الثالث:العوضان \ اشتراط المعلوميّة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1700


ــ[26]ــ

   الثالث : العوضان ، ويشترط فيها اُمور ((1)) :

   الأوّل : المعلوميّة ، وهي في كلّ شيء بحسبه بحيث لا يكون هناك غرر (1) ، فلو آجره داراً أو حماراً من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل ، وكذا لو جعل العوض شيئاً مجهولاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ  أعني : الموكّل  ـ ولا علاقة لها بالغلام لتعدّ نفوذاً لأمره .

   وبعبارة اُخرى : الصحيحة مسوقة سؤالاً وجواباً لبيان النفوذ بالإضافة إلى الصبي لا بالإضافة إلى شخص آخر . ومن الواضح أنّ هذه المعاملة باعـتبار توكيل المالك مضافة إليه ، فهو البائع حقيقةً ، وهذا واسطة في تحقّقه ، فلا يشمله قوله : متى يجوز أمره ، إذ ليس هذا من أمر الغلالم بعد أن لم يكن يلزم بشيء لا تكليفاً ولا وضعاً ، وإنّما هو من أمر شخص آخر هو البائع ، فكأنّ السائل بعد ما يرى أنّ بقيّة الناس يبيعون ويتّجرون يسأل عن أنّ الغلام متى يجوز له ذلك حتى يكون حاله كحالهم، ولم ينقدح في ذهنه السؤال عن معاملته في مال شخص آخر وكالةً عنه ، فهي منصرفة عن مثل ذلك البتّة، وقد عرفت جريان السيرة على ذلك في الكسبة فيقيمون أبناءهم المميّزين مقامهم لدى استئناس الرشد منهم، ويبعد جدّاً أن تكون السيرة مستحدثة، بل الظاهر اتّصالها بزمن المعصومين (عليهم السلام) .

   وعليه ، فالظاهر الصحّة هنا وإن لم يلتزم بها المشهور .

   (1) فلا تضرّ الجهالة إلاّ ما أدّت منها إلى الغرر ، ولا يعتبر الأزيد من ذلك ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعض هذه الشروط راجع إلى الصحّة وبعضها راجع إلى النفوذ فيتوقّف نفوذ العقد الفاقد للشرط على إجازة من له الإجازة .

ــ[27]ــ

ويختلف حسب اختلاف الموارد كما ذكره (قدس سره) ، فقد يكون ارتفاع الغرر بالكيل ، واُخرى بالوزن ، وثالثة بالعدّ ، ورابعة بالمشاهدة . هذا في الاُجرة . وأمّا المنفعة فبتحديدها بحسب الزمان ونحوه ، وفي العمل ببيان نوعه وهكذا .

   وكيفما كان ، فيستدلّ لهذا الشرط الذي عليه المشهور :

   تارةً :  بما ورد من نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر (1) .

   واُخرى : بالنبوي الذي رواه الصدوق من أ نّه (صلّى الله عليه وآله) نهى عن الغرر(2) .

   أمّا الثانية : فلم توجد لا في كتبنا ولا في كتب العامّة ، وقد تتبّعنا وفحصنا عنها في مظانّها فلم نعثر عليها ، فلا أساس لهذه المرسلة التي تفرّد بنقلها الصدوق ، ومعه لا يحتمل استناد المشهور إليها ليدّعى الانجبار .

   وأمّا الاُولى : فهي وإن رويت بعدّة طرق وقد رواها الصدوق بأسانيد متعدّدة، إلاّ أ نّها بأجمعها ضعاف ، غير أ نّها منجبرة بعمل المشهور ـ لو سلّمنا كبرى الانجبار ـ فيمكن القول بذلك في البيع خاصّة ، إلاّ أن يدّعى القطع بعدم الفرق .

   هذا ، ولا يبعد أن يقال : إنّ أساس المعاملات العقلائيّة من البيع والإجارة ونحوهما مبني على التحفّظ على اُصول الأموال والتبدّل في أنواعها ، فلدى التصدّي لتبديل عين أو منفعة بعوض يرون التساوي بين ماليّة العوضين كشرط أساسي مرتكز قد بنى عليه العقد بمثابة يغني وضوحه عن التصريح به في متنه . وعلى هذا الشرط الارتكازي يبتني خيار الغبن كما هو موضح في محلّه .

