أدلّة القول بعدم جواز العدول 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2506

 

    أدلة القول بعدم جواز العدول

   واستدل للقول بعدم جواز العدول أيضاً بوجوه :

   الأوّل : الاستصحاب وتقريبه : أن الفتوى المأخوذ بها قد صارت حجة فعلية في حق المقلّد بأخذها ، أو أن الحكم الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها قد تعين عليه وحيث لا ندري أن الأخذ أو الالتزام علّة محدثة ومبقية أو أنه محدثة فحسب ، فنشك في بقاء الفتوى المأخوذ بها على حجيتها الفعلية وسقوطها عنها برجوع المقلّد إلى فتوى المجتهد الآخر ، أو نشك في بقاء الحكم الفرعي على تعينه فنستصحب حجيتها الفعلية أو بقاء الحكم على تعينه ، ومقتضى هذا عدم جواز العدول .

   وقد ظهر مما بيّناه آنفاً عدم تمامية هذا الاستصحاب لأنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية وقد بنينا على عدم جريانها فلاحظ . ونزيده أن استصحاب الحكم الفرعي مضافاً إلى ما يرد عليه من المناقشة المتقدمة غير جار في نفسه ، لأنه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المكلف حينما يشك في البقاء متيقناً من المستصحب بحسب الحدوث وهذا غير متحقق في المقام ، لأن المكلف بعدما عدل عن فتوى المجتهد الأول لا علم له بحجية فتواه في حقه لأن اليقين بالحجية إنما هو ما دام باقياً على تقليده .

   الثاني : أن جواز العدول يستلزم العلم بالمخالفة القطعية في بعض المواضع ، وذلك كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ غير مريد للرجوع ليومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه ، وقلّد المكلف أحدهما فقصّر في صلواته ثمّ عدل إلى فتوى ثانيهما فأتم فيها ، لأنه يستلزم العلم ببطلان صلواته المقصورة أو صلواته غير المقصورة لعدم مطابقتها للواقع . بل لو وقع ذلك في الصلاتين المترتبتين كما في الظهرين مثلاً على ما مثّل به بعضهم ، لعلمنا ببطلان الثانية علماً تفصيلياً إمّا لبطلان الصلاة الاُولى فالثانية أيضاً باطلة وإمّا لبطلان الثانية في نفسها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 97  .

ــ[103]ــ

   والجواب عن ذلك : أن هذه المناقشة لا تختص بالمقام بل تأتي بعينها في موارد العدول الواجب أيضاً ، كما إذا فرضنا في المثال أن المجتهد الثاني أعلم من الأول أو أن الأول مات أو جنّ أو أنه عدل عن فتواه بعدما عمل المكلف على طبقها ، فإن العدول في تلك الموارد واجب ولا إشكال فيه .

   والّذي ينبغي أن يقال في حل الشبهة في مطلق العدول : إن المكلف إذا عدل إلى الفتوى المتأخرة فمقتضى القاعدة الأولية أن يعيد أعماله الّتي أتى بها على طبق الفتوى المتقدمة ، لأن بالفتوى الثانية يستكشف عدم كونها مطابقة للواقع من الابتداء . نعم لو قام هناك دليل دلّ على صحة ما أتى به على طبق الحجة السابقة ، أي دلّ على إجزائها عن الواقع ـ كما ذهب إليه بعضهم ـ لم تجب عليه الاعادة لصحتها وصحة الأعمال اللاّحقة المترتبة على صحتها ، وهذا من غير فرق بين أن يكون العدول سبباً للعلم بالمخالفة التفصيلية أو الاجمالية وبين أن لا يكون . وأما لو لم يقم دليل على صحة الأعمال السابقة وإجزائها عن الواقع ، فلا مناص من الاعادة حتى لا يحصل العلم بالمخالفة من غير معذّر . والاجزاء وإن لم يقم دليل عليه على نحو الكلية إلاّ أن حديث لا تعاد على ما قدّمناه في أوائل الكتاب (1) يقتضي عدم وجوب الاعادة فيما إذا كان الخلل الواقع في الصلاة في غير الخمسة المستثناة في الحديث ، لأنه على ما حققناه هناك لا يختص بالناسي كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ (قدّس سرّه) بل يعم الجاهل القاصر أيضاً ومن أظهر موارده المقام ، هذا كلّه في وجوب الاعادة وعدمه .

   وأما القضاء فحيث إنه بأمر جديد وموضوعه الفوت ، فلا مناص في وجوبه من إحراز الفوت وجداناً أو تعبداً ، فإذا فرضنا أن المجتهد المعدول إليه قد استند فيما أفتى به على خلاف فتوى المجتهد المعدول عنه ، إلى دليل حجة في مدلوله المطابقي والالتزامي ، فلا محالة يثبت به لوازمه ويحرز به الفوت ويجب على المكلف القضاء وأما لو شككنا في ذلك فمقتضى البراءة عدم وجوب القضاء ، فإن استصحاب عدم الاتيان بالواجب في وقته لا يثبت به الفوت .

   وقد اتضح بما سردناه أن هذا الدليل إنما يقتضي وجوب الاعادة أو هي مع القضاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 33  .

ــ[104]ــ

إذا لم يقم دليل على عدمه ولا دلالة له على عدم جواز العدول .

   الثالث : أن العدول يستلزم أحد أمرين على سبيل منع الخلو ولا يمكن المساعدة على شيء منهما :

   أحدهما : التبعيض في المسألة الكلّية .

   وثانيهما : نقض آثار الوقايع السابقة .

