لو استأجر دابّة للحمل عليها - حكم ما لو قال : آجرتك كل شهر بدرهم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1870


ــ[65]ــ

   [ 3263 ] مسألة 6 : إذا استأجر دابّة للحمل عليها لا بدّ من تعيين ما يحمل عليها بحسب الجنس (1) إن كان يختلف الأغراض باختلافه ، وبحسب الوزن ولو بالمشاهدة والتخمين إن ارتفع به الغرر ، وكذا بالنسبة إلى الركوب لا بدّ من مشاهدة الراكب أو وصفه ، كما لا بدّ من مشاهدة الدابّة أو وصفها حتى الذكوريّة والاُنوثيّة إن اختلفت الأغراض بحسبهما . والحاصل : أ نّه يعتبر تعيين الحمل والمحمول عليه والراكب والمركوب عليه من كلّ جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها .

   [ 3264 ] مسألة 7 : إذا استأجر الدابّة لحرث جريب معلوم فلا بدّ من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر .

   [ 3265 ] مسألة 8 : إذا استأجر دابّة للسفر مسافةً ، لا بدّ من بيان زمان السير من ليل أو نهار ، إلاّ إذا كان هناك عادة متّبعة .

   [ 3266 ] مسألة 9 : إذا كانت الاُجرة ممّا يكال أو يوزن لا بدّ من تعيين كيلها أو وزنها ولاتكفي المشاهدة ، وإن كانت ممّا يعدّ لا بدّ من تعيين عددها، وتكفي المشاهدة فيما يكون اعتباره بها .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة وما بعدها إلى المسألة العاشرة لعدّة فروع تتعلّق بمعرفة العوضين وتتفرّع على ما سبق من لزوم تعيّنها على وجه يرتفع الغرر والجهالة ، فلاحظها . ولا حاجة إلى التعرّض إلى كلّ منها بالخصوص فإنّ حكمها يظهر ممّا تقدّم .

ــ[66]ــ

   [ 3267 ] مسألة 10 : ما كان معلوميته بتقدير المدّة لا بدّ من تعيينها شهراً أو سنة أو نحو ذلك ، ولو قال : آجرتك إلى شهر أو شهرين ، بطل (1) . ولو قال آجرتك كلّ شهر بدرهم ـ مثلاً ـ (2) ففي صحّته مطلقاً أو بطلانه مطلقاً أو صحّته في شهر وبطلانه في الزيادة فإن سكن فاُجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول : آجرتك شهراً بدرهم ، فإن زدت فبحسابه بالبطلان في الأوّل والصحّة في شهر في الثاني ، أقوال أقواها : الثاني ((1)) ، وذلك لعدم تعيين المدّة الموجب لجهالة الاُجرة ، بل جهالة المنفعة أيضاً ، من غير فرق بين أنّ يعين المبدأ أو لا ، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة اُخرى ، إلاّ أن يقال : إنّه حينئذ ينصرف إلى المتّصل بالعقد . هذا إذا كان بعنوان الإجارة ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لجهالة المنفعة بعد فرض التردّد ولو كانت الاُجرة معلومة .

   (2) اختلفوا في حكم هذه الإجارة على أقوال أربعة :

   فنسب إلى جماعة ـ منهم الشيخ (2) ـ الصحّة مطلقاً .

   وإلى آخرين ـ منهم الماتن وصاحب الجواهر (3) ـ البطلان مطلقاً ، بل في الجواهر : لعلّه المشهور بين المتأخّرين .

   وفصّل المحقّق في الشرائع بين الشهر الأوّل فيصحّ دون ما زاد عليه (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد أن يكون أقواها الثالث ، ولا سيّما إذا كان الإنشاء بالتعبير الثاني .

(2) الخلاف 3 : 490 .

(3) الجواهر 27 : 234 ـ 235 .

(4) الشرائع 2 : 212 .

ــ[67]ــ

   وقيل بالتفصيل بين مثل هذا التعبير فيبطل مطلقاً ، وبين ما لو قال : آجرتك شهراً بدرهم فان زدت فبحسابه بالصحّة في الشهر الأوّل خاصّة .

   وقد استند القائل بالصحّة إلى أنّ المانع عنها إنّما هو الغرر . ولا غرر في مثل هذه الإجارة ، لأ نّه كلّما يسكن فهو يعطي بإزاء كلّ شهر درهماً ، فليس في البين أيّ مخاطرة لا بالنسبة إلى المؤجّر ولا المستأجر .

   كما أنّ القائل بالبطلان يستند إلى أنّ الجهالة بنفسها قادحة ولو من دون أيّ غرر ـ كما هو
الصحيح ـ (1) لاعتبار معلوميّة المنفعة كالاُجرة حسبما مرّ ، والعوضان مجهولان في المقام .

