الأوّل : الإيجاب والقبول 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2126


ــ[10]ــ


فصل

في أركانها

   وهي ثلاثة :

   الأوّل : الإيجاب والقبول ، ويكفي فيهما كلّ لفظ دالّ على المعنى المذكور ، والصريح منه: آجرتك أو أكريتك الدار ـ مثلاً ـ فيقول: قبلت، أو استأجرت أو استكريت . ويجري فيها المعاطاة كسائر العقود (1) . ويجوز أن يكون الإيجاب بالقول والقبول بالفعل ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الكلام في جريان المعاطاة في الإجارة هو الكلام في جريانها في البيع ، إذ لا خصوصيّة فيه ، فإنّ البحث المذكور هناك سار في كافّة المعاملات من العقود والإيقاعات بمناط واحد .

   وملخّصه : أ نّه إن ثبت في مورد بدليل خاصّ اعتبار اللفظ أو اللفظ الخاصّ في تحقّق الإنشاء ـ كما في الطلاق حيث يعتبر فيها لفظ «طالق» بعد ذكر المرأة اسماً أو وصفاً ، وكما في النذر والعهد واليمين حيث يعتبر فيها ذكر لفظ الجلالة ، وكما في الزواج الذي تسالم الفقهاء على اعتبار لفظ ما وإلاّ خرج عن النكاح إلى السفاح ـ فهو المتّبع ، ولا سبيل معه إلى جريان المعاطاة فيه بوجه .

   وأمّا ما لم يثبت فيه ذلك فمقتضى الإطلاقات العامّة كوجوب الوفاء بالعقود

ــ[11]ــ

وكذا إطلاقات نفوذ البيع مثل قوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ ا لْبَيْعَ) (1) وغيره من أدلة العقود من الإجارة وغيرها هو الحكم بالصحّة وإن لم يتحقّق العقد باللفظ بل بالفعل المعبّر عنه بالمعاطاة .

   وليس بإزاء ذلك ما عدا الشهرة الفتوائيّة المتيقّنة القائمة على أنّ المعاطاة لا يترتّب عليها إلاّ الإباحة دون الملك وإن حمل المحقّق الثاني الإباحة المذكورة في كلماتهم على الملكيّة (2) .

   وكيفما كان ، فالشهرة بعد عدم حجّيّتها لا يعوّل عليها في إثبات أيّ حكم شرعي ، فلا تقاوم الأدلّة الخالية عن التقييد ، ولا تنهض لتقييد المطلقات .

   وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره) في كتاب البيع من المكاسب أنّ مخالفة المشهور مشكل ومخالفة الأدلّة أشكل(3) .

   ولا ينبغي التأمّل في أ نّه لدى الدوران بين ترجيح الشهرة على الأدلّة أو العكس كان المتعيّن هو الثاني .

   وليس في البين أيّة رواية تدلّ على اعتبار اللفظ إلاّ ما قيل من دلالة قوله (عليه السلام) : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» أو : «إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» (4) عليه .

   وهذه الجملة ـ أعني : «إنّما يحرّم الكلام» خاصّة ـ خالية عن تلك الضميمة قد وردت في عدّة روايات من روايات باب المزارعة لا بأس بأسنادها ، بل بعضها صحيحة السند كصحيحة الحلبي ، قال : سئل أبو عبدالله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 275 .

(2) جامع المقاصد 4 : 58 .

(3) المكاسب 3 : 50 ـ 51 .

(4) الوسائل 18 : 50 /  أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 .

ــ[12]ــ

عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً ، وللبقر ثلثاً «قال : لا ينبغي أن يسمّي شيئاً ، فإنّما يحرّم الكلام» (1) ، ونحوها ممّا دلّ على أنّ الاشتراط في المزارعة بنحو الثلث والثلثين لا مانع منه ، وإنّما الممنوع تسمية البذر والبقر وأنّ ثلثاً لهذا وثلثاً لذاك ، فإنّ النتيجة وإن كانت واحدة إلاّ أنّ خصوص هذا التعبير ممنوع وأ نّه إنّما يحرّم الكلام .

