في أنّ وجوب الاجتهاد وعدليه عقلي أو شرعي 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5401

كتاب

الاجتهاد والتقليد

ــــــ

ــ[1]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد خير خلقه وآله الطاهرين .

   وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربّه محمد كاظم الطباطبائي : هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى ، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون وتكون ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون والله وليّ التوفيق .

 [  الاجتهاد والتقليد  ]

    [ 1 ] مسألة 1 : يجب على كل مكلف (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وهل هذا الوجوب شرعي (نفسي أو طريقي أو غيري) أو أنه عقلي ؟

   الصحيح أنه عقلي ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن في ارتكاب المحرّم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجة إستحقاقاً للعقاب ، كما أن في ارتكاب المشتبهات إحتمال العقاب لتنجز الأحكام الواقعية على المكلفين بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب وهذا يحصل بأحد الاُمور الثلاثة :

   فإن المجتهد إمّا أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريات وهو قليل ، وإمّا أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والاُصول . كما أن المقلد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجة عليه على ما يأتي في مورده. وأما العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل يسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب.

ــ[2]ــ

إذن وجوب الاُمور الثلاثة عقلي بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب . ويترتب عليه بطلان عمل المكلف التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، على ما نبينه في الفرع السابع إن شاء الله .

   وليس هذا الوجوب غيرياً ولا طريقياً ولا نفسياً .

   أمّا عدم كونه غيرياً فلأنّ مقدّمة الواجب ـ على ما بيّناه في محلّه ـ ليست بواجبة شرعاً ، وليس أمرها مولوياً بوجه وإنّما هي واجبة عقلاً لعدم حصول الواجب إلاّ بها .

   على أ نّا لو سلمنا وجوب المقدمة فليس الاحتياط مقدمة لأي واجب فان ما أتى به المكلّف إما أنه نفس الواجب أو أنه أمر مباح ، وهو أجنبي عن الواجب رأساً لا أنه مقدمة لوجود الواجب وتحققه ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون أصل الوجوب معلوماً وكان التردد في متعلقه كما في موارد الاحتياط المستلزم للتكرار ، وبين أن يكون أصل الوجوب محتملاً كما في موارد الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، ومعه كيف يكون الاحتياط مقدمة لوجود الواجب .

   نعم ، ضمّ أحد الفعلين إلى الآخر مقدمة علمية للامتثال ، لأن به يحرز الخروج عن عهدة التكليف المحتمل . وكذلك الحال في الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، لا أنه مقدمة وجودية للواجب ليجب أو لا يجب ، هذا كلّه في الاحتياط .

   وكذلك الاجتهاد والتقليد ، لأنهما في الحقيقة عبارتان عن العلم بالأحكام ومعرفتها ، ولا يكون معرفة حكم أي موضوع مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه بحيث لا يتيسّر صدوره ممن لا يعلم بحكمه ، فهذا كرّد السلام فإنه ممكن الصدور ممن لا يعلم بحكمه ، وكذلك الحال في غيره من الواجبات إذ يمكن أن يأتي بها المكلف ولو على سبيل الاحتياط من دون أن يكون عالماً بحكمها ، فلا يتوقف وجود الواجب على معرفته بالاجتهاد أو التقليد .

   نعم ، لا يتمكن المكلف في بعض الموارد من الاتيان بالعمل إلاّ إذا علم بما اعتبر فيه من القيود والشروط ، كما في الموضوعات المركبة مثل الصلاة والحج فإن الجاهل بأحكامهما غير متمكن على اصدارهما ، إلاّ أنه من الندرة بمكان .

