحكام أو في خصوص الأعداد فليست بصدد البيان من هذه الجهة لو لم تكن ظاهرة في خصوص الثاني كما لا يخفى .

   وعلى الجملة : فليس في شيء من النصوص ما يصلح للاستدلال به على التعميم .

   والعمدة إنّما هي صحيحة حفص بن البخـتري التي ادّعي أ نّها مطلقة من حيث الركعات والأفعال ، وحاكمة على جميع أدلّة الشكوك ، عن أبي عبدالله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ لعلّ الصحيح : الصدوق ، رواه في الفقيه 2 : 254 / 1233 ] .

(2) الوسائل 8 : 242 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 9 .

ــ[33]ــ

(عليه السلام) «قال : ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو ولا على السهو سهو ، ولا على الإعادة إعادة» (1) .

   دلّت على نفي السهو عن كلّ من الإمام والمأموم ، الشامل باطلاقه لما إذا كان ذلك متعلّقاً بالركعات أم الأفعال كعدد السجدتين أو غيرهما من الأجزاء .

   نعم ، لا مناص من تقييدها بما إذا كان الآخر حافظاً ، فلا تشمل ما لو اشتركا في السهو ، فانّ الصحيحة في نفسها منصرفة عن هذه الصورة وغير شاملة لها في حدّ ذاتها بمقتضى الفهم العرفي ومناسبة الحكم والموضوع ، وإلاّ كان الأحرى أن يقول هكذا : ولا سهو في الجماعة . فانّه أخصر وأصرح .

   وعلى تقدير الشمول فهي مقيّدة بما عداها بالقطع الخارجي والأدلّة الاُخرى الدالّة على عدم خروجهما عن أدلّة الشكوك لدى اشتراكهما في السهو .

   كما لا مناص من تقييدها بما إذا كانا ـ الإمام والمأموم ـ متّحدين في الكيفية ومتطابقين في العمل ، بحيث يكون الشك من أحدهما ملازماً لشكّه في عمل الآخر لاتحاد السبب الموجب للشك ، فانّ هذا هو المسوّغ لرجوع الشاك منهما إلى الحافظ ، باعتبار أنّ حفظ أحدهما أمارة وطريق إلى إحراز عمل الآخر بعد وضوح أنّ المناط في الرجوع هو طريقية الحفظ من أحدهما وكاشفيّته ، وليس مبنياً على التعبّد المحض .

   وأمّا مع احتمال الاختلاف في الكيفية كما لو احتمل المأموم الشاك أن يكون مسبوقاً بركعة ، أو احتمل غفلته عن متابعة الإمام في إحدى السجدتين مثلاً وأ نّه بقي مستمرّاً في سجدته الاُولى إلى أن دخل الإمام في الثانية ، بحيث اختلف منشأ الشك ولم يكن ملازماً للشك في عمل الآخر ، فلا إشكال حينئذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 240 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 3 ، وقد أورد ذيلها في 243 /  أبواب الخلل ب 25 ح 1 .

ــ[34]ــ

في لزوم الاعتناء وعدم صحّة الرجوع إلى الآخر ، لعدم الطريقية والأمارية لحفظ الآخر حينئذ كما هو ظاهر .

   وعلى الجملة : فبعد هذين التقييدين المستفادين من نفس الصحيحة بمقتضى الانصراف والفهم العرفي أو لا أقل من القطع الخارجي ، لا مانع من التمسّك باطلاقها الشامل للركعات والأفعال .

   إلاّ أ نّه قد يناقش في دلالة الصحيحة على الإطلاق من وجوه .

   أحدها :  امتناع الأخذ باطلاقها الأحوالي والأفرادي ، الكاشف عن عدم ورودها إلاّ في مقام إثبات الحكم في الجملة ، فلا يمكن التمسّك بها في المقام . وقد ظهر الجواب عن ذلك ممّا ذكرناه آنفا .

   ثانيها : ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من اضطراب الصحيحة وتشويشها، حيث إنّه (قدس سره) بعد أن استجود تأمّل صاحب الجواهر (قدس سره) في شمول الأدلّة للسهو في الأفعال باعتبار أنّ عمدة الدليل هو الإجماع والأخبار ، ولم يتحقّق الإجماع بالنسبة إلى محلّ الكلام ، والأخبار لا تخلو من قصور ، قال (قدس سره) ما لفظه : أمّا رواية [  ابن ] البختري فهي في حدّ ذاتها متشابهة ، وغاية ما يمكن استفادته منها ببعض القرائن الداخلية والخارجية إنّما هو إرادة الشكّ في الركعات (1) .