   ومعلوم أنّ هذا المطلب أجنبي عمّا نحن بصدده بالكلّية ولا مساس له باعتبار اللفظ في مقام الإنشاء بتاتاً ، وإنّما النظر معطوف على كيفيّة الإبراز وأنّه لا يجوز بخصوص هذا التعبير ، وقد حملها جماعة ـ منهم الماتن في كتاب المزارعة (2) ـ على الكراهة ، وحينئذ فكونها أجنبيّة عن بحث المعاطاة أظهر .

   وأمّا هذه الجملة مقرونة بتلك الضميمة ـ أعني: مجموع قوله: «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» ـ فلم ترد إلاّ في رواية واحدة ، وهي ما رواه الكليني والشيخ بسندهما عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجّاج ـ وهو ثقة ـ عن خالد بن نجيح على ما في الكافي ، وخالد بن الحجّاج على ما في التهذيب ، وقد كتب الأوّل على بعض نسخ الثاني والثاني على بعض نسخ الأوّل على سبيل : بدل النسخة. وما في الوسائل من جعل : يحيى بن نجيح، بدلاً عن نسخة : يحيى ابن الحجّاج، غلط(3)، وصحيحه ما عرفت .

   قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يجيء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا «قال : أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ ؟ » قلت : بلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 41 /  أحكام المزارعة والمساقاة ب 8 ح 4 .

(2) العروة الوثقى 2 : 505 .

(3) في الوسائل المحقّق حديثاً لم ترد الإشارة إلى نسخة بدل ، انظر ج 18: 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 .

ــ[13]ــ

«قال : لا بأس به ، إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» كذا في التهذيب ، وفي الكافي ذكر بدل «يحلّ» : «يحلّل» (1) .

   ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :

   أمّا السند : فلعدم ثبوت وثاقة الراوي ، سواء أكان هو خالد بن نجيح أم خالد بن الحجاج . نعم ، قيل بوثاقة الأوّل ، لوجوه مزيّفة كرواية صفوان عنه ، أو أنّ للشيخ الصدوق طريقاً إليه ، ونحو ذلك ممّا لا يرجع إلى محصّل . على أ نّها لو تمّت لا تكاد تنفع ، لما عرفت من التردّد بينه وبين ابن الحجّاج الذي لم تثبت وثاقته جزماً .

   وأمّا الدلالة : فلوضوح عدم كونها في مقام بيان حصر المحلّل والمحرّم في الكلام لتدلّ على اعتبار اللفظ في تحقّق الإنشاء وعدم الاجتزاء بالمعاطاة ، إذ مضافاً إلى أنّ هذا أجنبي عن السؤال كما لا يخفى مقطوع البطلان ، لعدم إنحصار المحلّلات والمحرّمات في الشريعة المقدّسة بباب الألفاظ بالضرورة ، بل الحصر المزبور مسوق لبيان أنّ جميع الكلمات لم تكن على حدّ سواء ، بل هي مختلفة ، فإنّ الكلام الصادر من الرجل من قول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، إن كان بعنوان الوعد بحيث لم يكن ملزماً بالوفاء فلا بأس به ، وإن كان بعنوان البيع ولا يمكنه التخلّف منه حرم ، لاندراجه حينئذ في كبرى بيع شيء قبل أن يملكه ، فلا يكون الكلّ على نسق واحد . وأمّا أنّ المحلّل منحصر في الكلام ولا يقع بالفعل الخارجي فالرواية أجنبيّة عن إفادة ذلك .

   إذن فليس لدينا ما يدلّ على اعتبار الصيغة لا في البيع ولا في الإجارة ولا غيرهما من أنواع العقود والإيقاعات ، إلاّ ما دلّ الدليل على اعتبار اللفظ ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 18 : 50 /  أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 ، الكافي 5 : 201 / 6 ، التهذيب 7 : 50 / 216 .