   وعليه ، فالمعاملة على المجهول المتضمّنة للغرر ، كبيع جسم أصفر مردّد بين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 2 : 144 .

(2) الوسائل 17 : 358 / أبواب عقد البيع وشروطه ب12 ح13، معاني الأخبار : 278 .

ــ[28]ــ

الذهب وغيره، أو جعله اُجرة، خارج عن حدود المعاملات الدارجة بين العقلاء ، وما هذا شأنه لا يكون مشمولاً لدليل النفوذ والإمضاء من وجوب الوفاء بالعقود وحلّيّة البيع ونحو ذلك ، فإنّ دعوى انصراف هذه الأدلّة عن مثل ذلك غير بعيدة كما لا يخفى .

   وكيفما كان، فإن تمّت هذه الدعوى ـ والظاهر أ نّها تامّة ـ عمّ مناطها الإجارة ، إذ لا فرق بينها وبين البيع إلاّ في كون أحد طرفي المعاوضة فيها هي المنفعة وقد تكون كليهما، وهذا لايستوجب فرقاً من الجهة المزبورة بالضرورة ، وإلاّ فيكفينا الاتّفاق والتسالم على اعتبار هذا الشرط في الإجارة والبيع معاً ، المعتضد بما ورد في البيع من اعتبار الكيل والوزن بعد وضوح أ نّه لا خصوصيّة لهما وإنّما اعتبرا بمناط رفع الجهالة والضرر .

   ويمكن الاستدلال على ذلك في خصوص الإجارة بما رواه الشيخ بإسناده عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبّلها، فأيّ وجوه القبالة أحل؟ «قال : يتقبّل الأرض من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسمّاة فيعمّر ويؤدّي الخراج» إلخ (1) .

   فإنّ قوله : «بشيء معلوم» قرينة على إرادة الإجارة من القبالة ، دون المزارعة ، إذ لا معلوميّة فيها ، وإنّما يكون تقبّل الأرض فيها بإزاء الكسر المشاع من النماء ، وقد دلّت على اعتبار معلوميّة المدّة كمعلوميّة الاُجرة ، فهي واضحة الدلالة على اعتبار العلم بهما في صحّة الاجارة .

   وإنّما الكلام في السند، والظاهر أ نّه معتبر، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا الراوي الأخير ـ أعني: أبا الربيع الشامي ـ حيث إنّه لم يوثّق في كتب الرجال ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 60 / كتاب المزارعة ب 18 ح 5 ، التهذيب 7 : 201 / 887 .

ــ[29]ــ

إلاّ أ نّه مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة كلّ من وقع في هذا السند .

   نعم ، المذكور فيه أبو الربيع من غير تقييد بالشامي ، ولأجله قد يحتمل أنّ المراد به شخص آخر .

   ولكنّه يندفع بأ نّه لم يذكر في شيء من الروايات الواردة في الكتب الأربعة من يكون معروفاً بهذه الكنية ما عدا الشامي المزبور الذي هو معروف مشهور له روايات كثيرة ، وله كتاب ذكره النجاشي (1) وغيره ، ولم يوجد مكنّى بهذه الكنية غيره إلاّ في رواية واحدة أوردها في الكافي بعنوان أبي الربيع القزّاز (2) ، فإن كان هو هذا الشخص فلا كلام ، وإلاّ فهو رجل مجهول غير معروف ، ولا شكّ أنّ اللفظ ينصرف عند الإطلاق إلى المعروف الذي له كتاب وروايات كثيرة .

   وممّا يؤكّد ذلك ويدلّ عليه : أنّ الصدوق حينما يذكر طريقه إليه في المشيخة بعنوان أبي الربيع الشامي (3) ـ وهو طريق صحيح ـ تراه قد أطلقه في الفقيه ولم يقيّده بالشامي ، فقد روى عنه في موارد ومنها مواضع ثلاثة متتالية من كتاب الإجارة (4) ولم يقيّده به . وهذا دليل قاطع على الانصراف الذي ذكرناه .

   ثمّ إنّ الصدوق رواها بطريق آخر صحيح عن خالد بن جرير عن أبي عبدالله (عليه السلام) بلا واسطة (5) ، وعليه تكون الرواية صحيحة بلا إشكال ، لكنّها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 455 / 1233 .

(2) الكافي 1 : 340 / 4 .

(3) الفقيه 4 : 98 .