   وأمّا المفصّل فهو يرى حصول التعيين في الشهر الأوّل ، والجهالة في بقية الشهور إمّا مطلقاً أو في خصوص أحد التعبيرين المتقدّمين .

   وتفصيل الكلام في المقام :  أ نّه قد تفرض معلوميّة المدّة التي تقع فيها الإجارة ، ككون السكنى سنة واحدة ـ مثلاً ـ كلّ شهر بدرهم ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته ولم يستشكل فيه أحد ، بل هو خارج عن محلّ الكلام ، وإنّما ذكرناه استقصاءً للأقسام واستيفاءً للبحث ، إذ المنفعة عندئذ معلومة كالاُجرة ، لأ نّه في قوّة أن يقول : آجرتك سنة باثني عشر درهماً ، فهي إجارة واحدة في الحقيقة قد حلّلها ووزّعها إلى إجارات عديدة بحساب الشهور ، نظير بيع صبرة معيّنة خارجيّة معلومة الكمّيّة وأ نّها مائة مَنّ ـ مثلاً ـ كلّ مَنّ بدرهم ، الذي لا إشكال في صحّته ، لمعلوميّة العوضين من دون أيّ غرر أو جهالة في البين . وهذا واضح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومنه تعرف أ نّه لم يتّضح وجه اختيار الماتن البطلان هنا مطلقاً مع بنائه (قدس سره) فيما تقدّم من الشرط الأوّل من شرائط العوضين على اختصاص المنع بصورة الغرر .

ــ[68]ــ

   واُخرى : يفرض الجهل بالمدّة وعدم معلوميّة الأشهر ، وحينئذ :

   فتارةً :  تقع الإجارة على سبيل الاطلاق ، كما لو آجر الدار إلى آخر زمان يمكن الانتفاع بها كلّ شهر بدرهم ، أو العبد ما دام حيّاً كلّ يوم بدرهم ، بحيث كان زمان الإيجار هو تمام أزمنة بقاء العين صالحة للانتفاع بها على وجه الإطلاق والاستيعاب المعلوم عددها عند الله وإن كانت مجهولة عند المتعاملين .

   وها هنا حيث لا غرر بوجه وإنّما هناك مجرّد الجهالة المتعلّقة بالمنفعة ويتبعها بالاُجرة ، فإن كان المانع عن الصحّة منحصراً في الغرر كما ذهب إليه بعضهم لم يكن عندئذ وجه للبطلان ، وأمّا إذا بنينا على قادحيّة الجهالة بعنوانها وإن كانت عارية عن الغرر كما هو الأظهر استناداً إلى معتبرة أبي الربيع الشامي كما مرّ (1) فلا جرم يحكم ببطلان الإجارة لمكان الجهالة .

   كما أنّ هذا هو الحال في البيع بعينه فيما لو باع الصبرة المجهولة الكمّيّة كلّ مَنّ بدرهم ، فإنّه ليس في البين ما عدا مجرّد الجهالة من دون أيّ غرر ، فإن كانت الجهالة بعنوانها قادحة بطل البيع ، وإلاّ وقع صحيحاً .

   واُخرى :  تقع على سبيل الإهمال ، فلا تعيين كما في الصورة الاُولى ، ولا إطلاق كما في الصورة الثانية .

   وغير خفي أنّ هذا بالنسبة إلى الملتفت إلى الزمان مجرّد فرض محض يمتنع وقوعه خارجاً حتى يحكم بصحّته أو بفساده ، لما ذكرناه في الاُصول (2) من أنّ الإهمال في الواقعيّات أمر غير معقول ، فإنّ الملتفت إلى خصوصيّة ما وإلى انقسام الطبيعة بلحاظها إلى قسمين إذا أراد إنشاء حكم وضعي أو تكليفي فإمّا أن يلاحظ الدخل فمقيّد أو عدمه فمطلق ، ولا يمكن الخلوّ عن هذين في مقام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 28 .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 177 .

ــ[69]ــ

الثبوت بحيث لا يلاحظ الدخل ولا عدمه ، فإنّه من ارتفاع النقيضين . نعم ، في مقام الإثبات يمكن أن لا يذكر شيء من الخصوصيّتين .

   وأمّا بالنسبة إلى غير الملتفت الغافل عن لحاظ خصوصيّة الزمان في مقام الإيجار ، فالإهمال منه وإن كان أمراً ممكناً إلاّ أنّ ما أنشأه لم يكن له أيّ وجود خارجي على صفة الإهمال حتى في علم الله سبحانه ، ضرورة أنّ الطبيعة الموجودة إمّا أن توجد مطلقة أو مقيّدة بحصّة خاصّة ، وأمّا الجامع بين المطلق والمقيّد المعبّر عنه باللا بشرط المقسمي فليس له أيّ تقرّر وتعيّن واقعي ، فكيف يمكن أن يكون ملكاً للمستأجر ؟! فلا جرم يحكم ببطلان مثل هذه الإجارة .

