الحادية والعشرون : العلم إجمالاً بترك واجب أو مستحب 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1499

 

ــ[201]ــ

   [ 2154 ] المسألة الحادية والعشرون : إذا علم أ نّه إمّا ترك جزءاً مستحبّاً كالقنوت مثلاً أو جزءاً واجباً ، سواء كان ركناً أم غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة والتشهّد ، أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها ، صحّت صلاته ولا شيء عليه (1) ، وكذا لو علم أ نّه إمّا ترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو بعض الأفعال الواجبة المذكورة ، لعدم الأثر لترك الجهر والإخفات ، فيكون الشك بالنسبة إلى الطرف الآخر بحكم الشك البدوي .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومن ثمّ اقتصر على موردها بعد ارتكاب التخصيص ، ولم يتعدّ عنها إلى الشك في التشهّد حال النهوض ، لخروجه عن مورد النص ، ولأجله أفرد هذه المسألة بالذكر وعنونها مستقلاًّ ، للتنبيه على الفرق بينهما من هذه الجهة ، وقد عرفت أنّ الصحيحة موافقة لمقتضى القاعدة وليست مخصّصة لها عندنا ، وأنّ المسألتين من واد واحد .

   (1) نظراً إلى عدم تنجيز العلم الإجمالي فيما إذا كان أحد طرفيه حكماً غير إلزامي ، ولأجله كانت قاعدة التجاوز الجارية في الطرف الآخر سليمة عن المعارض .

   ثمّ ذكر (قدس سره) بعد ذلك أ نّه لو علم إمّا بترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو ترك واجب آخر ممّا ذكر صحّت صلاته أيضاً ، لعدم ترتّب الأثر على الترك في الأوّل ، فيكون الشك بالنسـبة إلى الطرف الآخر بحكم الشك البدوي .

   أقول :  أمّا ما أفاده (قدس سره) أخيراً فالأمر فيه واضح لا سترة عليه بداهة أنّ العلم التفصيلي بترك الجهر أو الإخفات في موضعهما سهواً أو لعذر

ــ[202]ــ

آخر لا أثر له فضلاً عن الإجمالي ، ولا بدّ في التنجيز من ترتّب الأثر على المعلوم بالإجمال على كلّ حال ، وعليه فقاعدة التجاوز في الطرف الآخر الّذي أثر نقصه البطلان أو القضاء أو سجود السهو سليمة عن المعارض، وهذا ظاهر.

   وأمّا ما أفاده (قدس سره) أوّلاً ففيه تفصيل ، إذ أنّ مجرّد كون الحـكم في أحد الطرفـين غير إلزامي لا يسـتوجب صحّة الرجوع في الطرف الآخر إلى القاعدة وسلامتها عن المعارضة .

   بيان ذلك : أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي كما مرّ مراراً جريان الاُصول وما بحـكمها في كلّ من الطرفين أو الأطراف وسـقوطها بالمعارضة ، بحيث لو لوحظ كلّ طرف بحياله ومنعزلاً عن الآخر لكان مورداً لإجراء الأصل ، وإنّما المانع المعارضة للزوم المخالفة العملية من الجمع ، والترجيح من غير مرجّح من التخصيص بالبعض .

   والضابط في جريان الأصل ترتّب الأثر على المورد كي يصح التعبّد بلحاظه ولا يكون لغواً . فكل مورد تضمّن الخلل فيه أثراً من الإعادة أو القضاء ونحوهما كان مورداً للجريان بطبيعة الحال . وهذا كما ترى لا يفرّق فيه بين موارد الأحكام الإلزامية وغيرها ، لاشتراكهما في الاشتمال على الأثر المزبور ولو بنحو الموجبة الجزئية الّذي هو المناط في الجريان .

   فلو شكّ بعد الفراغ عن النافلة المرتّبة في صحّتها وفسادها ، أو في الأثناء بعد تجاوز المحل في وجود الجزء جرت قاعدة الفراغ أو التجاوز لنفي أثر الخلل وهو الإعادة أو التدارك بلا إشكال ، فانّ الحكم وإن كان مبنياً على الاستحباب فكان له تركه رأساً ، إلاّ أ نّه لو تصدّى للامتثال لا مناص له من الإعادة لدى الإخلال ، فتكون القاعدة مؤمّنة عن ذلك .

