أدلّة وجوب تقليد الأعلم 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 7904


 أدلة وجوب تقليد الأعلم

   وقد استدل على وجوب تقليد الأعلم بوجوه :

   الأوّل : أن مشروعية التقليد في الأحكام الشرعية إنما أثبتناها بالكتاب والسنة أو بدليل الانسداد أو السيرة كما مرّ ، وقد أشرنا أن المطلقات الواردة في الكتاب والأخبار غير شاملة للمتعارضين ، فإذا سقطت فتوى غير الأعلم عن الحجية بالمعارضة يتعيّن الرجوع إلى الأعلم وذلك للعلم بعدم وجوب الاحتياط . وأما دليل الانسداد فلا  يمكن أن يستنتج منه جواز تقليد غير الأعلم فإن النتيجة ليست كلّية ، وإنما يستنتج منه حجية فتوى عالم ما ، فإن العقل بعد المقدمات قد استقل أن الشارع نصب طريقاً للعامّي لا محالة ، وليس ذلك هو الاحتياط لأنه غير ميسور في حقه ، ولا أنه الظن لأنه لا ظن للمقلد أو لا أثر له، فيتعيّن أن يكون الطريق فتوى عالم ما ، والقدر المتيقن

ــ[114]ــ

فتوى الأعلم فيحتاج حجية فتوى غير الأعلم إلى دليل .

   وأما السيرة العقلائية فهي غير جارية على الرجوع إلى غير الأعلم ، بل قد جرت على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام من الحِرف والعلوم ، وحيث إن تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فنستكشف بذلك أنها ممضاة عند الشارع .

   ويستثنى من ذلك ما إذا كانت فتوى الأعلم على خلاف الاحتياط وكانت فتوى غير الأعلم موافقة له ، كما إذا أفتى الأعلم بالاباحة في مورد وأفتى غير الأعلم بالوجوب ، فإن العقلاء في مثل ذلك وإن كانوا يرجعون إلى غير الأعلم أحياناً إلاّ أنه لا لأن فتواه حجة عندهم ، بل لأنه عمل بالاحتياط فيأتون به برجاء درك الواقع . إذن لا يمكن إسناد ما أفتى به غير الأعلم إلى الله ، والاتيان به بقصد الأمر والوجوب . وهذا الوجه هو الّذي نعتمد عليه في الحكم بوجوب تقليد الأعلم في محل الكلام .

   الثاني : ما عن المحقق الثاني (قدّس سرّه) من دعوى الاجماع على عدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم .

   ويدفعه : أن ذلك من الاجماعات المنقولة وقد بيّنا في محلّه أن الاجماعات المنقولة لا اعتبار بها . على أن المسألة لا يحتمل أن تكون إجماعية كيف وقد ذهب جمع إلى جواز تقليد المفضول كما مرّ . بل لو سلّمنا أن المسألة إتفاقية أيضاً لا يمكننا الاعتماد عليه لاحتمال استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها ومعه لا يكون الاجماع تعبدياً يستكشف به رأي المعصوم (عليه السّلام) .

   الثالث : الروايات :

   منها : مقبولة عمر بن حنظلة الّتي رواها المشايخ الثلاثة (قدّس سرّهم) قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما ، إلى أن قال : فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال : الحكم

ــ[115]ــ

ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث» (1) حيث دلت على وجوب تقديم الأفقه على غيره .

   ويرد على الاستدلال بهذه الرواية وجوه :

   الأوّل : أن الرواية ضعيفة السند بعمر بن حنظلة ، إذ لم يرد في حقه توثيق ولا مدح ، وإن سميت روايته هذه بالمقبولة وكأنها مما تلقّته الأصحاب بالقبول وإن لم يثبت هذا أيضاً . نعم ، ورد في المواقيت عن يزيد بن خليفة أنه قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السّلام) إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبدالله (عليه السّلام) إذاً لا يكذب علينا» (2) فلو كانت هذه الرواية معتبرة لدلتنا على أن الرجل موثق غايته كيف وموثّقه الإمام (عليه السّلام) إلاّ أن تلك الرواية أيضاً ضعيفة فإن يزيد هذا كعمر لم تثبت وثاقته .

   الثاني : أن الرواية أجنبية عن المقام لأن ترجيحه (عليه السّلام) بالأفقهية وغيرها من الصفات الواردة في الرواية إنما هو في الحكمين ، ومن الظاهر أن المرافعات والخصومات لا مناص من فصلها ولا معنى فيهما للحكم بالتخيير لاستلزامه بقاء الترافع بحاله ، ومعه كيف يصح التعدي عن فصل الخصومات الّذي لا مناص عنه في موارد الترافع إلى أمثال المقام الّتي لا مانع فيها من الحكم بالتخيير ، فالرواية كما لا يتعدى عن موردها إلى الروايتين المتعارضتين ، كذلك لا يمكن التعدي عنه إلى الفتويين المتعارضتين لجواز كون المكلف مخيراً في الموردين .

