الشك في ركعات الفريضة التي عرضها النفل - الشك في ركعات النافلة التي عرضها الوجوب 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1872


ــ[67]ــ

   ولا ينبغي الريب في ظهور عنوان النافلة الوارد في لسان المخصّص فيما كان متّصفاً في حدّ ذاته بهذا العنوان كما في النوافل المرتّبة وأمثالها .

   وعليه فلا ينطبق على الفريضة المتبرّع بها عن الغير ، إذ الصادر عن المتبرّع هو نفس الفريضة التي اشتغلت بها ذمّة الميّت المتبرّع عنه ، لا بداعي الأمر الوجوبي المتوجّه إليه الساقط بالموت ، لعدم صلاحيّته للداعوية إلاّ بالإضافة إلى من خوطب به دون غيره الأجنبي عنه، بل بداعي الأمر الاستحبابي المتوجّه إلى نفس النائب المتبرّع، عملاً باطلاقات أدلّة استحباب النيابة عن الغير في تفريغ ذمّته عن العبادات كتفريغ ذمّته عن الديون كما فصّلنا الكلام حول ذلك في مباحث القضاء (1) .

   وكيف ما كان ، فالمأتي به مصداق حقيقي للفريضة ، غاية الأمر أنّ المباشر لها هو النائب بدلاً عن المنوب عنه ، وليس هو من النافلة في شيء إلاّ بالإضافة إلى النائب دون المنوب عنه . فليس هو من النافلة في حدّ ذاته وبقول مطلق كي يشمله النص ، بل هو منصرف عنه ، فلا يعمّه حكمها قطعاً . ومع التنزّل فلا أقل من الشك في ذلك . وقد عرفت أنّ المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك .

   وأوضح حالاً الصلاة المعادة ، فانّ الإعادة هي الوجود الثاني للطبيعة المأتي بها أوّلاً ، فالطبيعة هي الطبيعة بعينها في كلا الوجودين ، غاية الأمر أنّ الأمر الاستحبابي قد تعلّق بايجاد فرد آخر منها لدى انعقاد الجماعة ، إمّا من باب تبديل الامتثال بالامتثال أو من باب استحباب الإتيان بأفضل الفردين وإن سقط الأمر . وعلى أيّ حال فلا تخرج المعادة عن عنوان الفريضة وحقيـقتها ولا تصدق عليها النافلة بوجه كي يشملها حكمها . ومع التشكيك في الصدق فالمرجع الإطلاق المزبور .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 16 : 208 .

ــ[68]ــ

   وأوضح حالاً منهما الإعادة للاحتياط الاستحبابي ، فانّ معنى الاحتياط الإتيان بصلاة يقطع معها بادراك الواقع بحيث يصح الاجتزاء بها على تقدير الخلل في الصلاة الاُولى ، فلا بدّ من اشـتمالها على جميع خصوصيّات الفريضـة وأحكامها التي منها جريان عمليّة الشكّ بين الثلاث والأربع مثلاً لو اتّفق وقوعه فيها، لكي يصح الاجتزاء لدى الاحتياج ويتحقّق معه مفهوم الاحتياط .

   وعلى الجملة : فهذه الصلاة أيضاً فرد آخر من أفراد الطبيعة ومصداق من مصاديق الفريضة ، ولا يكاد ينطبق عليها عنوان النافلة بوجه .

   وأوضح حالاً من الكلّ عبادة الصبي ، لخروجها عن المقسم رأساً ، ضرورة أنّ المركز والموضـوع في تقسيم الصـلاة إلى الفريضة والنافلة إنّما هو عنـوان المكلّف المتوقّف صدقه على البلوغ ، فغير البالغ لم يتعلّق به أمر أصلاً . نعم استفدنا شرعية عبادته ممّا ورد من قـوله (عليه السلام) : مروهم بالصلاة والصِّيام (1) .

   ومن المعلوم أنّ المأمور به هي نفس الفريضة الصادرة عن البالغين بما لها من الأحكام التي منها أحكام الشكوك ، فلا تعدو عن كونها تلك الحقيقة بعينها ولا مساس لها بالنافلة بوجه .

   فدعـوى أنّ الأولى عدّ عبادة البالغ واجبة بالعارض مسـتحبّة بالأصل لطروء البلوغ بعد الصبا ممّا لا محصّل لها كما لا يخفى .

   وأمّا صلاتا الطواف والعـيدين فهما في حدّ أنفسهما منقسـمان إلى قسـمين كانقسام الصلاة إلى صلاة الحاضر وصلاة المسافر ، ففريضة لدى استجماع الشرائط ونافلة لدى فقدانها ، وكلاهما مجعولان في الشريعة المقدّسة بالأصالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 19 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 3 ح 5 ، 7 ، 8 ، 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 (نقل بالمضمون) .

