الوجوه التي استدلّ بها على حجّية الظنّ المذكور - حكم الظنّ المتعلّق بالشروط 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1912


   وقد استدلّ على ذلك بوجوه :

   منها : شهرة القول بذلك بين الأصحاب ، بل عن المحقّق الثاني نفي الخلاف فيه كما مرّ .

   وفيه : مضافاً إلى عدم حجّية الشهرة في نفسها أنّ دعواها ممنوعة في المقام إلاّ بالإضافة إلى الطبقة الوسـطى من الأصحاب ، فانّ كلمات القدماء منهم خالية عن التعرّض للمسألة رأساً ، وقد ذهب جمع كثير من المتأخِّرين إلى عدم الحجّية . فدعوى الشهرة بقول مطلق بعيدة عن الصواب .

   وأمّا نفي الخلاف المحكي عن المحقّق فلا اعتبار به بمجرّده ما لم يرجع إلى الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصـوم (عليه السلام) ، ولم ينقل دعواه عن أحد ، بل قد عرفت الإشكال في تحقّق الشهرة فضلاً عن الإجماع .

   ومنها : النبويان «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه» (1) وقوله : «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب» (2) بدعوى انجبار ضعفهما بعمل المشهور .

   وفيه : منع الشهرة أوّلاً كما مرّ ، ومنع استناد المشهور إليهما ثانياً لجواز أن يكون المستند ما سيجيء ، ومنع كبرى الانجبار ثالثاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 1 : 400 / 90 ، سنن النِّسائي 3 : 28 [ وفيهما : فليتم عليه ] .

(2) صحيح مسلم 1 : 400 / 90 ، سنن النِّسائي 3 : 28 [ وفيه : فليتحرّ الّذي يرى أ نّه الصواب ] .

 
 

ــ[101]ــ

   ومنها ـ وهو العمدة ـ : دعوى الفحوى والأولويّة القطعية ممّا دلّ على حجّية الظن في الركعات ، فانّ الركعة التامّة المؤلّفة من عدّة أجزاء لو كان الظنّ معتبراً فيها بأجمـعها ، فاعتباره في البعض من تلك الأجزاء ثابت بطريق أولى فانّ البعض لا يكون أعظم شأناً من الكلّ ولا يزيد عليه بشيء . والظاهر أنّ معظم القائلين بالحجّية قد استندوا إلى هذا الوجه .

   ولكـنّه لا يتم ، فانّه وجه استحساني اعتـباري لا يصلح أن يكون مستنداً لحكم شرعي كي ترفع به اليد عن الإطلاقات المتقدّمة ، سيما بعدما نشاهده من وجود الفارق بينهما ، فانّ المضي على الشك في الركعات ممنوع في الفريضة ، ولا مناص من الاستناد إلى ما يؤمن معه من الزيادة والنقصان على ما نطقت به موثّقة عمار المتضمّنة لتعليم كيفية الاحتياط حسبما تقدّم ، فاعتبر الشارع لزوم تحصيل المؤمن عن الخلل في ركعات الصلاة ، إمّا بالبناء على الأكثر والتدارك بركعة الاحتيـاط أو بركعتيه ، أو على الأقل والتدارك بسـجدتي السهو كما في الشكّ بين الأربع والخمس ، ومن ثمّ جعل الظن حجّة في باب الركعات ، لكونه بعد الاعتبار علماً تعبّدياً وطريقاً محرزاً للواقع فيؤمن معه عن الخلل .

   وليس كذلك الأفعال ، لجواز المضي فيها على الشك بلا إشكال ، ضرورة أنّ احتمال الزيادة أو النقصان موجود فيها دائماً ، سواء اعتنى بالشك وتدارك المشكوك فيه أم لا ، من غير فرق بين الشك في المحل أم بعد التجاوز عنه ، فانّه مع التدارك يحتمل الزيادة لجواز الإتيـان به أوّلاً ، ومع عدم التدارك يحتمل النقيصة لجواز عدم الإتيان .

   فهذا الشك لا ينفك عن أحد الاحتمالين المزبورين ، ومع ذلك لم يلزم الشارع بتحصيل المؤمن عن الخلل ، وبذلك تفترق الأفعال عن الركعات . فلا يستلزم اعتـبار الظنّ في الثاني اعتـباره في الأوّل ، ولا أولـوية في البين فضلاً عن أن

ــ[102]ــ

تكون قطعية .

   فلا يمكن الاستناد إلى هذا الوجه ليرتكب التقييد في الإطلاقات المتقدّمة ونعني به التقييد في مقام الثبوت ، وإلاّ فهو حكومة في مقام الإثبات لو تمّ الوجه المزبور كما هو ظاهر .

   ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ الأظهر عدم حجّية الظنّ المتعلّق بالأفعال وأ نّه ملحق بالشك ، للإطلاقات السليمة عما يصلح للتقييد .

   ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) بعد أن استشكل في المسـألة ولم يجزم بأحد الطرفين بنى على الاحتياط ، وقد فصّل في موارده بين ما هو من قبيل الأقوال كالقراءة والذكر والدُّعاء ، وما هو من قبيل الأفعال كالركوع والسجود .

   والأمر كما أفاده (قدس سره) فانّ الاحتياط يتحقّق في الأوّل بالإتيان بقصد القربة المطلقة الجامـع بين ما ينطبق على الجزء وما ينطبق على الذكر المطلق . فلو شكّ في الفاتحة قبل أن يدخل في السورة وظنّ الإتيان ، أو بعد الدخـول فيها قبل أن يركع وظنّ عدم الإتيان أمكنه الاحتـياط على النحو المزبور ، من دون أن يقصد الجزئية بخصوصها .

   وأمّا في الثاني فلا يمكن في عمل واحد ، لما مرّ غير مرّة من امتياز الركوع والسجود عن بقية الأجزاء في أنّ زيادتهما ولو بحسب الصورة ومن غير قصد الجزئية قادحة ، على ما استفدنا ذلك ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (1) ، مع أنّ السجود المأتي به حينئذ هو سجود التلاوة لا السجود الصلاتي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1 .

ــ[103]ــ

وأمّا الظنّ المتعلّق بالشروط وتحقّقها فلا يكون معتبراً (1) إلاّ في القبلة (2)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فيعلم من ذلك قادحية الزيادة الصـورية في مثل السجود ، ويتعدّى إلى الركوع بالأولوية القطعية . فلا يمكن الاحتياط فيهما إلاّ في عملين بضمّ الإعادة .

   وقد ذكر (قدس سره) لذلك وجهين :

   أحدهما :  أن يعمل بالظن ثمّ يعيد الصلاة . فلو شكّ في السجدة الثانية قبل الدخول في التشهّد وظنّ الإتيان ، أو بعد الدخول وظنّ العدم بنى على الإتيان في الأوّل وأتمّ الصلاة ثمّ أعادها ، رعاية لاحتمال الترك العمدي لو كانت وظيفته الاعتناء بالشكّ في المحل . ورجع في الثاني وأتى باُخرى وأتمّ ثمّ أعاد الصلاة رعاية لاحتمال الزيادة العمدية لو كانت وظيفته عدم الاعتناء بمقتضى قاعدة التجاوز ، وهكذا الحال في سائر الأفعال .

   ثانيهما :  أن لا يعمل بالظنّ ، بل يجري عليه حكم الشكّ من الاعتناء إن كان في المحل ، وعدمه إن كان بعده ويتم الصلاة ثمّ يعيدها ، رعاية لاحتمال حجّية الظن . هذا كلّه بناءً على مسلكه (قدس سره) من التشكيك في المسألة .

   وأمّا بناءً على المختار من عدم الاعتبار وإلحاق الظنّ بالشك فسبيل الاحتياط ولو استحباباً منحصر في الثاني ، للزوم الزيادة أو النقيصة العمديّتين في الأوّل ، المستلزمين لإبطال الصلاة الّذي هو محرّم على المشهور .

   (1) للزوم إحراز الشرط ، وعدم الدليل على كفاية الظنّ الّذي لا يغني عن الحقّ شيئا .

   (2) لقـوله (عليه السلام) : «يجزي التـحرِّي أبداً إذا لم يعـلم أين وجـه القبلة» (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 307 /  أبواب القبلة ب 6 ح 1 .

ــ[104]ــ

والوقت في الجملة (1) ، نعم لا يبعد اعتبار شهادة العدلين فيها ، وكذا في الأفعال والركعات ، وإن كانت الكلِّيّة لا تخلو عن إشكال ((1)) (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــ

   (1) أي فيما إذا كان اليوم غيوماً، للنص الدال عليه كما تقدّم تفصيل ذلك كلّه في مباحثهما(2).

   (2) قدّمنا في كتاب الطهـارة (3) أنّ المسـتفاد من الأدلّة حجّية البيِّنة في الموضوعات على الإطلاق إلاّ ما خرج بالنص كالدعوى على الميّت ، فانّها تحـتاج إلى ضمّ اليمـين ، وكالشهادة على الزِّنا فانّها تتوقّف على شهود أربعـة وأمّا فيما عدا هذين الموردين فالمرجع إطلاق الدليل حسبما بيّنا تقريبه في محلّه . وعليه فيجوز التعويل على البيِّنة في إحراز شرائط الصلاة كأفـعالها وركعاتها .
ــــــــــــــــ

(1) الإشكال ضعيف جدّاً ، بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل ، بل ثقة واحد .

(2) شرح العروة 11 : 433 ، 385 .

(3) شرح العروة 2 : 260 ، 3 : 155 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net