الأدلّة على اختصاص الفريضة بالبطلان لدى زيادة الركن 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2073


   إنّما الكلام في زيادة الركن سهواً ، فهل هي مبطلة كما في الفريضة ؟ فنقول : الروايات الواردة في البطـلان بزيادة الركن وإن كان أكثرها قد وردت في خصوص الفريضة من الظهر والعصر ونحوهما ، إلاّ أنّ فيها ما دلّ على البطلان مطلقاً ، من دون اختصاص بصلاة دون صلاة كصحيحة أبي بصير أو موثّقته : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3) دلّت بعد خروج ما عدا الأركان منها بمقتضى حديث لا تعاد على البطلان بزيادة الأركان عمداً أو سهواً ، كانت الصلاة فريضة أم نافلة ، عملاً بالإطلاق .

   فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة لالتزمنا بالبطلان مطلقاً ، ولكن يستفاد من بعض النصوص اختصاص البطلان بالفريضة .

   منها :  ما ورد من النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة ، معلّلاً بأنّ السجود زيادة في
الفريضة (4).

   ومنها :  ما ورد في صلاة المسافر من أ نّه متى زاد أعاد ، معلّلاً بأ نّها فرض الله (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 371 /  أبواب الوضوء ب 3 ح 8 .

(2) الوسائل 6 : 319 /  أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3 ، (نقل بالمضمون) .

(3) الوسائل 8 : 231 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2 .

(4) الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1 .

(5) الوسائل 8 : 508 /  أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 8  .

ــ[75]ــ

   ومنها ـ  وهو العمدة  ـ  : ما ورد في صحيحة زرارة وبكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا استيقن أ نّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها ، واستقبل صلاته استقبالاً ... » إلخ (1) .

   دلّت على اختصاص البطلان بالمكتوبة ، لا من أجل القضيّة الشرطية ـ كما قيل ـ ضرورة أنّ مفهومها ليس هو الاستيقان في غير المكتوبة ، بل عدم الاستيقان في المكتوبة ، وأ نّه متى لم يستيقن فيها بالزيادة بل بقي شاكّاً لا يعيد صلاته حينئذ، لكونه موظّفاً باجراء عملية الشك من أصالة عدم الزيادة ، سواء كان الشك في المحل أم في خارجه . مضافاً إلى اختصاص الثاني بقاعدة التجاوز . فالقضيّة الشرطية وإن كان لها مفهوم في المقام إلاّ أ نّه أجنبي عن محلّ الكلام وغير مرتبط بما نحن بصدده .

   بل من أجل مفهوم الوصف ، أعني تقييد الصلاة بالمكتوبة ، الّذي لا مناص من كونه احترازاً عن غيرها ، وإلاّ لأصبح التقييد لغواً ظاهراً .

   فانّا قد ذكرنا في الاُصـول(2) أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهـوم بالمعـنى المصطلح ، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء كما في مفهوم الشرط ، فيمكن ثبوت الحكم في غير مورد التوصيف أيضاً ، بأن يرتّب على الموضوع مقيّداً بقيد آخر ، فلا منافاة ولا معارضة بين قوله : أكرم رجلاً عادلاً ، وبين قوله : أكرم رجلاً عالماً ، كما  كانت ثابتة بينهما لو كانت الجملتان على صورة القضيّة الشرطية بدلاً عن القضيّة الوصفيّة .

   إلاّ أ نّه يدل لا محالة على أنّ موضوع الحكم ليس هو الطبيعي على إطلاقه وسريانه كذات الرجل في المثال ، وإلاّ كان التقييد بالعدالة لغواً ينزّه عنه كلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 231 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1 .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 133 .

ــ[76]ــ

الحكيم . فهذا المقدار من المفهوم ممّا لا مناص عن الالتزام به ، أعني الدلالة على أصل العلّية لا انحصارها ، رعاية لظهور القيد في الاحتراز . ونتيجة ذلك وقوع المعارضة بين القضيّة الوصفيّة وبين ما لو ورد دليل آخر تضمّن تعلّق الحكم بالطبيعي .

   وعلى الجملة : فلو كان التقييد واقعاً في كلام الإمـام (عليه السلام) لكان كاشفاً عن عدم ثبوت الحكم للطبيعي . فلو ورد أنّ الماء الكر لا ينجِّسه شيء دلّ لا محالة على أنّ الاعتصام غير ثابت لطبيعي الماء ، وإن أمكن ثبوته في فرد آخر أيضاً كما في الجاري غير الكر .