ــ[69]ــ

كما في القصر والتمام ، لا أنّ أحدهما أصلي والآخر عرضي ، فهما نظير الصوم الّذي هو واجب في شهر رمضان مستحبّ في شهر شوال وكلاهما أصلي .

   فكما لا يقال إنّ الصوم في شوال واجب بالأصل مستحب بالعرض فكذا لا يمكن القول بأنّ صلاة العيد في عصر الغيبة واجبة بالأصل مستحبّة بالعرض بل هي واجبة في عصر الحضور أصالة ومستحبّة في عصر الغيبة أصالة أيضاً .

   وكذا في صلاة الطـواف ، فانّ وجوبها أصلي في الطـواف الواجب ، كما أنّ استحبابها أصلي أيضاً في الطواف المستحب . وعليه فيجري في كل من الحالتين ما يخصّها من حكم الشك ، فيعتنى به عند الاتصاف بالفرض ، ولا يعتنى لدى الاتصاف بالنفل .

   فتحصّل : أنّ هذه الموارد المعدودة من قبيل الفرض بالأصل والنفل بالعرض ليس شيء منها كذلك ، بل كلّها ما عدا الأخيرتين من مصاديق الفريضة سابقاً ولاحقاً ذاتاً وفعلاً ، وإنّما الاستحباب في الخصوصيات المقترنة بها ، التي لا تكاد تستوجب صحّة إطلاق النافلـة عليها بوجه . فيشـملها حكم الفريضة من الاعتناء بالشك إمّا قطعاً أو حتّى مع احتمال الاندراج في عنوان النافلة ، لكون المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك أيضاً حسبما عرفت . وأمّا الأخيرتان فهما فرض في تقدير ونفل في تقدير آخر ، ويجري على كلّ تقدير حكمه كما مرّ .

   وأمّا عكس ذلك ، أعني ما كان نفلاً بالأصل فرضاً بالعرض كما في النافلة الواجبة لعارض من نذر أو شرط في ضمن عقد أو استئجار أو أمر الوالد ونحو ذلك ، فالظاهر عدم جريان حكم النافلة عليه ، لانعدام الموضوع بقاءً. وقد تقدّم شطر من الكلام حول نظيره في مبحث التطوّع في وقت الفريضة(1)، حيث قلنا ثمّة : إنّ التطوّع غير الجائز في الصوم بلا إشكال وفي الصلاة على المشهور

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 11 : 347 .

ــ[70]ــ

غير شامل للمنذور ، لخروجه بالنذر عن عنوان التطوّع تكويناً ، إذ التطوّع لغة (1) وعُرفاً هو الإتيان بالشيء عن طوع ورغبة واختيـار ومن غير إلزام وعند تعلّق النذر المستتبع للإلزام ينقلب العنوان ويزول الاختيـار بطبيعة الحال فلا تطوع بعدئذ وجداناً كي يشمله دليل المنع . ومن هنا يصحّ نذر التطوّع في وقت الفريضة في كلّ من الصلاة والصِّيام بلا كلام .

   وعلى ضوء ذلك نقول في المقام بانعدام عنوان النافلة بمجرّد تعلّق النذر وشبهه ممّا يتضمّن الإلزام ، فانّ النفل كما في اللّغة (2) ـ المطابق مع المعنى العرفي ـ ما تفعله ممّا لم يجب ، وما شرع زيادة على الفرائض والواجبات .

   ومن المعلوم أنّ الإتيان بالمنذور ونحوه ممّا يجب بالعرض يعدّ بالفعل من الواجبـات التي لا مناص من امتثالها ، ولا يكون من الزيادة كي يندرج في مفهوم النافلة ، فلا ينطبق عليه عنوانها حتّى يشمله حكمها ، بل ينقلب بقاءً إلى الفريضة ، فتشمله حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك .

   وعلى الجملة :  الظاهر من عنوان النافلة الوارد في لسـان المخصّص ما كان متلبّساً ومتّصفاً بالوصف العنواني فعلاً ، لا مجرّد كونه كذلك شأناً بحيث يكون المسؤول عنه في صحيح ابن مسلم : «سألته عن السهو في النافلة ... » إلخ (3) ما كان نافلة اقتضاءً وإن طرأ عليها الوجوب فعلاً لنذر وشبهه ، لانصراف النصّ عن مثل ذلك قطعاً، ولا أقل من الشك في ذلك ، فيكون المرجع حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك القاضية بالبطلان لدى الشكّ بين الواحدة والثنتين .

   فان قلت :  ليس لديـنا نصّ في بطلان الشك بين الواحدة والثنتين يتضمّن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المنجد : 475 مادّة طاع .

(2) المنجد : 828 مادّة نفل .

(3) وقد تقدّمت في ص 60 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net