السادسة والأربعون : الشك بين الثلاث والأربع ثمّ العلم بعد السلام وقبل صلاة الاحتياط بكونها أربعاً ثمّ عود الشك 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1361


   [ 2179 ] المسألة السادسة والأربعون : إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً وبعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أ نّها كانت أربعاً ثمّ عاد شكّه (1) فهل يجب عليه صلاة الاحتـياط لعود الموجـب وهو الشك

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالرجوع إلى تدارك المعلوم يعود محلّ الشك أيضاً ؟ وجهان .

   اختار (قدس سره) الثاني ، وهو الصحيح ، لكن لا لما ذكره (قدس سره) بداهة أنّ الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه ، ولا يتغيّر عمّا وقع ، فكان شكّه حادثاً بعد الدخول في القيام ، وبالرجوع لا يتّصف بحدوثه قبل القيام كي يعود المحل بل هو بعد القيام رجع أم لم يرجع، فلا ينقلب الحادث بعد القيام إلى ما قبل القيام .

   بل لأجل أنّ الشك من الأوّل كان قبل التجاوز ، فانّ ذلك القيام أو التشهّد حيث لم يكن مأموراً به لوقوعه في غير محلّه فهو زائد جزماً ، ووجوده كالعدم لعدم كونه من أجزاء الصلاة في شيء ، فلا يتحقّق به التجاوز من أصله ، لا أ نّه ينقلب إلى ما قبل التجاوز ، فالشك في السـجدة شك في المحل من أوّل الأمر سواء رجع أم لم يرجع . فلا بدّ من الإتيان بها أيضاً بعد عدم كونها مورداً لقاعدة التجاوز .

   (1) فهل يجري عليه حينئذ حكم الشك بين الثلاث والأربع نظراً إلى أنّ هذا عين الشك السابق ، فقد عاد الموجب فيعود حكمه .

ــ[259]ــ

أو لا لسـقوط التكليف عنه حين العلم ، والشك بعده شك بعد الفـراغ؟ وجهان، والأحوط الأوّل((1)).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   أو أ نّه لا يجب عليه شيء ، لكونه مورداً لقاعدة الفراغ ، حيث إنّ هذا غير الشك السابق جزماً ، فانّه زال وانعدم باليقين بالتمام ، وهذا شك آخر حدث بعده قد فصل اليقين الوجداني بينهما ، الموجب لانعدام الأوّل ، إذ لا يعقل تخلّل العدم بين الشيء ونفسه . فالشك الأوّل لا حكم له بعد زواله وانقطاعه فارتفع موضوع صلاة الاحتياط ، والشك الآخر شك حادث بعد الصلاة ، وهو مورد لقاعدة الفراغ .

   أو أ نّه يحكم ببطلان الصلاة لعدم جريان شيء من القاعدتين فتجب الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال ؟ فيه وجوه .

   والصحيح هو الوجه الأوّل ، فانّ قاعدة الفراغ غير جارية في المقام لاختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية الوارد في نصوصها (2) بما إذا احتمل الالتفات حين العمل ، وأن يكون الفوات على تقديره مستنداً إلى الغفلة المدفوعة بالأصل .

   وأمّا مع العلم بأ نّه كان شاكّاً وقت العمـل وأ نّه أتمّ متردِّداً في الصحّة وعدمها كما في المقام ، حيث شكّ فبنى على الأربع ، فهو غير مشمول للقاعدة لعدم كونه آنذاك أذكر ولا أقرب إلى الحق .

   نعم ، الشك الفعلي شك حادث بعد الصلاة ، لتخلّل اليقين بالتمام بين الشكّين كما عرفت . إلاّ أ نّه ليس كلّ شك حادث بعد الصلاة مورداً لقاعدة الفراغ ، بل في خصوص ما إذا احتمل الإتيان بالعمل على وجهه في ظرفه معتقداً صحّته

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل هو الأظهر ، لشمول الإطلاقات له مع عدم جريان قاعدة الفراغ في مثله .

(2) تقدّم ذكر المصدر في ص 234 .

ــ[260]ــ

وأمّا مع القطع بالتردّد واحتمال الصحّة لمجرّد المصادفة الواقعية كما فيما نحن فيه فلا ينبغي التأمّل في عدم كونه مورداً للقاعدة .

   وعليه فلا مانع من الرجوع إلى الإطلاق في أدلّة البناء على الأربع، المستلزم لوجوب الإتيان بركعة الاحتياط .

