السابعة والخمسون : العلم إجمالاً بترك جزء من الوضوء أو ركن من الصلاة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1505


ــ[288]ــ

   [ 2190 ] المسألة السابعة والخمسون : إذا توضّأ وصلّى ثمّ علم أ نّه إمّا ترك جزءاً  من وضوئه أو ركناً في صلاته(1) فالأحوط إعادة الوضوء ثمّ الصلاة ولكن لا يبعد جريان قاعدة الشك بعد الفراغ في الوضوء لأ نّها لا تجري في الصلاة حتّى يحصل التعارض ، وذلك للعلم ببطلان الصلاة على كلّ حال .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) احتاط (قدس سره) أوّلاً باعادة الوضوء والصلاة معاً ، رعاية للعلم الإجمالي المتعلِّق بالبطلان بعد معارضة قاعدة الفراغ الجارية في الطرفين ، ولم يستبعد أخيراً الاكتفاء باعادة الصلاة فقط ، للعلم التفصيلي ببطلانها إمّا من أجل فقد الركن أو فقد الطهور المانع عن جريان قاعدة الفراغ فيها ، فيكون جريانها في الوضوء سليماً عن المعارض ، وبذلك ينحل العلم الإجمالي .

   والظاهر أنّ ما أفاده (قدس سره) أخيراً هو الصحيح ، لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي والشك البدوي ، فيرجع في الثاني إلى الأصل الجاري فيه ، وهو قاعدة الفراغ من غير معارض .

   ولكن شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) منع عن انحلال العلم الإجمالي بمثل هذا العلم التفصيلي في المقام ونحوه ممّا كان العلم التفصيلي متولّداً من العلم الإجمالي ، ولأجله منع عن الانحلال في باب الأقل والأكثر الارتباطيين بدعوى استلزامه انحلال الشيء بنفسه .

   وحاصل ما أفاده (قدس سره) في وجهه : أنّ الأقلّ المعلوم بالتفصيل لو كان وجوبه ثابتاً على كلّ تقدير وبصفة الإطلاق لتمّ ما اُفيد ، ولكنّه ليس كذلك ، بل المعلوم ليس إلاّ وجوبه على سبيل الإهمال الجامع بين الاشتراط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 2 : 288 .

ــ[289]ــ

والإطلاق ، فليس لنا علم إلاّ بوجوب مردّد بين كونه بشرط شيء ، أي مقيّداً بكونه في ضمن الأكثر ، المترتِّب عليه عدم حصول الامتثال باتيان الأقل فقط وبين كونه لا بشرط ، أي مطلقاً من حيث الانضمام إلى الأكثر وعدمه . فالعلم بوجوب الأقل ليس إلاّ علماً بالجامع بين المطلق والمقيّد ، وهو عبارة اُخرى عن نفس العلم الإجمالي ، بل هو مقوّم له ، وليس شـيئاً آخر وراءه ، فكيف يمكن أن ينحلّ به ، وهل هذا إلاّ انحلال الشيء بنفسه .

   وعلى ضوء هذا البيان منع (قدس سره) عن الانحلال في المقام ، فانّ بطلان الصلاة لم يكن معلوماً على سبيل الإطلاق ، بل المعلوم هو جامع البطلان المردّد بين ما استند إليها نفسها وما كان مرتبطاً بالوضوء ، وهو عين العلم الإجمالي المتعلِّق ببطلان أحدهما ، فلا يمكن أن يكون موجباً لانحلاله .

   ويرد عليه (قدس سره) أوّلاً :  ما تعرّضنا إليه في الاُصول(1) في باب الأقل والأكثر من أنّ ما أفاده (قدس سره) متين جدّاً لو أراد به الانحلال الحقيقي الّذي ضابطه أن تنحل القضيّة الشرطية المنفصلة على سبيل منع الخلو إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة والاُخرى مشـكوكة ، كما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين فقامت بيّنة على نجاسة أحدهما المعيّن، فانّه يقال عندئذ : هذا الإناء بعينه نجس يقيناً ، وذاك مشكوك النجاسة ، بعد أن كنّا نقول : إمّا هذا نجس أو ذاك نجس .

   فانّ الانحـلال بهذا المعنى يتعذّر انطـباقه على المـقام ، ضرورة أنّ  كلاًّ من وجـوب الأقل المطلق والمقـيّد بما لهما من الحدّ وبصـفة الإطلاق أو التقـييد مشـكوك فيه ، ولم يكن أحدهما متيـقّناً بالإضافة إلى الآخر ، فانّ كلاًّ منهما حادث مسبوق بالعدم ، ويشك في كيفية الجعل من أوّل الأمر وأ نّه واسع أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 433 .

ــ[290]ــ

مضيّق . وكما أنّ مقتضى الاستصحاب عدم لحاظ التقييد مقتضاه عدم لحاظ الإطلاق أيضاً ، فيتعارض الاستصحابان من الطرفين . فالقضيّة الشرطية باقية على حالها وغير منحلّة إلى القضيتين الحمليتين المزبورتين .