   فلو عرض مثل هذا الشك بالنسبة إلى إحدى الصلاتين من النوافل المرتّبة

ــ[203]ــ

كما لو فرغ عن صلاة اللّيل فعلم إجمالاً بنقصان الركن أو بفقدان الطهارة إمّا في صلاة الشفع أو في مفردة الوتر مثلاً ، أو بالنسبة إلى أحد جزأين من صلاة واحدة وقد تجاوز عن محلّهما ، فلا محالة تتحقّق المعارضة حينئذ بين قاعدة الفراغ أو التجاوز في كلّ من الطرفين ، إذ هي جارية في كلّ طرف بخصـوصه وفي حدّ نفسه حسبما عرفت ، فيلزم من التخصيص بالبعض الترجيح من غير مرجّح ، ومن الجمع القطع بالمخالفة العملية .

   فانّ الحكم وإن لم يكن إلزامياً فكان له رفع اليد من أوّل الأمر كما مرّ ، وهو موصوف بالاستحباب حدوثاً وبقاءً ، إلاّ أنّ التعبّد الشرعي بصحّـتهما معاً استناداً إلى جريان القاعدتين في الطرفين مناقض للقطع بفساد واحدة منهما وإطلاق الدليل لكلّ منهما مضاد مع هذا العلم بالضرورة ، وهو معنى المخالفة العملية المستتبعة للمعارضة التي هي المناط في تنجيز العلم الإجمالي كما عرفت .

   هذا فيما إذا كان الحكم استحبابياً في كلا الطرفين .

   ومثله ما لو كان كذلك في أحدهما فقط دون الآخر ، كما لو فرغ من صلاة الفجر ونافلته فعلم إجمالاً بنقصان الركن في إحداهما ، فانّ قاعدة الفراغ في كلّ منهما تعارض الاُخرى بعد اشتمال كلّ من الطرفين على الأثر وهي الإعادة لو كان فيه النقص والخلل .

   وعلى الجملة :  فليس المدار في تنجيز العلم الإجمالي على كون الحكم المعلوم بالإجمال إلزامياً على كلّ تقدير ، بل الاعتبار بترتّب الأثر على كلّ من الطرفين المستلزم للمخالفة العملية من جريان الاُصول أو القواعد والمؤدِّي إلى التعارض والتساقط ، سواء أكان الحكم إلزامياً في كلا الطرفين ، أم في أحدهما فقط ، أم لم يكن إلزامياً في شيء منهما .

   وهذا هو الميزان الكلِّي لتنجيز العلم الإجمالي في جميع موارده . فمع ترتّب

ــ[204]ــ

الأثر في كلا الطرفين يتحقّق التنجيز وإن لم يكن الحكم إلزامياً في شيء منهما فضلاً عن أحدهما كما في الأمثلة المتقدِّمة ، ومع عدم ترتّبه إلاّ في أحد الطرفين دون الآخر لم يكن منجّزاً وإن كان الحكم إلزامياً فيهما معاً ، لعدم لزوم المخالفة العملية ، كما لو علم بترك الجهر في موضعه أو ترك جزء يوجب نقصه القضاء مثلاً ، فانّ ترك الأوّل لا أثر له ، بخلاف الثاني فتجري فيه القاعدة سليمة عن المعارض .

   ونحوه ما لو علم إجمالاً إمّا بترك السجدة أو بترك القراءة بناءً على عدم وجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة ـ كما هو الصحيح ـ لاختصاص الأثر حينئذ وهو القضاء بالأوّل ، فتجري القاعدة فيه من غير معارض . فلا اعتبار بالإلزام في أمثال المقام .

   نعم ، في موارد الشك في التكليف لو تردّد الأمر بين الحكم الإلزامي وغيره كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب شيء أو باستحباب شيء آخر لشبهة حكمية أو موضوعية كان المرجع حينئذ أصالة البراءة عن الوجوب السليمة عن المعارض ، لعدم جريان البراءة العقلية التي موضوعها احتمال العقاب في الحكم الاسـتحبابي بلا إشـكال ، وكذا البراءة الشرعية على المخـتار كما بيّناه في الاُصول(1) .

   فلا بدّ في تنجيز العلم الإجمالي المتعلِّق بباب التكاليف من كون المعلوم بالإجمال حكماً إلزامياً على كلّ تقدير ، لكي تتحقّق المعارضة فيما يرجع إليه حينئذ من الاُصول النافية للتكليف كأصالة البراءة .

   وأمّا المتعلِّق بالصحّة والفساد ممّا يكون مورداً لجريان قاعدة الفراغ أو التجاوز ونحوهما من الاُصول والقواعد المصحّحة غير الناظرة إلى جهة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 270 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net