   ودعوى عدم انعقاد الإطلاق لانصراف الدليل عن مثل هذا الشك المنقطع بعد الصلاة باليقين ، ولا دليل على الشمول بعد العود ، فانّ الموضوع هو الشك الحادث في الصلاة المسـتمر ، فلا يشمل العائد بعد الانقطاع والزوال ، فلا بدّ حينئذ من الإتيان بالركعة المتّصلة بمقتضى الاسـتصحاب وقاعدة الاشتغال وبذلك يقطع بالصحّة ، فانّ الصلاة إن كانت تامّة كانت هذه لغواً ، وإلاّ فوظيفته الإتمام بالركعة المتّصلة ـ بعد فرض عدم شمول أدلّة البناء ـ وقد فعل ، فيكون كمن أتمّ على النقص سهواً .

   مدفوعة بعدم قصور في شمول الإطلاق للمقام ، إذ لم يتقيّد الشك بالاستمرار وعدم الانقطاع في شيء من أدلّة البناء ، نعم خرج عن ذلك بالمخصّص العقلي ما إذا انقطع بعد الصلاة فزال الشك بالكلِّيّة ولم يعد ، فانّه لا موضوع حينئذ لصلاة الاحتياط، فانّ موضوعه ظنّ النقص واحتمال الحاجة بمقتضى قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار : «فأتمّ ما ظننت أ نّك نقصت» (1) والمفروض العلم بالعدم والقطع بعدم الاحتياط ، فلا موضوع للتدارك .

   وأمّا مع عود الشك ، فبما أنّ الموضوع وهو احتمال النقص محقّق ، والمفروض عدم تقيّده بالاستمرار في لسان الدليل ، فلا مانع من شمول الإطلاق له بلحاظ الشك العارض حال الصلاة .

   وبعبارة اُخرى : الشك الطارئ أثناء الصلاة له أفراد ثلاثة ، فقد يبقى مستمرّاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 212 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 ، 4 .

 
 

ــ[261]ــ

إلى حال الإتيان بالركعة المفصـولة ، وقد يزول بعد الصلاة ولا يعود وقد يزول ويعود ، والخارج بمقتضى التخصيص العقلي إنّما هو الفرد الثاني الّذي ينعدم معه موضوع التدارك ، فيبقى الفردان الآخران مشمولين للإطلاق بعد فرض عدم تقييد الشك بالاستمرار في شيء من أدلّة البناء .

   ونحوه ما لو أيقن بالنقص بدلاً عن اليقين بالتمام ثمّ عاد الشك ، فانّ الكلام هو الكلام بعينه في كونه مشمولاً للإطلاق .

   وعلى الجملة : فهذا الشك العائد بعد الزوال وإن كان غير الشك العارض في الصلاة ولم يكن عينه بالضرورة ، لمكان الانقطاع بتخلّل اليقين ، إلاّ أ نّه من أجل كونه مسبوقاً بمثله في الصلاة فذاك الشك السابق بما أ نّه لم يكن مقيّداً بالاستمرار فهو مشمول للإطلاق وإن انقطع وعاد ، والّذي لا يشمله خصوص المنقطع غير العائد ، لعدم بقاء محلّ لصلاة الاحتياط حينئذ حسبما عرفت ، هذا .

   ولو تنازلنا وسـلّمنا عدم الإطلاق في أدلّة البناء لاعتبار اتِّصال الشـك واستمراره وعدم انقطاعه بوجه فالمتعيّن حينئذ بطلان الصلاة ، لاندراج الشك تحت الإطلاق في صحيحة صفوان (1) القاضية بلزوم الإعادة في الشكوك غير المنصوص على صحّتها .

   ولايكفي حينئذ ضمّ الركعة المتّصلة كما اُفيد، فانّ تخلّل السلام العمدي الصادر منه مانع عن صلاحية الانضـمام ، إذ هو قد سلّم مع الالتفات والشك بتخيّل البناء على الأربع ، ففعله للسلام مستند إلى العمد لا محالة ، فيشمله إطلاق دليل المخرجية ، فانّ الخارج عنه موارد البناء على الأربع المتعقّب بالركعة المفصولة بمقتضى الأدلّة الخاصّة الحاكمة بجواز التسليم حينئذ وإن كان عمدياً ، فتكون مخصّصة لإطلاق الدليل المزبور ، ويلتزم بعدم الخروج على تقدير النقص واقعاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 225 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1 .

