حكم إجارة السفيه نفسه - احتياج السفيهة إلى إجازة الولي في تزويج نفسها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1770


ــ[51]ــ

وأمّا السفيه فهل هو كذلك (1) ـ أي تصحّ إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجوراً عن إجارة داره مثلاً ـ أو لا ؟ وجهان ((1)) : من كونه من التصرّف المالي وهو محجور ، ومن أ نّه ليس تصرّفاً في ماله الموجود ، بل هو تحصيل للمال، ولا تعدّ منافعه من أمواله خصوصاً إذا لم يكن كسوباً ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وثانياً : أ نّها أجنبيّة عن التفليس الذي هو محلّ الكلام ، إذ لم يذكر فيها الحكم بالحجر ، بل قد فرض أ نّه لا مال له ، فلتحمل ـ بعد وضوح وجوب إنظار المعسر ـ على مدين يتمكّن من الاكتساب بإجارة نفسه وهو مناسب لشأنه ويطالبه الدائن ، فإنّه يجب عليه وقتئذ إجارة نفسه تمهيداً لأداء دينه ، ولو امتنع أجبره الحاكم ، فالحكم مطابق للقاعدة . وأين هذا من المفلس الذي حكم على أمواله بالحجر ، وأ نّه يمنع من التصرّف في الأعمال كما هو ممنوع عن الأموال ؟! فإنّ الرواية أجنبيّة عن ذلك بالكلّيّة .

   إذن فما ذكره الماتن وغيره من الفقهاء من اختصاص حجر المفلس بالأموال وعدم السراية إلى الأعمال هو الصحيح ، فلو آجر نفسه صحّت إجارته وإن كان في استقلاله في التصرّف في الاُجرة أو كونه منوطاً بإجازة الغرماء بحثٌ موكول إلى محلّه ، لخروجه عمّا نحن بصدده حسبما عرفت .

   (1) لا خلاف كما لا إشكال في محجوريّة السفيه بالنسبة إلى تصرّفاته الماليّة كما يقتضيه قوله تعالى : (فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيهِم أَموَالَهُمْ) (2) ، وكذا جملة من الروايات .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد أن يكون الوجه الأوّل هو الأوجه .

(2) النساء 4 : 6 .

ــ[52]ــ

   وهل الحال كذلك بالنسبة إلى أعماله فليس له أن يؤجّر نفسه بغير إذن الولي حتى مع دفع الاُجرة إلى وليّه ، أو أنّ الإجارة صحيحة ولا يعمّ الحجر عمله وإن لزم دفع المال إلى وليّه ؟

   ذكر الماتن (قدس سره) أنّ فيه وجهين ولم يرجّح أحدهما على الآخر ، والأظهر هو الأوّل ، فهو محجور عن الأعمال كالأموال على خلاف ما عرفته في المفلس ، نظراً إلى أنّ العمل وإن لم يصدق عليه أ نّه مالٌ له في شيء من الموردين حسبما بيّناه إلاّ أنّ الفرق أنّ المنع من التصرّف في المفلس لم ينشأ عن قصور في الفاعل وإنّما استند إلى حكم الحاكم عليه بالتفليس رعايةً لحقّ الغرماء ، الذي عرفت اختصاص تعلّقه بالأموال وعدم السراية إلى الأعمال .

   وأمّا السفيه فمحجوريّته نشأت عن قصور في ذاته من أجل سفاهته وخفّة عقله وضعف إدراكه ، الموجب لتلف المال وتبذيره وصرفه في غير محلّه جهلاً منه بالمصلحة والمفسدة ، فربّما يبيع ما يسوي خمسين بدرهم واحد ، وهذه العلّة ـ كما ترى ـ تشترك فيها الأموال والأعمال ، إذ كما يبيع ماله على النحو الذي ذكر كذلك ربّما يؤجّر نفسه بإزاء درهم لعمل اُجرة مثله خمسون درهماً ، فلا فرق بين المال والعمل في العلّة المقتضية للحجر ، وكما أنّ حفظ مصالحه في أمواله أمواله يستدعي نصب الولي فكذا في أعماله بمناط واحد .