   وعلى الجملة : فالانحلال الحقيقي بالمعنى المتقدِّم وإن كان منفياً في باب الأقل والأكثر كما أفاده (قدس سره) إلاّ أنّ الانحلال الحكمي متحقِّق ، بمعنى أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً ، فانّ المناط في التنجيز إنّما هو تعارض الاُصول ، ولا معارضة بينها في المقام ، فانّ جعل الوجوب للأقل على نحو التقييد ـ اي منضمّاً بالأكثر ـ فيه كلفة زائدة وتضييق على المكلّف مندفع بأصالة البراءة ، بخلاف جعله على سـبيل الإطلاق وبنحو اللاّ بشرط فانّه توسعة وتسهيل للمكلّف ، فلا معنى لرفعه بأصالة البراءة .

   كما أنّ العقاب عند ترك الأقل متيقّن ، لعدم تحقّق الواجب الواقعي بدونه فالتكليف بالنسبة إليه منجّز . بخلافه عند ترك الأكثر ، فانّ العقاب عندئذ مشكوك فيه ، فأصالة البراءة الشرعية والعقلية جارية في طرف الأكثر من غير معارض ، لعدم جريان شيء منهما في ناحية الأقل حسبما عرفت . وحيث لا معارضة فلا تنجيز للعلم الإجمالي ، فهو في حكم الانحلال وإن لم يكن منه حقيقة . ولا فرق بينهما بحسب النتيجة كما هو ظاهر .

   كما أ نّه لا معارضة بينهما فيما نحن فيه ، للعلم ببطلان الصلاة على كلّ تقدير فليست هي مجرى لقاعدة الفراغ ، فتجري القاعدة في الوضوء من غير معارض ، فتترتّب عليه نتيجة الانحلال .

   وثانياً :  لو أغمضنا عما ذكرناه في باب الأقل والأكثر وسلّمنا عدم الانحلال ثمة بوجه فلا نسلِّمه في المقام ، لثبوت الانحلال هنا حتّى الحقيقي منه فضلاً عن الحكمي . ولا مجال لقياسه على ذاك الباب ، فانّ الواجب هناك عمل وحداني وهو الصلاة مثلاً مردّد حدّ وجوبه بين الإطلاق والتقييد والتوسعة والتضييق

ــ[291]ــ

فلم يعلم أنّ ما تعلّق به الوجوب هل هو ذات الأقل أم المرتبط بالأكثر ، وليس في البين ما هو المتيقّن من الأمرين كما عرفت .

   وأمّا في المقام فكلّ من الوضوء والصلاة عمل مستقل غير مرتبط أحدهما بالآخر ، ولا ملازمة بينهما في الصحّة والفساد ، فربما يصحّ الوضوء دون الصلاة كما هو ظاهر، وقد ينعكس كما لو توضّأ مرّة اُخرى للتجديد أو اغتسل لمسّ الميت مثلاً بعد ذلك ـ بناءً على إغناء الغسل عن الوضوء ـ فانّ شرط الصلاة هو جامع الطهارة ، لا خصـوص الوضوء الصادر منه الّذي هو طرف للعلم الإجمالي ، فليس بطلان الصلاة المعلوم بالتفصيل مرتبطاً بالوضوء كي يكون مردّداً بين الإطلاق والتقييد كما كان هو الشأن في الوجوب المعلوم تعلّقه بالأقل المردّد بينهما .

   إذن فلا تردّد ولا إهمال في الحكم بالبطلان المعلوم تعلّقه بالصلاة في المقام وإنّما التردّد في منشئه وسببه ، وأ نّه لخلل فيها أو لنقص في الوضوء ، ومن الواضح أنّ جهالة العلّة والتردّد فيها لا ينافي الجزم الوجداني بنفس الحكم على ما هو عليه من الحد ، فانّا على يقين تفصيلاً من بطلان الصلاة بالضرورة وإن لم يعلم مستند البطلان ، كما أ نّا على شكّ من بطلان الوضوء وجداناً . فقد انحلّت القضيّة الشرطية إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة والاُخرى مشكوكة ولازمه حصول الانحلال بطبيعة الحال .

   وعلى الجملة : بعد فرض كون طرفي العلم فيما نحن فيه وجودين مستقلّين أحدهما أجنبي عن الآخر فلا معنى لأن يكون أحد الوجودين بالإضافة إلى الآخر بشرط شيء ومقيّداً به ، أو لا بشرط ومطلقاً عنه ، وإنّما يتصوّر ذلك في الوجود الواحد المردّد حدّه من حيث السعة والضيق كما في باب الأقل والأكثر .

   فالمقـام أشبه شيء بما إذا علمنا نجاسة شيء تفصيلاً وشككنا في منشـئها وأ نّها من أجل ملاقاته بنفسه للنجس ، أو من أجل ملاقاته لشيء آخر وقد




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net