   ويؤكّد ما ذكرناه أن الإمام (عليه السّلام) قد رجّح أحدهما بالأورعية والأصدقية أيضاً ، وهذا كما ترى لا يجري في المقام للقطع بأن الأصدقية أو الأورعية لا تكون مرجّحة في الروايتين أو الفتويين المتعارضتين ، إذ لا أثر للأصدقية في حجية الفتوى بوجه . نعم ، ذهب بعضهم إلى تقديم الأورع في المجتهدين المتساويين في الفضيلة ويأتي عليه الكلام في محله إن شاء الله (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1 .

(2) وسائل الشيعة 4 : 133 / أبواب المواقيت ب 5 ح 6 .

(3) راجع ص 140  .

ــ[116]ــ

   والمتحصل : أن الأفقهية وبقية الأوصاف الواردة في الرواية من مرجحات الحكمين فهي راجعة إلى القضاء وأجنبية عن باب الفتوى بالكلّية .

   الثالث : أن الأعلمية المبحوث عنها في المقام إنما هي الأعلمية المطلقة لبداهة أن الأعلمية النسبية والاضافية غير كافية في تعيّن الرجوع إليه ، فإن كون شخص أعلم من غيره مع وجود من هو أعلم من كليهما لا يترتب عليه أي أثر في المقام ، والأفقهية الّتي ذكرت مرجحة في الرواية إنما هي الأفقهية الاضافية لقوله (عليه السّلام) الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ، ومعناه أن كون أحد الحاكمين أفقه من غيره مرجح في باب القضاء ، إذ لا يعتبر في الحاكم الأعلمية المطلقة ، وأين هذا من الأعلمية فيما نحن فيه ، فالأعلمية المرجّحة في باب القضاء وتعارض الحاكمين غير الأعلمية المعتبرة في المقام .

   ومنها : ما عن علي (عليه السّلام) في عهده إلى مالك الأشتر : «إختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك» (1) .

   وهذا على فرض العمل به في مورده ، أجنبي عن اعتبار الأعلمية في محل الكلام لأنه إنما دلّ على اعتبار الأفضلية الاضافية في باب القضاء وأن القاضي يعتبر أن يكون أفضل بالإضافة إلى رعية الوالي المعيّن له ، ولا يعتبر فيه الأفضلية المطلقة . وهذا أيضاً يختص بباب القضاء ولا يأتي في باب الافتاء، لأن المعتبر فيه هو الأعلمية المطلقة على ما اتضح مما بيّناه في الجواب عن الاستدلال بالمقبولة المتقدمة .

   ومنها : ما رواه في البحار عن كتاب الاختصاص قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : «من تعلّم علماً ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول : أنا رئيسكم فليتبوأ مقعده من النار ، إن الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة 434 .

(2) البحار 2 : 110 .

ــ[117]ــ

   وهذه الرواية لو لم نناقش في دلالتها بأنها راجعة إلى دعوى الخلافة فإنها الرئاسة الّتي لا تصلح إلاّ لأهلها ، وإلاّ فالرئاسة المجردة عن دعوى الخلافة والإمامة لا يشترط فيها الأعلمية بوجه ، فهي من الأحاديث النبوية الواصلة إلينا مرسلة والمراسيل غير صالحة للاعتماد عليها أبداً .

   ومنها : ما رواه أيضاً في البحار عن الجواد (عليه السّلام) أنه قال مخاطباً عمه : «يا  عمّ إنه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك : لم تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الاُمة من هو أعلم منك»(1).

   وهذه الرواية وإن كانت تدل على اعتبار الأعلمية المطلقة في المفتي إلاّ أنها ضعيفة سنداً لارسالها . إذن لا يمكن الاستدلال بها بوجه ، فالاستدلال بالأخبار أيضاً ساقط .

   الرابع : أن فتوى الفقيه إنما اعتبرت للطريقية إلى الأحكام الواقعية ، وحيث إن فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم لسعة إحاطته واطلاعه على ما لا يطلع به غيره من المزايا والخصوصيات ، فلا مناص من الأخذ بها دون فتوى غير الأعلم .