   وعلى هذا فالتقييد بالمكتوبة في هذه الصحيحة كاشف عن أنّ الحكم أعني البطلان بزيادة الركعة ـ المراد بها الركـوع ، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار (1) ـ لم يكن متعلّقاً بطبيعي الصلاة الأعم من الفريضة وغيرها ، ولأجل ذلك يقيّد الإطلاق في صحيحة أبي بصير المتقدّمة وتحمل على الفريضة . إذن لا دليل لنا على ثبوت البطلان بزيادة الركن سهواً في غير الفريضة ، ومقتضى الأصل عدم البطلان .

   ويترتّب على ذلك ما أفاده في المتن من أ نّه لو نسي فعلاً من أفعالها تداركه وإن دخل في ركن بعده ، سواء كان المنسي ركناً أم غيره ، إذ لا يلزم من التدارك عدا زيادة الركن سهواً ، التي عرفت عدم الدليل على قدحها في النافلة .

   فاتّضح أنّ الأظهر عدم البطلان في غير الفريضـة ، وملخّص ما يسـتدل به عليه قصور المقتضي للبطلان ، فيرجع حينئذ إلى أصالة العدم ، هذا .

   وربما يستدلّ  له بوجوه اُخر :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 313 /  أبواب الركوع ب 10 ح 3 ، ب 11 ح 2 .

ــ[77]ــ

   منها :  خبر الصيقل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قلت له : الرجل يصلِّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع ويذكر وهو راكع قال : يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتم ، قال قلت: أليس قلت في الفريضة : إذا ذكره بعدما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعدما ينصرف يتشهّد فيهما ؟ قال : ليس النافلة مثل الفريضة» (1) .

   دلّت بظاهرها على أنّ الزيادة المستلزمة من التدارك غير قادحة في النافلة لعدم كونها مثل الفريضة .

   وربما يجاب عنها بجوابين على سبيل منع الخلوّ ، بتقريب أنّ المفروض في الرواية إن كان هو الإتيان بالوتر موصولة بالشفع من غير تخلّل التسليم بينهما كما قد يعطيه ظاهرها باعتبار عدم التعرّض للتسليم ، فالاستشهاد بها للمدّعى وإن كان وجيهاً إلاّ أ نّها حينئذ على خلاف المذهب ، لاستقراره على لزوم الفصل بين الشفع ومفـردة الوتر بالتسـليم ، فتطرح وتحمـل على التقـيّة . فلا تصلح للاستدلال .

   وإن كان هو الإتيان بها مفصولة فحيث إنّ الركوع المأتي به محسوب من صلاة اُخرى لم يمنع التلبّس به عن تلافي المنسي ، لعدم القدح بوقوع مثل هذه الزيادة بعد أن لم يقصد بها الجزئية للصلاة الاُولى ، كما هو الحال في الفريضة ، مثل من تلبّس بالعصر بزعم فراغه من الظهر فتذكّر ولو بعد الدخـول في الركوع نقصان جزء من الظهر كالتشهّد أو التسليم فانّه يلغي ما بيده ويتدارك المنسي ، ولا تلزم منه الزيادة المبطلة بعد أن لم يقصد بها الجزئيـة للظهر . فلا فرق بين النافلة والفريضة من هذه الجهة . وعليه فلا تصلح للاستدلال أيضاً ، لخروجها عمّا نحن فيه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 404 /  أبواب التشهّد ب 8 ح 1 .

ــ[78]ــ

   أقول :  الظاهر صحّة الاستدلال على كلّ من شقي الترديد .

   أمّا الأوّل : فلأنّ ابتناء مورد الرواية على التقية لا يمنع عن جواز الاستدلال بالكبرى الكلِّيّة المذكورة فيها ، وهي عدم كون النافلة مثل الفريضة في مبطلية الزيادة الركنية ، غايته أنّ تطبيق تلك الكبرى على المورد محمول على التقيّة وكم له نظير في الأخبار كما لا يخفى .

   وأمّا الثاني : فلأنّ الرواية بنفسها ناطقة بالبطلان في الفريضة بمطلق الزيادة الركنية الأعم ممّا قصد به الجزئية أم لا ، لظهور قوله (عليه السلام) «ليس النافلة مثل الفريضة» في أ نّها لو كانت فريضة لبطلت بالرجوع ، للزوم زيادة الركوع وإن لم يقصد به الجزئية كما قوّينا ذلك في محلّه(1) وتكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من امتياز الجزء الركني كالركوع والسجود عن غيره في أنّ زيادته ولو صورة وبغير قصد الجزئية تستوجب البطلان ، على ما استفدناه ممّا دلّ على النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (2) مع أنّ السجود المأتي به حينئذ غير مقصود به الجزئية ، وإنّما هو لمحض التـلاوة .  فنستكشف من ذلك قادحية الزيادة حتّى الصورية في مثل السجود ، ويتعدّى عنه إلى الركوع بالأولوية القطعية . هذا هو حكم الفريضة .