ــ[3]ــ

   وأمّا عدم كونه وجوباً طريقياً فلأن المراد به ما وجب لتنجيز الواجب أو التعذير عنه وليس الاحتياط منجزاً للواقع بوجه ، لما سيأتي (1) من أن الأحكام الواقعية إنما تنجزت بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال لمكان الشبهة قبل الفحص ، أو لوجود الأمارات القائمة عليها في مظانها كما تأتي الاشارة إليه . فالأحكام متنجزة قبل وجوب الاحتياط لا أنها تنجزت بسببه ، فلا معنى للوجوب الطريقي بمعنى المنجزية فيه ، كما لا معنى له بمعنى المعذرية لأنه لا يتصوّر في الاحتياط مخالفة للواقع ليكون وجوبه معذراً عنها ، لأنه عبارة عن اتيان الواقع على وجه القطع والبت فلا تتحقق فيه مخالفة الواقع أبداً . إذن لا معنى محصل للوجوب الطريقي في الاحتياط .

   وأمّا الاجتهاد والتقليد فقد يبدو للنظر أنهما كالاحتياط لا معنى للوجوب الطريقي فيهما بالإضافة إلى التنجيز ، لأن الأحكام الشرعية ـ كما أشرنا إليه ـ تنجزت قبل الأمر بهما من جهة العلم الاجمالي أو الاحتمال ، لا أنها تنجزت بسببهما . ثمّ على فرض عدم العلم الاجمالي من الابتداء أو انحلاله بالظفر بجملة معتد بها ، يستند التنجيز إلى الأمارات القائمة على الأحكام في مظانها لأن بها يستحق المكلف العقاب على مخالفة الواقع لا أنها تتنجز بالاجتهاد ، ومن هنا لو ترك الاجتهاد رأساً كانت الأحكام متنجزة في حقّه واستحق بذلك العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع، هذا في الاجتهاد .

   ومنه يظهر الحال في التقليد ، لتنجز الأحكام الواقعية بوجود فتوى من وجب على العامي تقليده وان ترك تقليده ، لا أنها تتنجز بالتقليد . فالوجوب الطريقي بمعنى التنجيز لا محصل له بالإضافة إلى الاجتهاد والتقليد .

   نعم ، الوجوب الطريقي بمعنى المعذرية فيهما صحيح ، كما إذا أفتى المجتهد بما أدى إليه رأيه وعمل به مقلّدوه ولكنه كان مخالفاً للواقع ، فإن اجتهاده حينئذ كتقليد مقلديه معذران عن مخالفة عملهما للواقع ، إلاّ أن ذلك لا يصحح القول بالوجوب الطريقي في الاجتهاد وعدليه وهو ظاهر ، هذا .

   ولكن الصحيح أن يقال : إن الكلام قد يفرض في موارد العلم الإجمالي بالأحكام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص : 6 .

ــ[4]ــ

وقد يفرض في موارد عدمه من الابتداء أو وجوده وانحلاله بالظفر بمقدار معتد به من الأحكام .

   أمّا الصورة الاُولى : فالحال فيها كما بيّناه لأنه لا معنى للوجوب الطريقي حينئذ فإن مفروض الكلام تنجز الأحكام الواقعية بالعلم الاجمالي فلا مجال لتنجزها ثانياً بالأمر بالاحتياط أو التقليد أو الاجتهاد .

   وأمّا الصورة الثانية : فلا مانع فيها من الالتزام بكون وجوب الاحتياط وعدليه طريقياً أي منجزاً للواقع وذلك : لأن أدلة الاُصول الشرعية كما بيّناه في محلّه غير قاصرة الشمول لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص ، ومقتضى ذلك أن الأحكام الواقعية لا تتنجز على المكلفين في ظرف عدم وصولها . إذن يكون التنجز مستنداً إلى وجوب الاحتياط أو إلى تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لولا الأمر بها لم يكن أي موجب لتنجز الواقع على المكلفين . ومن ثمة قلنا في محله إن ايجاب الاحتياط طريقي لا محالة ، لما أشرنا من أن أدلة الاُصول الشرعية شاملة لموارد الاحتياط وهو يقتضي عدم تنجز الأحكام قبل الوصول ، فلو وجب معه الاحتياط فمعناه أن الواقع منجز على المكلف بحيث لو ترك الواقع بتركه العمل بالاحتياط لاستحق العقاب على مخالفته ، وهو معنى الوجوب الطريقي .

