بحث موجز في حديث لا تعاد 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1671


ــ[305]ــ

بانياً على الإتيان به باعتقاد استحبابه فنسي وتركه فالظاهر عدم البطلان وعدم وجوب الإعادة إذا لم يكن من الأركان .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لا ريب في عدم البطلان في الثاني ما لم يكن من الأركان كما أفاده في المتن لعدم الفرق بين العلم والجهل بعد استناد النقص إلى النسيان الّذي هو القدر المتيقّن من حديث لاتعاد . فلا فرق بين العالم الناسي وبين الجاهل الناسي بمقتضى إطلاق الحديث ، وهذا واضح .

   إنّما الكلام في الأوّل أعني ما تضمّن الترك العمدي استناداً إلى الجهل بالحكم فانّ المشهور على ما نسبه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (1) وغيره إليهم وجوب الإعادة كما ذكره في المتن ، نظراً إلى اختصاص حديث لا تعاد بالناسي وعدم شموله للجاهل .

   ولكنّه غير واضح ، فانّ خروج الجـاهل المقصّر كالعالم العامد عن نطاق الحديث غير قابل للإنكار ، ضرورة أنّ الشمول للثاني مناف للأدلّة الأوّلية الدالّة على الأجزاء والشرائط ، وإلاّ لم يبق لها مورد كما لا يخفى .

   وأمّا الأوّل أعني الجاهل المقصّر فالحديث قاصر الشمول له في حدّ نفسه فانّه ناظر إلى ما بعد العمل وانكشاف الحال الطارئ بعد ذلك ، الّذي هو ظرف الخطاب بأ نّه أعد أو لا تعد ، بحيث لولا الانكشاف المزبور لم تجب عليه الإعادة وكان عمله محكوماً بالصحّة، وأمّا الجاهل المقصِّر فهو حين العمل محكوم بالإعادة وموصوف بالفساد بمقتضى قاعدة الاشـتغال ، فهو مكلّف آنذاك بالواقع ولو بالاحتياط سواء انكشف الحال أم لا . فهو خارج عن مفاد الحديث جزماً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الصلاة 2 : 193 ـ 194 .

ــ[306]ــ

   على أنّ قصر الأدلّة الأوّلية الدالّة على البطلان عند وجود القواطع وغيرها مثل قوله (عليه السلام) : من تكلّم في صلاته أو من زاد في صلاته أو من قهقه في صلاته فعليه الإعادة (1) على صورة العلم والعمد وتخصيصها بالعالم العامد بعيد في نفسه جدّاً .

   بل غير ممكن ، فانّه حمل للمطلقات على الفرد النادر ، إذ قلّما يرتكب العالم بالحكم الّذي هو في مقام الامتثال خلاف وظيفته عامداً ، فلا بدّ من شمولها للجاهل المقصّر أيضاً ، فهو محكوم بالإعادة بمقتضى هذه النصوص لا بعدمها ليندرج في الحديث . فالقرينة الداخلية والخارجية متطابقتان على عدم الشمول للجاهل المقصّر .

   وأمّا الجاهل القاصر الّذي كان معذوراً حين العمل لتخيّله أنّ ما يأتي به هي وظيفته ، بحيث لو لم ينكشف الخلاف لكان عمله محكوماً بالصحّة ومطابقاً للوظيفة الفعلية كما في المجتهد المخطئ أو مقلّديه ، فلا نعرف وجهاً لخروجه عن الحديث كي يختص بالناسي ، بل الظاهر شموله لهما معاً بمناط واحد .

   نعم ، ذكر شيخنا الاُستاذ (قدس سره) (2) في وجه التخصيص أنّ المنفي في الحديث إنّما هي الإعادة ، ومن الواضح أ نّها وظيفة من لم يكن مأموراً بالعمل نفسه ، وإلاّ فيخاطب به ابتداءً لا بالاعادة التي هي الوجود الثاني للطبيعة . فهي ناظرة إلى من وظيفته الإعادة لولا الحديث . فلا جرم يختص مورده بالناسي، إذ هو الّذي يتعذّر في حقّه التكليف الواقعي ، ولم يكن مأموراً في ظرف العمل وحالة نسيانه ، بل محكوم بالإعادة أو بعدمها . وأمّا الجاهل فهو حين إحداثه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 281 /  أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 ، 1 ، 8 : 231 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2 ، 7 : 250 /  أبواب قواطع الصلاة ب 7 .

(2) كتاب الصلاة 3 : 5 .

ــ[307]ــ

محكوم بالواقع وبنفس العمل لا باعادته ، فلا يشـمله الحديث . وإجزاء غير الواجب عن الواجب لا دليل عليه .

   ويندفع بأنّ الجاهـل القاصر وإن كان حين العمـل مكلّفاً بنفس الواقع ـ  كالسـورة مثلاً  ـ إلاّ أ نّه بعد التجاوز عن المحل بالدخـول في الركوع فالأمر الواقعي سـاقط حينئذ جزماً ، لتعذّر امتثـاله ، فلا محالة يكون بعدئذ مأمـوراً باعادة الصلاة أو بعدمها . فلا تختص الإعادة بمن لا يكون مكلّفاً حين العمل كالناسي ، بل تعمّ الجاهل أيضاً .

   ويؤيِّده إطلاق لفظ الإعادة في مورد الجهل القصوري أو التقصيري في غير واحد من الأخبار مثل قوله (عليه السلام): «مَن تكلّم في صلاته فعليه الإعادة» وغير ذلك ممّا مرّ ونحوه كما لا يخفى على من لاحظها .

   وعلى الجملة :  فكما أنّ غير الجاهل محكوم عليه بالإعادة فكذا الجاهل بمناط واحد ، ونتيجته أنّ الحديث شامل للجاهل القاصر أيضاً . فمن أتى بعمل وهو يرى أ نّه قد أتى بالواقع وكان معذوراً ثمّ انكشف له الخلاف أعاد إن كان الخلل في الأركان وإلاّ فلا ، من غير فرق في ذلك بين الناسي والجاهل القاصر حسبما عرفت .

   والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطاهرين .

   وكان الفراغ في التاسع من شهر شعبان المعظّم من السنة الثانية والتسعين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة النبويّة في جوار القبّة العلويّة على صاحبهما أفضل الصلاة وأزكى التحيّة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net