جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1658


   وقد يقال بصحّة الصـلاة ، نظراً إلى أنّ الشك في الصحّة والفساد ـ بعد وضوح عدم جريان قاعدة الاشتغال في الركوع كما مرّ ـ إنّما نشأ من الشك في زيادة الركوع في الركعة الاُولى ، إذ لا سبب له ما عدا ذلك ، فاذا دفعنا احتمال الزيادة بأصالة العدم كان نتيجتها صحّة الصلاة لا محالة .

   وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّ قاعدة الاشتغال وإن لم تكن جارية كما تقدّم، إلاّ أنّ مجرّد الشك في وقوع الركوع في محلّه كاف في المنع عن المضي ، للزوم إحراز ذلك ولو بأصل تعبّدي ، ومن الضروري أنّ الأصل المزبور لا يتكفّل لإثباته إلاّ على القول بحجّية الاُصول المثبتة .

   فتحصّل لحدّ الآن :  أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة : البطلان ، ولزوم الجمع بين الإعادة والإتمام ، والصحّة . وقد عرفت المناقشة في وجه كلّ ذلك .

   والتحقيق هو القول الأخير ، لا للوجه المزبور المزيّف بما عرفت ، بل لوجه آخر ، وهو الاستناد إلى قاعدة الفراغ الجارية في نفس الركوع .

   بيان ذلك : أ نّا قد ذكرنا في محلّه(1) أنّ قاعدة الفراغ التي موضوعها الشك في الصحّة بعد العلم بأصل الوجود لا يختص جريانها بالمركّبات ، بل كما تجري في أصل الصلاة كذلك تجري في نفس الأجزاء .

 فاذا علمنا بوجود الجزء وشككنا في صحّته وفسـاده لا مانع من الحكم بالصحّة استناداً إلى عموم قوله (عليه السلام) : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (2) ، إذ لا قصور في شمول الإطلاق لحال الأجزاء أيضاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 : 273 ، 277 .

(2) الوسائل 8 : 237 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3 .

ــ[163]ــ

بعد أن كانت العبرة بصدق عنوان المضي والتجاوز عن الشيء المتحقّق فيها كالمركّبات بمناط واحد ، ولا يعتبر في هذا الصدق عروض الشك بعد الدخول في الغير ، بل يكفي فيه مجرّد الفراغ عما يشكّ في صحّته وفساده .

   وبهذا تفترق قاعدة الفراغ عن قاعدة التجاوز التي موضوعها الشك في أصل الوجود لا في صحّة الموجود بعد اشتراكهما في لزوم صدق المضي والتجاوز ، حيث إنّ الصدق المزبور بعد فرض الشك في أصل الوجود لا معنى له إلاّ باعتبار المضي والتجاوز عن محلّ المشكوك فيه ، الّذي لا يتحقّق إلاّ بالدخول في الجزء المترتّب عليه ، فكان هذا شرطاً في جريان قاعدة التجاوز لا محالة .

   بخلاف قاعدة الفراغ ، لصدق المضي في موردها بمجرّد الانتهاء والفراغ عن العمل المشكوك صحّته وفساده كما عرفت ، من غير حاجة إلى الدخول في الغير . فلو شكّ في صحّة القراءة مثلاً قبل أن يركع بنى على الصحّة .

   ثمّ إنّ الشك في صحّة الشيء لا يفرّق فيه بين ما كان مستنداً إلى ذاته من حيث اشتماله على الخصوصيات المعتبرة فيه بما هو ككون القراءة في المثال فصيحة أم ملحونة ، وبين ما كان مستنداً إلى ملاحظته مع الغير ككونه واجداً للترتيب وعدمه الّذي هو أمر قائم بين الطرفين ومعتبر في الأجزاء لا في ذواتها ، بل باعتبار ملاحظتها مع الغير ومقايسة بعضها مع البعض الآخر ، فانّ كلا القسـمين يشـتركان في كونهما بالأخرة من موجـبات الشك في الصحّة المشمول لإطلاق الدليل .

   فلو شكّ وهو قائم قبل أن يركع بعد علمه بالإتيـان بذات الفاتحة وذات السورة في المتقدِّم منهما والمتأخِّر وأنّ السورة هل وقعت في محلّها واتّصفت بالترتيب المعتبر في صحّتها من لزوم تأخّرها عن الفاتحة أم لا ، بنى على الصحّة بمقتضى قاعدة الفراغ التي لا يعتبر في جريانها الدخول في الغير كما مرّ .

ــ[164]ــ

   إذا عرفت هذين الأمرين ـ أعني جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء ، وشمولها لما إذا كان الشك في الصحّة مستنداً إلى مراعاة الترتيب ووقوع المشكوك فيه في محلّه ـ ظهر لك بوضوح إمكان تصحيح الصلاة في المقام باجراء قاعدة الفراغ في الركوع .

   فانّ الصلاة الثنائية ـ مثلاً ـ تتأ لّف من عدّة أجزاء ، من ركوعين وقراءتين وسجدات أربع ونحو ذلك مشروطة بمراعاة الترتيب ووقوع كلّ جزء في المحل الشرعي المقرّر له ، فيعتبر في صحّة الركوع الثاني وقوعه عقيب السجدتين من الركعة الاُولى وعقيب القراءة من الركعة الثانية ، فلو وقع قبل ذلك كان فاسداً لا محالة باعتبار عدم وقوعه في محلّه .

   والمفروض فيما نحـن فيه أنّ المصلّي عـالم بذوات هذه الأجـزاء وأ نّه أتى بركوعين وقراءتين وسجدتي الركعة الاُولى ، وإنّما الشك في وقوع الركوع الثاني في محلّه ، الموجب بطبيعة الحال للشك في صحّته وفساده ، إذ لو كان قبل سجدتي الركعة الاُولى وقع فاسداً ، ولو كان بعدهما اتّصف بالصحّة ، ومقتضى قاعدة الفراغ الجارية في نفس الركوع البناء على وقوعه صحيحاً . ونتيجة ذلك التعبّد بوقوعه في الركعة الثانية .

   وليس هذا من اللوازم العقلية لإجراء القاعدة ليكون من الأصل المثبت ، بل هو بعينه مفاد القاعدة ونفس مؤدّاها بالذات ، لما عرفت من أنّ الشك في صحّة الركوع في مفروض الكلام ليس إلاّ من ناحية اتِّصافه بالترتيب ، وأ نّه هل وقع في محلّه الشرعي الّذي هو عبارة عن كونه بعد القراءة من الركعة الثانية أم لا .

   فاذا كانت الصحّة بهذا المعنى مورداً للتعبّد بمقتضى قاعدة الفراغ الدالّة على عدم الاعتناء بالشك وفرض المشـكوك صحّته معلوم الصحّة ، فقد أحرزنا وقوع الركوع في محلّه المقرّر له ، وأصبحنا بمثابة العالمين بذلك ولو تعبّداً ، وقد عرفت عدم اعتبار الدخول في الغير في جريان هذه القاعدة . ومعه لا يبقى مجال




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net