   ثمّ إن بما حققناه ينكشف أن مجرد وجود الحجة الواقعية لا يترتب عليه التنجيز بوجه ، لولا أدلة وجوب الاحتياط أو تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد ، فإن الحجة الواقعية لا تزيد على الأحكام الواقعية في أنها لا تصحح العقاب ما لم تصل إلى المكلّف .

   ثمّ إن كون التقليد في موارد عدم العلم الاجمالي واجباً طريقياً يبتني على أن يكون معناه تعلم فتوى المجتهد أو أخذها ، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا من أنه العمل إستناداً إلى فتوى المجتهد فالتقليد نفس العمل ولا معنى لكونه منجزاً للواقع ، فالمنجز على هذا هو الأمر بالتعلم بالتقليد أو الاجتهاد .

   وأمّا عدم كونه وجوباً نفسياً فلعلّه أوضح من سابقيه وذلك لأنه لا وجه له سوى توهّم أن تعلم الأحكام الشرعية واجب بدعوى استفادته من مثل ما ورد من أن

ــ[5]ــ

«طلب العلم فريضة»(1) وقوله عزّ من قائل: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون)(2) وغيرهما مما يمكن الاستدلال به على هذا المدعى كما ذهب إليه الأردبيلي (قدّس سرّه) وتبعه بعض المتأخرين ، إلاّ أ نّا بيّنا في محله أن تعلم الأحكام ليس بواجب نفسي وإنما التعلم طريق إلى العمل ومن هنا ورد في بعض الأخبار «أن العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له : هلاّ عملت ؟ فيقول : ما علمت فيقال له : هلاّ تعلمت» (3) فترى أن السؤال أوّلاً إنما هو عن العمل لا عن التعلم ، ومنه يستكشف عدم وجوبه النفسي وأنه طريق إلى العمل وإلاّ لكان اللاّزم سؤال العبد أوّلاً عن التعلم بأن يقال له ابتداءً : «هلاّ تعلّمت» وتفصيل الكلام في عدم وجوب التعلم موكول إلى محلّه .

   على أ نّا لو سلّمنا وجوب التعلم فالحكم بالوجوب النفسي في تلك الطرق وجعل الاحتياط عدلاً للاجتهاد والتقليد مما لا محصّل له ، وذلك لأن الاحتياط إنما هو الاتيان بالمأمور به فهو امتثال للحكم حقيقةً ، لا أن الاحتياط تعلّم له ، لضرورة أن المحتاط جاهل بالحكم أو بالمأمور به إلاّ أنه قاطع بالامتثال وجازم باتيانه المأمور به على ما هو عليه ، فلا وجه للوجوب النفسي في الاحتياط . نعم ، لا بأس به في التقليد والاجتهاد نظراً إلى أنهما تعلّم للأحكام ، هذا إذا فسّرنا التقليد بما يرجع إلى تعلم فتوى المجتهد .

   وأمّا إذا فسّرناه بما يأتي في محلّه من أنه الاستناد في العمل إلى فتوى الغير ، وأن تعلم الفتوى ليس من التقليد في شيء ، فلا يمكن أن يقال : إن التقليد تعلّم للأحكام بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 25 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 15 .

(2) النحل 16 : 43 ، الأنبياء 21 : 7 .

(3) هذه مضمون ما رواه الشيخ في أماليه قال : حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال أخبرني أبو  القاسم جعفر بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفر بن محمّد (عليه السّلام) وقد سئل عن قوله تعالى (قل فللّه الحجّة البالغة ) فقال : إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً ؟ فإن قال : نعم، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل ؟ فيخصمه فتلك الحجة البالغة . راجع تفسير البرهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و 180 من الطبعة الثانية عن أمالي المفيد .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net