   وتوضيحه : أن أحد المجتهدين إذا أفتى بوجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه، فإذا قلّد المكلف أحدهما فقصّر في صلاته ثمّ عدل إلى الآخر وأتم فيها ، فلا يخلو إما أن نلتزم بصحة كلتا صلاتيه فمعنى ذلك أنه قلد أحد المجتهدين في واقعة من تلك المسألة وقلد الآخرين في الوقايع المستقبلة منها ، وهو معنى التبعيض في المسألة الكلّية ولا دليل على صحة التقليد في مثله . وإمّا أن نلتزم ببطلان صلاته الّتي أتى بها أوّلاً لأنه قد عدل إلى المجتهد الآخر في كلي المسألة ، ومعنى ذلك الالتزام بانتقاض آثار الأعمال الصادرة على طبق الفتوى السابقة ، ومعه يجب على المكلف إعادة الصلوات الّتي صلاّها قصراً لعدم مطابقتها للحجة الفعلية .

   وفيه : أن مورد التقليد والفتوى إنما هو المسألة الكلّية دون كل جزئي من جزئياتها فلا يلزم من العدول التبعيض في المسألة الكلّية ، وإنما يلزم منه نقض آثار الوقايع المتقدمة وهو أمر لا مناص من الالتزام به لمخالفتها لما هو الحجة الفعلية على المكلف ، أللّهم إلاّ أن يقوم دليل على إجزائها ، وهذا لا يقتضي عدم جواز العدول وليس في الالتزام به أي محذور ، كما هو الحال في موارد العدول الواجب على ما بيّناه في الوجه السابق فلاحظ .

   الرابع : ما عن المحقق القمي (قدّس سرّه) من دعوى الاجماع على عدم الجواز (1) .

   ويدفعه : أن الاجماع لو كان محصّلاً لم يكن قابلاً للاستدلال به فضلاً عمّا إذا كان من الاجماعات المنقولة الّتي لا نلتزم باعتبارها ، وذلك للقطع ولا أقل من احتمال أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القوانين 2 : أواخر باب الاجتهاد والتقليد .

ــ[105]ــ

المجمعين استندوا في ذلك إلى أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ، ومعه لا يكون الاجماع تعبدياً يستكشف به قول المعصوم (عليه السّلام) .

   على أن المسألة من المسائل المستحدثة الّتي لا سبيل فيها إلى استكشاف الاتفاق بل يمكن الجزم بعدم حصوله لذهاب جمع من المحققين إلى الجواز .

   الخامس : قاعدة الاشتغال ، وذلك لأن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية والعقل قد استقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه ، وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذ بها حجة معتبرة في حق المكلف وإنما التردد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية وذلك للشك في جواز العدول إلى فتوى المجتهد الآخر . إذن حجية فتوى المجتهد الأول مقطوع بها فيؤخذ بها ، وفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها . والسّر في ذلك أن الواقع منجّز على المكلفين من جهة العلم الاجمالي بالأحكام ، ومعه يستقل العقل بلزوم امتثالها وإتيانها أو إتيان ما جعله الشارع مبرئاً للذمّة تعبداً حتى يحصل به الأمن من العقاب ، فلو اقتصر المكلف حينئذ على ما لم يقطع بحجيته لم يكن مأموناً من العقاب لعدم علمه بامتثال الحكم الواقعي أو الاتيان بما هو مسقط له ومبرء لذمته .

   ودعوى : أن استصحاب التخيير يثبت أن العمل على طبق الفتوى الثانية أيضاً مؤمّن ومبرء للذمّة ، فتكون معلوم الحجية كالفتوى السابقة كما عن شيخنا الأنصاري وغيره (1) .

   مندفعة بالمنع عن استصحاب الحجية التخييرية للوجوه المتقدمة ولا نعيد ، هذا كلّه بناء على ما هو الصحيح من أن حجية الحجج والأمارات إنما هي من باب الطريقية .

   وأما بناءً على حجيتها من باب السببية والموضوعية فالأمر أيضاً كما ذكرناه ، لأن الفتويين المتعارضتين تدخلان في باب التزاحم حينئذ وبما أن الفتوى المأخوذ بها محتملة الأهمية تتقدم على الفتوى الثانية ، ويتعين الأخذ بها لأن الأهمية واحتمالها من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 87 .

ــ[106]ــ

   [ 12 ] مسألة 12 : يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط ((1))  (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجحات في باب التزاحم . وبعبارة اُخرى المكلف في الحكمين المتزاحمين لما لم يتمكن من امتثالها معاً ، لم يمكن التحفظ على إطلاق خطابيهما إلاّ أنه لا موجب لسقوطهما على نحو الاطلاق ، لأنه متمكن من أحدهما ، إذن لا مناص من تقييد إطلاق كل منهما بعدم الاتيان بالآخر ونتيجته التخيير بينهما في مقام الامتثال ، وإذا فرضنا أن أحدهما أهم أو محتمل الأهمية لزم التحفظ على إطلاق الخطاب فيه وتقييد الاطلاق في الآخر المهم بصورة عدم الاتيان بالأهم أو محتمل الأهمية .

   وهذا الوجه متين وعليه لا مسوّغ للعدول في مفروض الكلام بناءً على التخيير في الدليلين المتعارضين ، أللّهمّ إلاّ أن يكون المجتهد الثاني أعلم لأن المكلف إن علم بالمخالفة بينهما وجب عليه العدول وإن لم يعلم بها جاز له البقاء على تقليد الأوّل كما جاز له العدول إلى المجتهد الأعلم كما مرّ .

   وأما بناءً على ما هو الصحيح من التساقط عند التعارض فالفتويان تتساقطان ويجب على المكلف الاحتياط إن أمكن وإلاّ تخيّر بين العمل بهذا أو بذاك ، لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند العجز عن الامتثال الجزمي كلما تقدم ، وهذا تخيير في مقام الامتثال وليس من التخيير في المسألة الاُصولية لمكان حجية إحداهما شرعاً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net