   وتدلّنا عليه ـ مضافاً إلى العلم بملاك جعل الولاية عليه في الأموال وجريانه في الأعمال حسبما عرفت ـ جملة من الروايات الظاهرة بمقتضى الإطلاق في عدم الفرق في المحجوريّة بين ماله وعمله :

   منها: معتبرة أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سأله أبي ـ وأنا حاضر ـ عن اليتيم متى يجوز أمره ـ إلى أن قال : ـ «إذا بلغ وكتب عليه الشيء (ونبت عليه الشعر) جاز عليه

ــ[53]ــ

ومن هنا يظهر النظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها (1) بدعوى أنّ منفعة البضع مال ، فإنّه أيضاً محلّ إشكال ((1)) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (2) .

   وقد تقدّم في ص 22 أنّ المراد بالخادم هو آدم بن المتوكّل الذي هو ثقة وليس بمجهول . وقد دلّت بوضوح على أنّ البالغ إذا كان سفيهاً لا يجوز أمره ، الشامل بمقتضى الإطلاق الأمر المتعلّق بالأموال والأعمال ، فإنّ كلاًّ منهما يعدّ أمراً له .

   ومنها : معتبرة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سأله أبي ـ وأنا حاضر ـ عن قول الله عزّ وجلّ: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) «قال : الاحتلام» قال : فقال : يحتلم في ستّ عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها «فقال : لا ، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيِّئات ، وجاز أمره ، إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» إلخ(3) .

   فإنّ جواز الأمر مطلق يشمل المال والعمل كما مرّ . ونحوهما غيرهما .

   (1) ينبغي (4) أنّ يعدّ هذا من غرائب ما صدر منه (قدس سره) مع تضلّعه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا وجه للإشكال بعد ورود النصّ على عدم الجواز .

(2) الوسائل 18 : 412 / كتاب الحجر ب 2 ح 5 .

(3) الوسائل 19 : 363 / كتاب الوصايا ب 44 ح 8 ، والآية من الأحقاف 46 : 15 .

(4) لا يبعد أن يكون إشكال الماتن في الدليل الذي ذكره ذلك البعض من كون منفعة البضع مالاً لا في المدّعى ، كيف ؟! وقد أفتى هو (قدس سره) بنفسه بحجر السفيه عن النكاح وتوقّفه على إجازة الولي في مسألة 14 من فصل العقد وأحكامه من كتاب النكاح ، فلاحظ .

ــ[54]ــ

وكثرة اطّـلاعه على الروايات ، إذ لو فرضنا أنّ القاعدة اقتضت اختصاص محجوريّة السفيه بأمواله فقط دون أعماله وبنينا ـ مثلاً ـ على صحّة إجارته نفسه ، إلاّ أنّ خصوص النكاح مستثنى من تلك الأعمال وخارج عن مقتضى القاعدة ، من أجل ورود النصّ الخاصّ فيه ، وهو روايتان :

   إحداهما : صحيحة الفضلاء ـ لصحّة طريق الصدوق إلى بعض هؤلاء ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : المرأة التي قد ملّكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير وليّ
جائز»(1).

   حيث تضمّنت تقييد المرأة التي ملّكت نفسها بكونها غير سفيهة .

   وقد ذكرنا في بحث الاُصول(2) : أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ـ أعني : الانتفاء عند الانتفاء كما في مفهوم الشرط ـ لكن لا مناص من الإذعان بدلالته على عدم اشتراك الفاقد للقيد مع الواجد في الحكم المترتّب عليه ، بحيث يكون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما ، وإلاّ لأصبح ذكر القيد لغواً محضاً ، فلو كانت السفيهة مشاركة مع غيرها في استقلالها في التزويج لكان التقييد بغير السفيهة في الصحيحة من اللغو الظاهر . فلا جرم يستفاد منها اختصاص الحكم بغير السفيهة ، أمّا هي فتحتاج في نكاحها إلى إجازة الولي .

   ثانيتهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إسماعيل الميثمي ، عن فضالة ابن أيّوب ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت فإنّ أمرها جائز ، تزوّج إن شاءت بغير إذن وليّها ، وإن لم تكن كذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 20 : 267 /  أبواب عقد النكاح ب 3 ح 1 .

(2) محاضرات في أصول الفقه  5 : 129 ـ 133 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net