   أقول :  لا نرى أيّ تشابه وإجمال في هذه الفقرة من الصحيحة التي هي مورد الاستشهاد في محلّ الكلام ، فانّها واضحة الدلالة بعد مراعاة التقييد بما عرفت المستفاد من نفسها ، أو لا أقل من الدليل الخارجي كما مرّ .

   نعم ، دعوى التشابه وجيهة في سائر فقراتها الأجنبية عن محلّ الكلام أعني

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 579 السطر 31 .

ــ[35]ــ

قوله (عليه السلام) : «ولا على السهو سهو» وقوله (عليه السلام) : «ولا على الإعادة إعادة» .

   وقد تقدّم (1) نبذ من الكلام في الأوّل ، وأما الثاني فهو بظاهره غير مستقيم إذ لا نعرف وجهاً لعدم الإعادة في الصلاة المعادة فيما لو اشتملت على نفس السبب المستوجب لإعادة الصلاة الاُولى أو سبب آخر يقتضيها ، كما لو شكّ بين الواحدة والثنتين في كلّ من الأصلية والمعادة ، أو علم بزيادة الركوع مثلاً في كلّ منهما .

   وكيف ما كان ، فالإجمال والتشابه في بقية الفقرات غير مانع من صحّة الاستدلال بالفقرة الاُولى منها التي هي محلّ الكلام بعد سلامتها في نفسها عن التشابه كما عرفت .

   ثالثها :  دعوى أنّ السهو في هذه النصوص التي هي بلسان واحد لا يُراد منه إلّا الشك في الركعات خاصّة . فهذه الكلمة في حدِّ نفسها منصرفة إليه ، فلا تعرض فيها لحكم الشك في الأفعال .

   ويدفعها : أنّ لفظ السّهو الوارد في النصوص بأجمعها لم يستعمل إلّا في ذات الشك ، لا في خصوص الشك في الركعات .

   نعم ، كثيراً ما يستعمل في هذا المورد مثل ما ورد من أ نّه ليس في الركعتين الاُوليين ـ  اللّتين هما من فرض الله  ـ سهو(2) ، وليس في المغرب سهو(3) ، ولا في الفجر سهو(4) ، ونحو ذلك من الموارد التي يعلم ولو بالقرينة الخارجية إرادة الشك في الركعات . إلّا أنّ ذلك مورد للاستعمال ، لا أ نّه المستعمل فيه اللّفظ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في شرح العروة 18 : 301 .

(2) الوسائل 8 : 187 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1 ، 4 وغيرهما .

(3) ، (4) الوسائل 8 : 194 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب2 ح 3 ، 4، 6، 8 وغيرها .

ــ[36]ــ

وكم فرق بين الأمرين .

   وعلى الجملة : فذات الكلمة لم تستعمل إلّا في نفس الشك ، وهذا مشترك فيه بين جميع موارد الاستعمالات وإن اختلف بعضها عن بعض من حيث اختصاص المورد بالركعات لقيام الدليل عليه ، ومع فقده كما في المقام لا مانع من الأخذ باطلاق اللّفظ المستعمل في طبيعي الشك ، الذي لا قصور في شموله لها وللأفعال .

   والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ هذه المناقشات حول إطلاق الصحيحة بالإضافة إلى الأفعال في غير محلّها ، فلا انصراف للفظ ولا تشابه في المتن ، ولا محذور في الأخذ بالإطـلاق الأفرادي والأحوالي ، غايته مع مراعاة القيدين المذكورين المسـتفادين من نفس الصحيحة حسبما عرفت . فلا ينبغي التأمّل في إطلاق الصحيحة وإن تأمّل فيه صاحب الجواهر وتبعه مَن تبعه .

   بل لولا إطلاق هذه الصحيحة لأشكل الحكم فيما سيجيء من جواز رجوع الإمام إلى المأموم الواحد سيما إذا كان امرأة ، لقصور بقيّة النصوص عن إفادة ذلك لولا هذا الإطلاق كما ستعرف .

   نعم ، مورد الإطلاق ـ كما عرفت ـ تطابق العملين واتحاد الصادر من كلّ من الإمام والمأموم وتساويهما من حيث النقص والزيادة ، بحيث إنّ كلاً منهما يعلم لدى شكّه بين الثلاث والأربع ـ مثلاً ـ بأنّ ما في يده لو كانت الثالثة فكذا ما في يد الآخر ، ولو كانت الرابعة فكذلك . وهكذا في الشكّ في الأفعال ، فيكون في مثله حفظ أحدهما طريقاً إلى الآخر ، باعتبار أنّ الشارع كأ نّه يرى أنّ المجموع عمل واحد صادر من شخصين ، ولأجله ألغى الشك من أحدهما واكتفى بضبط الآخر .

   أمّا مع احتمال الاخـتلاف فضلاً عن القطع به ـ ما لم يكن مقدار السبق




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net