ــ[14]ــ

اللفظ الخاصّ حسبما عرفت ، ومن ثمّ تجري المعاطاة في الإجارة كغيرها .

   نعم ، خصّها شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة بإجارة الأموال فكتب ما لفظه : يعني في منافع الأموال لا مطلقاً . فيظهر منه المنع عن الجريان في إجارة الأعمال فيما إذا كان الأجير حرّاً ، من خياطة ، أو بناء دار ، أو الصلاة عن الميّت ، ونحو ذلك ، نظراً إلى أ نّه لا تعاطي من قبل الأجير إلاّ بتسليم نفس العمل الذي هو وفاء بالعقد المترتّب على الإنشاء ، فكيف يكون إنشاءً له لتتحقّق به المعاطاة ؟!

   وغير خفي أنّ هذا لو تمّ فإنّما يتّجه فيما لو اعتبرنا في المعاطاة التعاطي من الطرفين .

   وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا وعنده أيضاً من أنّ المعاطاة وإن كانت من باب المفاعلة إلاّ أنّ المراد بها إنشاء العقد بالفعل والعطاء الخارجي ولو كان ذلك من جانب واحد إذا كان بقصد تحقّق المعاملة وإنشائها من بيع أو إجارة ونحوهما ، لوحدة المناط ، المقتضي للصحّة بينه وبين ما إذا كان التعاطي من الجانبين. فلا إشكال حينئذ بوجه، فيعطي المستأجر عين الاُجرة بقصد الاستئجار ويأخذها الأجير بقصد القبول ، وبذلك تتحقّق المعاطاة .

   على انّه لايتمّ في نفسه، لأ نّا لو سلّمنا اعتبار التعاطي من الطرفين فلا ينحصر ذلك بعطاء نفس ما يراد تعلّق العقد به ـ أعني : العمل المستأجر عليه بنفسه ـ بل يكتفي بكلّ فعل يكون مبرزاً لهذا القصد عرفاً ، كالاشتغال بالمقدّمات من الإتيان بلوازم البناية والخياطة بقصد إنشاء الإجارة كما هو المتعارف خارجاً ، ويكون إعطاء الاُجرة بمنزلة القبول ، أو أنّ الأجير يأتي بالدابّة على باب الدار معلناً تهيّؤه لنقل المتاع ونحو ذلك من مقدّمات العمل .

ــ[15]ــ

ولا يصحّ أن يقول في الايجاب : بعتك ((1)) الدار ـ مثلاً ـ وإن قصد الإجارة . نعم، لو قال: بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار ـ مثلاً ـ بكذا ، لا يبعد صحّته إذا قصد الاجارة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) فرّق (قدس سره) بين هذين التعبيرين ، فلم يستبعد الصحّة في الثاني بعد أن حكم ببطلان الأوّل .

   بل قد استشكل فيها أيضاً شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة ، بل مال إلى البطلان فقال ما لفظه : صحّة هذا وأشباهه مبني على جواز التجوّز في صيغ العقود وصحّة إنشاء كلّ واحد منها بلفظ الآخر ، وهو في غاية الإشكال ، بل لا يبعد بطلانه (2) .

   وينبغي التكلّم تارةً في الصغرى وأنّ المقام هل هو من مصاديق إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر أو لا ؟ واُخرى في الكبرى وأنّ الإنشاء المزبور على تقدير تحقّقه هل يستوجب البطلان أو لا ؟