   وأمّا النافلة فليست كذلك بمقتضى نفس هذه الرواية المصرِّحة بالفرق بينهما وأنّ تلك القادحـية خاصّة بالفريضـة ، وغير ثابتـة في النافلـة ، فلا مانع من الاستدلال بها ، لعدم البطلان بزيادة الركن في النافلة ، سواء قصد به الجزئية أم لا .

   فالإنصاف : أنّ الرواية لا قصـور فيها من حيث الدلالة ، نعم هي قاصرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 15 : 132 ـ 133 .

(2) الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1 .

ــ[79]ــ

السند ، لضعفه بالصيقل ، إذ لم تثبت وثاقته ، فلا تصلح للاستدلال من أجل هذه العلّة . فالأولى الاقتصار في الجواب عنها على المناقشة السندية فحسب .

   ومنها :  صحيحة الحلبي قال : «سألته عن الرجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة، فقال: يدع ركعة ويجلس ويتشهّد ويسلّم، ثمّ يستأنف الصلاة بعد» (1) .

   وهذه الرواية واضحة في أ نّها واردة في من أراد أن يصلّي عدّة ركعات كثمان ركعات نافلة الزوال أو نافلة اللّيل مثلاً ، التي هي ركعتان ركعتان ، فشرع في صلاة اُخرى بزعم فراغه من الاُولى ، ولم يتذكّر إلاّ بعد الدخول في الركوع . وقد حكم بالغاء ما بيده وتتميم الاُولى ثمّ استئناف الاُخرى وإن استلزم التتميم زيادة الركن ، لعدم البأس بها في النافلة .

   ونوقش فيها أيضاً بمثل ما مرّ من عدم قصد الجزئية بالركوع المأتي به في الصلاة الاُولى ، فلا تقدح زيادته حتّى في الفريضة .

   ويندفع : بما عرفت من عدم الفرق في القدح وعدمه بزيادة الركوع بين ما قصد به الجزئية وما لم يقصد .

   ولعلّ هذا كان مرتكزاً في ذهن السائل وهو الحلبي الّذي كان من أعاظم الرواة وعلمائهم ، وأنّ مثل ذلك لو كان واقعاً في الفريضة لكانت باطلة للزوم الزيادة وإن كانت صورية ، فسأل عن حكم النافلة وأ نّها هل هي كالفريضة أم لا . وقد حكم (عليه السلام) بتتميمها وعدم الضير في اشتمالها على هذه الزيادة .

   وحيث إنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة فلا بأس بالاستدلال بها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 231 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4 .

ــ[80]ــ

   ومنها: صحيحة ابن مسلم المتقدّمة(1) المتضمّنة للسؤال عن السهو في النافلة بدعوى شمول السهو ولو من باب ترك الاستفصال لمطلق الغفلة المجامعة للشك والنسيان ، إن لم نقل بظهوره في حدّ ذاته في الثاني .

   فقوله (عليه السلام) : «ليس عليك شيء» يراد به نفي أحكام السهو الثابتة في الفريضة عن النافلة ، التي منها البطلان بزيادة الأركان ، وأنّ السهو لا يوجب إلزاماً ، ولم ينشأ حكم من قِبله .

   وأمّا في مورد النقيصـة فليس الحكم بتدارك المنسي من الرجوع لدى الإمكان أو البطلان من آثار السهو وأحكامه ليرتفع في النافلة ، وإنّما هو من مقتضيات بقاء الأمر الأوّل ، حيث لم يؤت بالمأمور به على وجهه .

   ومن هنا يتّجه التفصيل في النافلة بين نقصان الركن وزيادته ، بالالتزام بالبطلان في الأوّل دون الثاني ، لما عرفت من أنّ البطلان لدى النقص لم يكن من شؤون السهو ليشمله النص ، وإنّما هو من ناحية طبع الأمر الأوّل بعد أن لم يمتثل ، بخلافه لدى الزيادة فانّه حينئذ من ناحية السهو نفسه ، ولولاه لم يكن عليه شيء .

   وهذا الوجه لا بأس به لولا ظهور السهو الوارد في الصحيحة في خصوص الشك في الركعـات ، بقرينة إطـلاقه عليه كثـيراً في لسان الأخبار كما مرّت الإشارة إليه ، مثل قوله (عليه السلام) : لا سهو  في الأولتين ، لا سهو في المغرب لا سهو في الجمعة (2) ، وهكذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 60 .

(2) الوسائل 8 : 187 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ، 2 ، (نقل بالمضمون) .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net