   بل ذكر بعض مشايخنا المحققين : أن نسبة العالم إلى الأعلم نسبة الجاهل إلى العالم إذ المراد بالأعلمية ليس هو قوة العلم وشدته نظير بعض العوارض النفسية والخارجية ، فيقال : زيد أبيض من عمرو أو أنه أشجع أو أسخى من فلان ويريدون به شدة بياضه وقوة شجاعته بالإضافة إلى عمرو ، وهذا بخلاف المقام وذلك لأن علم الأعلم وغير الأعلم بالنسبة إلى الوظائف الظاهرية على حد سواء وليس ذلك أقوى في أحدهما من الآخر . نعم ، يتصوّر هذا في المعارف فيقال : إن معرفة زيد بالله أو يوم المعاد أشد وأقوى من معرفة عمرو مثلاً لوصول أحدهما مرتبة عين اليقين والآخر مرتبة علم اليقين ، وأما الأحكام الشرعية فلا يتصوّر فيها ذلك لأن علم كل منهما على حدّ سواء ، وليس العلم في أحدهما أشد وأقوى منه في الآخر بحيث لا يزول بتشكيك المشكك لقوة مبنى عرفانه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار 50 : 100 .

ــ[118]ــ

   بل المراد بالأعلمية أن يكون أحد المجتهدين أقوى وأدق نظراً في تحصيل الحكم عن مداركه وأمتن استنباطاً لها عن مبادئ تحصيله بأن يكون أعرف بالقواعد والكبريات وكيفية تطبيقها على صغرياتها لحسن سليقته. إذن فالأعلم مطلع على جملة من المزايا والخصوصيات الدخيلة في عرفانه لكيفية تطبيق الكبريات على صغرياتها وفي حسن سليقته بخلاف غير الأعلم ، فنسبة الأعلم إلى غير الأعلم كنسبة العالم إلى الجاهل ، ولا مسوّغ لتقليد الجاهل بوجه (1) .

   ويرد على ذلك : أن المراد بالأقربية إن كان هو الأقربية الطبعية والاقتضائية بمعنى أن الأعلم من شأنه أن تكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى غيره ، فالصغرى صحيحة والأمر كما ادعى إلاّ أنه لا كبرى تنطبق على تلك الصغرى، حيث إن الأقربية الطبعية لم تجعل ملاكاً للتقليد ولا لوجوبه .

   وإن اُريد بالأقربية ، الأقربية الفعلية بأن تكون الفتيا الصادرة عن الأعلم أقرب إلى الواقع بالفعل بالإضافة إلى فتوى غير الأعلم ، فالصغرى غير مسلمة ولا مثبت لدعوى الأقربية ، إذ لا يمكن أن يقال : إن فتيا الأعلم أقرب إلى الواقع مطلقاً ، كيف وقد يكون فتوى غير الأعلم موافقة للمشهور ولفتيا الأساطين والمحققين كشيخنا الأنصاري وصاحب الجواهر وغيرهما ممن هو أعلم من الحي بمراتب ، ومع كون فتوى الأعلم على خلاف المشهور كيف تكون أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم.

   هذا ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على أن فتوى الأعلم أقرب من فتوى غيره ، إلاّ أ نّا نطالب الدليل على أن الأقربية مرجحة ، ولم يقم أي دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الأقربية إلى الواقع ، إذ العناوين المأخوذة في لسان الأدلة كعنوان العالم والفقيه وغيرهما صادقة على كل من الأعلم وغير الأعلم وهما في ذلك سواء لا يختلفان وهذا يكفي في الحكم بجواز تقليدهما .

   وعلى الجملة أن الأقربية كما أنها ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين ومن هنا قد تعارض الصحيحة مع الموثقة ، ولا في البينتين المتنافيتين لوضوح أن إحداهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 54 .

ــ[119]ــ

لا تتقدّم على الاُخرى بمجرّد كونها أقرب إلى الواقع كما إذا كانت أوثق من الاُخرى مع أن حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية إلى الواقع ، فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين كما عرفت .

   وأما ما أفاده شيخنا المحقق (قدّس سرّه) من أن نسبة العالم إلى الأعلم نسبة الجاهل إلى العالم ، فهو وإن كان صحيحاً على ما أوضحناه آنفاً إلاّ أنه بالإضافة إلى المزايا والخصوصيات الدخيلة في حسن السليقة والاستدلال ، وأما بالإضافة إلى الاستنباط أصله وردّ الأصل إلى الفرع فهما على حدّ سواء ، كيف وكلاهما مجتهد ومن ثمّة لا يسوغ له الرجوع إلى الأعلم بل قد يخطئه، وجاز تقليده على تقدير فقد الأعلم . والمتحصل : أن العالم والأعلم بالإضافة إلى العناوين الواردة في أدلة التقليد ، متساويان ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر .

   فالصحيح في الحكم بوجوب تقليد الأعلم ، هو السيرة العقلائية الّتي استكشفنا إمضاءَها من عدم الردع عنها في الشريعة المقدسة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net