ــ[262]ــ

   وأمّا المـقام فالمفروض عدم كونه من موارد البناء ، فلا يشمله دليل التخصيص . وبما أنّ التسليم عمدي كما عرفت فيشمله دليل المخرجية ، وعليه فنقطع بعدم الحاجة إلى الركعة المتصلة ، لأنّ الصلاة إن كانت تامّة فهذه لغو محض ، وإلاّ فالتسليم العمدي الصادر منه الواقع على الثلاث مفسد للصلاة وموجب للخروج عنها ، فلا تصلح تلك الركعة للالتحاق والانضمام كي يتدارك بها النقص .

   فلا يقاس المقام بمن سلّم على النقص سهواً المحكوم بضمّ الركعة المتّصلة لكون ذاك السلام سهوياً غير مخرج ، وفي المقام عمدي مخرج كما عرفت .

   فان قلت :  كيف يكون عامداً في التسليم مع كونه موظّفاً فعلاً بالبناء على الأربع والتسليم بعده وإن انكشف الخلاف لاحقاً من أجل انقطاع الشك وعدم استمراره .

   قلت :  كونه موظّفاً بذلك واقعاً أو حسب اعتقاده لا يمنع عن صدق العمد كما عرفت .

   نعم ، لا يكون هذا التسليم العمدي قادحاً فيما إذا استمرّ الشكّ وتعقّب بركعة الاحتياط على نحو الشرط المتأخِّر ، بمقتضى أدلّة البناء على الأربع . فهذه الحصّة الخاصّة من التسليم العمدي وهي الواقعة حال الشك المستمر المتعقّب بصلاة الاحتياط خارجة عن دليل المخرجية ، والمفروض عدم تحقّقها في المقام لعدم استمرار الشك وعدم التعقّب بالركعة المفصولة ، لأجل عدم شمول أدلّة البناء للمقام حسب الفرض ، فيكشف ذلك عن الاندراج في دليل المخرجية المانع عن صلاحية الانضمام كما مرّ .

   فان قلت :  لازم ما ذكرت عدم جواز ضمّ الركعة المتّصلة في من شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع وسلّم ثمّ تبيّن النقص قبل صلاة الاحتياط

ــ[263]ــ

لعين ما مرّ من عدم تعقّب التسليم العمدي بالركعة المفصولة ، مع أ نّه لا إشكال في جواز الضم حينئذ بل تعيّنه كما لا يخفى .

   قلت :  قد ثبت ذلك بما دل على جواز الإتمام بركعة الاحتياط ، الكاشف عن عدم كون السلام مخرجاً مع بقاء الشك ، فيدل على جواز الإتمام مع العلم بالنقص بالأولوية . فلا يقاس عليه المقام العاري عن الدليل ، ولا وجه للتعدِّي عن مورده .

   والّذي يكشف عمّا ذكرناه من عدم جواز الإتيان بالركعة المتّصلة في مثل المقـام لأجل قادحـية السلام أ نّه لو جاز ذلك لجاز حتّى مع استمرار الشك وعدم انقطاعه . فمن شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع وسلّم ثمّ أراد الإتيان بالركعة الموصولة جاز له ذلك ، فتقع لغواً على تقدير التمامية ورابعة على تقدير النقص ، لعدم كون السلام المتخلِّل قادحاً حسب الفرض ، وبذلك يقطع ببراءة الذمّة . مع أنّ هذا غير جائز قطعاً ، وليس ذلك إلاّ لأجل تخلّل السلام العمدي ، وعدم العفو عنه إلاّ لدى التعقّب بالركعة المفصولة .

   وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في لزوم الاستئناف وعدم كفاية الركعة المتّصلة في محل الكلام بعد البناء على عدم شمول أدلّة البناء ، والمفروض عدم جريان قاعدة الفراغ كما تقدّم .

   نعم ، لو أتمّ صـلاته غافلاً ولم يعرضه الشك آنذاك وبعدما فرغ شكّ بين الثلاث والأربع ، فلا ريـب في أنّ هذا الشـك غير مشـمول لأدلّة البنـاء لاختصاصها بأجمعها من روايات عمار وغيرها ممّا ورد في الشكوك الخاصّة بالشك الحادث في الأثناء ، ولا تشمل الشك العارض بعد الفراغ .

   وحينئذ فاذا فرضنا أنّ قاعدة الفراغ غير جارية إمّا للغفلة ، أو للمعارضة لأجل كونها مورداً للعلم الإجمالي ، أو لغير ذلك من سائر الموانع لم يكن مانع




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net