(4) لاحظ الفقيه 3 : 156 ، 157 / 687 ـ 689 .

(5) الفقيه 3 : 156 / 687 .

ــ[30]ــ

لم تثبت ، فإنّ طريق الصدوق يشترك مع طريق الشيخ في روايتهما عن ابن محبوب عن خالد بن جرير ، وإنّما يفترقان في أنّ الشيخ ذكر السائل الذي هو الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام) ، والصدوق لم يذكره ، بل اقتصر على قوله : سُئل . ولا يحتمل أنّ ابن جرير سمع الجواب عن الإمام مرّة بلا وساطة ابن أبي الربيع واُخرى بواسطته ونقله بالنحوين لابن محبوب فهو موجود في سند الحديث لا محالة ، ولا أقلّ من الاحتمال المسقط لها عن درجة الاعتبار وصلاحيّة الاستدلال لولا ثبوت وثاقة أبي الربيع الشامي .

   وكيفما كان ، فالمسألة ممّا لا إشكال فيها .

   نعم ، إنّ المقدار الثابت من هذه الرواية المعتبرة وممّا عرفت من الاتّفاق والتسالم هو ما ذكره في المتن من اعتبار المعلوميّة بمقدار يرتفع به الغرر الذي قد يتوقّف على الكيل أو الوزن أو العدّ ، سـيّما في مثل الذهب المبني أمره على التدقيق ، واُخرى يكتفى بمجرّد المشاهدة حسب اختلاف الموارد ، فلا دليل على اعتبار المعلوميّة بعد اندفاع الغرر بشيء من ذلك وإن كان مقتضى الجمود على ظاهر المعتبرة هو ذلك كما لا يخفى .

   ثمّ إنّ هناك جملة من الروايات قد يستفاد منها جواز الإجارة مع الجهالة ، وهي ما وردت في قبالة الأرض بخراجها الذي ربّما يزيد وربّما ينقص ، حيث حكم (عليه السلام) بالجواز الكاشف عن عدم اعتبار معلوميّة الاُجرة .

   ويندفع بأ نّها على طائفتين :

   إحداهما : ما وردت في تقبيل الأرض بإزاء شيء معيّن كمائتي درهم في السنة مشروطاً بأداء الخراج ، كصحـيحة داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم وربّما زاد وربّما نقص ، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة

ــ[31]ــ

«قال : لا بأس» (1) .

   وهذه ـ كما ترى ـ لا دلالة فيها على ما ذكر بوجه ، لوضوح أنّ جعل الخراج على المستأجر إنّما هو من باب الشرط ، وأمّا الاُجرة فهي المبلغ المعيّن ـ  أعني : مائتي درهم  ـ ولا ضير في زيادة هذا الشرط ـ أي الخراج ـ ونقيصته أحياناً بعد أن كانت له كمّيّة متعارفة مضبوطة غالباً . وهذا نظير إجارة الدار باُجرة معيّنة مشروطاً بأن تكون الضريبة التي لها حدّ متعارف على المستأجر وإن كانت قد تزيد عليه بشيء وقد تنقص ، فإنّ هذه الجهالة غير العائدة إلى الاُجرة غير قادحة في شيء من الموردين كما لا يخفى .

   الثانية :  ما ورد في التقبيل لا بعنوان الإيجار ، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بردة بن رجاء ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون : كلها وأدِّ خراجها «قال : لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها» (2) .

   وعدم الدلالة في هذه أوضح ، فإنّها خارجة عن محلّ الكلام ، لعدم افتراض الإجارة بتاتاً ، وإنّما هي إباحة مشروطة بأداء الخراج ، كما يكشف عنه تذييل نفي البأس بقوله : «إذا شاءوا» إلخ ، الذي هو بمثابة التعليل ، إيعازاً إلى أ نّها إباحة جائزة لا إجارة لازمة فلا تقدح الجهالة .

   وهناك رواية اُخرى رواها الكليني ، وكذا الكشّي في رجاله ، عن الفيض بن المختار ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلت فداك ، ما تقول في أرض أتقبّلها من السلطان ثمّ اُؤاجرها اُكرتي على أنّ ما أخرج الله منها من شيء كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 57 / كتاب المزارعة ب 17 ح 1 .

(2) الوسائل 19 : 58 / كتاب المزارعة ب 17 ح 3 ، التهذيب 7 : 209 / 918 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net