   أمّا من حيث الصغرى فالظاهر عدم اندراج المثال الثاني تحت هذه الكبرى ، لعدم استعمال لفظ البيع فيه في الإجارة ، كيف ؟! ولا تتعلّق الإجارة إلاّ بالعين ، فيقال : آجرتك الدار ، ولا يقال : آجرتك منفعة الدار ، كما تقدّم ، حيث عرفت أنّ مفهوم الإجارة مساوق لتمليك المنفعة، فلاتضاف إلى المنفعة، إذ ليست للمنفعة منفعة كما هو واضح ، فلو كان لفظ البيع في المثال المزبور مستعملاً عوضاً عن الإجـارة لرجع إلى قولك : ملّكتك منفعة منفعة الدار ، ولا محصّـل له ، فلم يستعمل اللفظ في معنى الإجارة ليكون من قبيل إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا تبعد الصحّة إذا نصب قرينة عرفيّة على إرادة الإجارة من لفظ البيع .

(2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 9  (تحقيق جماعة المدرسين) .

ــ[16]ــ

   وإنّما استعمل في مطلق التمليك وطبيعيّة لا خصوص المتعلّق بالعين ، فيرجع قولك : بعتك منفعة الدار ، إلى قولك : ملّكتك منفعة الدار ، ولا مانع من تجريد البيع عن خصوصيّة التعلّق بالعين واستعماله في مطلق التمليك مع نصب القرينة، كما قد يجرّد عن خصوصيّة التمليك بعوض، ويستعمل في مطلق التمليك القابل للانطباق على المجّاني المساوق للهبة مع نصب القرينة في مثل قولك : بعتك بلا عوض ، على ما قيل بذلك .

   وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عدم اندراج هذا المثال تحت الكبرى المذكورة ، فالصغرى هنا ممنوعة .

   وأمّا المثال الأوّل فيمكن منع الصغرى فيه أيضاً ، نظراً إلى أنّ لفظ البيع كما يمكن أن يكون مستعملاً في الإجارة فيكون من قبيل استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر ، كذلك يمكن أن يكون مستعملاً في مطلق التمليك كما عرفته في المثال الثاني ، ولكن مع تقدير المضاف بأن يراد من الدار منفعتها ، فيلتزم بالتصرّف في كلا اللفظين بإرادة التمليك من البيع والمنفعة من الدار ، ليرجع قولك : بعتك الدار إلى سنة ـ مثلاً ـ إلى قولك : ملّكتك منفعة الدار إلى سنة ، ولا ضير فيه بعد مساعدة القرينة .

   وكيفما كان ، فينبغي عطف عنان الكلام إلى تحقيق حال الكبرى وأ نّه هل يصحّ استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر أو لا ؟ وقد بنى الماتن على الثاني ، ويظهر ذلك من كلمات غيره أيضاً .

   فنقول : إذا بنينا على تفسير الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ وكونه آلة لتحقّقه في وعاء الاعتبار كما عليه المشهور ، فلِما ذكروه حينئذ وجه ، بأن يقال : إنّ الآليّة لا تتّسع دائرتها لكلّ لفظ ولأيّ معنى ، بل هي موكولة إلى نظر العقلاء

ــ[17]ــ

والصدق العرفي ، فكلّ ما كان مصداقاً للآلة ومتّصفاً بكونه موجداً للمعنى في عرف العقلاء فهو مشمول لدليل الوفاء بالعقد وغيره من أدلّة النفوذ ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا دليل على صحّته ، ومجرّد جعل شخص لفظاً آلة لإيجاد المعنى لا يغني بعد أن لم يكن مشمولاً لدليل الإمضاء .

   ولكنّا أشرنا في جملة من الموارد ـ سيّما في المباحث الاُصوليّة عند التكلّم حول تحقيق مفهوم الخبر والإنشاء (1) ـ إلى فساد هذا المبنى بالرغم من اشتهاره وانتشاره ، وأ نّه لدى التفتيش والتحليل ليس لإيجاد المعنى باللفظ عند التصدّي للإنشاء عين ولا أثر .

   أمّا الاُمور التكوينيّة : فعدم كون اللفظ من أسباب وجودها وعلل تحقّقها واضح .

   وأمّا الاعتباريّة: فاعتبار الشخص ملكيّة شيء ـ مثلاً ـ ببيع أو شراء ونحوهما قائمٌ بنفسه ولو لم يكن أحد في العالم ما عدا حوّاء وآدم ـ مثلاً ـ وليس للّفظ أي سببيّة وعلّيّة في ذلك . وأمّا اعتبار العقلاء أو الشرع فهو أيضاً قائم بهما وأجنبي عن هذا الشخص ، غايته أ نّه يوجد ببيعه ـ مثلاً ـ موضوع الاعتبار من غير أن يكون اللفظ علّة لتحقّقه .

   فدعوى كون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ لا أساس لها من الصحّة بتاتاً .

   بل التحقيق مشاركة الإنشاء مع الإخبار في أنّ كلاًّ منهما مبرز لأمر نفساني، غايته أنّ المبرز في الثاني قصد الحكاية عن ثبوت شيء لشيء، أو عدم ثبوته ، الذي قد يطابق الواقع واُخرى لا ، وبهذا الاعتبار يتّصف بالصدق والكذب . وفي الأوّل اعتبار من الاعتبارات من الملكيّة أو الزوجيّة ، أو التمنّي أو الترجّي ، ونحو ذلك ممّا هو مقصور على اُفق النفس ومحدود بدائرتها ولا يتعدّى إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 85 ـ 89 .

ــ[18]ــ

الخارجيّات لكي يطابقها أو لا يطابقها ، ويصحّ تقسيمها إلى الصدق والكذب .

   وبعد أن تحقّق هذا الاعتبار يبرزه المعتبر باللفظ فيقول ـ مثلاً ـ : بعت، فليس اللفظ آلة ولا يكون موجداً لأيّ شيء ، وإنّما شأنه الإبراز فحسب .

   وعلى هذا، فكلّ لفظ اتّصف بكونه مبرزاً للمقصود بحسب الفهم العرفي صدق عليه ـ طبعاً ـ عنوان البيع أو الإجارة ونحوهما ، فتشمله إذن عمومات نفوذ العقد ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الإبراز على سبيل استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي ، بقرينة حاليّة أو مقاليّة ، وبلا فرق أيضاً في المجاز بين القريب أو البعيد الركيك ، والضابط : كلّ ما كان اللفظ ظاهراً فيه عرفاً ومصداقاً للإبراز ولم يكن معدوداً من الأغلاط ، سواء أكان الاستعمال بحسب الوضع الشخصي أم النوعي ، بناءً على ثبوته في المجازات .

   ومن هنا تعرف أ نّه لا يبعد صحّة كلا المثالين المذكورين في المتن .

   أمّا المثال الثاني : فظاهر ، لما عرفت من أن لفظ البيع حقيقة في تمليك العين ، فيجرّد عن هذه الخصوصية ويستعمل في مطلق التمليك القابل للإسناد إلى المنفعة، فيقول : بعتك منفعة الدار إلى أجل كذا، مريداً به تمليك منفعتها، ويكون قوله: إلى أجل كذا، قرينة عليه. فإنّ هذا النوع من الاستعمال لايعدّ من الأغلاط بالضرورة ، إذ الاستعمال الغلط هو الذي يستبشعه العرف ويستنكره ، ولا يكون اللفظ ظاهراً فيه حتى مجازاً ، نظير أن يقول : «أكلت الرمان» ، مريداً به بيعه .

   وعلى الجملة : فلا ضير في الاستعمال المزبور ، غايته أ نّه استعمال مجازي غير متعارف لا أ نّه غلط ، أو أنّ اللفظ غير ظاهر فيه ولو بمعونة القرينة .

   ومنه يظهر الحال في المثال الأوّل ، فإنّ الكلام هو الكلام ، إذ لم تستعمل كلمة البيع في الايجار حتى يقال : إنّه غلط ، مثل استعمال النكاح في مقام البيع ،




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net