   إذن فيفرّق بين هذه الأقسام ، ففي القسم الأوّل يحكم بالصحّة بلا كلام ، وفي الثاني يبتني على أنّ المانع خصوص الغرر أو مطلق الجهالة ، وفي الثالث يحكم بالبطلان من جهة الإهمال وانتفاء التعيّن الواقعي .

   هذا كلّه فيما إذا لوحظ التحديد بالقياس إلى الزمان .

   وأمّا إذا لوحظ بالنسبة إلى الزماني ، كما لو حدّدت المنفعة في عقد الإجارة بمقدار السكونة فآجره كلّ شهر بدرهم ما دام يسكن الدار خارجاً ، فحينئذ :

   قد يفرض التفاته إلى أنّ هذه السكنى محدودة بحدّ خاصّ وزمان معلوم ومعيّن واقعاً ، فيؤجّر المنفعة المعلومة كمّيّتها عند الله والمعيّنة في صقع الواقع وإن كانت مجهولة عندهما ، وحكمه الصحّة أيضاً إن كان المانع الغرر فقط ، لانتفائه ، والبطلان إن كانت الجهالة بنفسها مانعة .

   واُخرى : لا يلتفتان إلى ذلك بوجه ، بل ينشئان عقد الإيجار على المنفعة على تقدير السكنى خارجاً كما هو الظاهر من مثل جملة : آجرتك كلّ شهر بدرهم . أي إذا سكنت هذه الدار أيّ مقدار من الشهور فقد آجرتكها كلّ شهر بكذا ، بحيث يكون الإيجار بمقدار السكنى ولا إجارة بدونها .

ــ[70]ــ

   وهذا حكمه البطلان ، لمكان التعليق ـ مضافاً إلى الجهالة ـ إذ قد أناط الإجارة وعلّقها على السكونة الخارجيّة حسب الفرض ، والتعليق في العقود موجب للبطلان اجماعاً .

   وقد اتّضح من جميع ما تقدّم بطلان الإجارة بالنسبة إلى ما عدا الشهر الأوّل ، إمّا للجهالة أو للتعليق ، أو لعدم التعيّن الواقعي .

   وأمّا بالنسبة إلى الشهر الأوّل فيقع الكلام :

   تارةً :  فيما إذا تعدّد الإنشاء وإن كان أحدهما متّصلاً بالآخر ، كما إذا قال : آجرتك في الشهر الأوّل بدرهم وبعده بحسابه ، بحيث انحلّ في الحقيقة إلى إجارتين .

   واُخرى :  فيما إذا لم يكن في البين ما عدا إنشاء واحد ، كما لو قال : آجرتك كل شهر بدرهم .

   أمّا في الصورة الاُولى : فلا ينبغي الشكّ في الصحّة في الشهر الأوّل ، ضرورة أنّ البطلان في البقيّة لأجل الجهالة أو الغرر أو التعليق لا يكاد يسري إلى الأوّل بعد أن اُنشئا بإنشاءين وكانت إحدى الإجارتين منعزلة عن الاُخرى . فالبطلان في إحداهما لا يستوجب البطلان في الاُخرى بعد سلامتها عن سببه وموجبه ، كما هو الحال في البيع ، مثل ما لو قال : بعتك هذه الشاة بدينار ومثلها هذا الخنزير ، فإنّ بطـلان البيع الثاني لا يستوجب بطلان الأوّل بوجه وإن كان أحدهما مقروناً بالآخر ومنضمّاً به كما هو واضح جدّاً .

   وعليه ، فلا ينبغي التأمّل في أنّ مثل قوله : آجرتك شهراً بدرهم فإن زدت فبحسابه ، المنحلّ إلى إجارتين بإنشاءين وإن كانتا منضمّـتين ، يحكم بصحّة الاُولى ، أي في الشهر الأوّل ، والبطلان في البقيّة ، للجهالة مضافاً إلى التعليق .

   وأمّا في الصورة الثانية :  فقد يقال بالبطلان حتى في الشهر الأوّل ، نظراً إلى

ــ[71]ــ

أنّ الإنشاء الواحد لا يتبّعض من حيث الصحّة والفساد ، وبما أنّ الإجارة في بقيّة الشهور باطلة ولا أقلّ من جهة الجهالة فكذا في الشهر الأوّل ،

   ويندفع :  بأنّ الإنشاء وإن كان واحداً إلاّ أنّ المنشأ متعدّد ، ولا تنافي بين وحدة الإبراز وتعـدّد المبرز ، ومن المعلوم أنّ العبرة بنفس المبرز لا بكيفيّة الإبراز ومرحلة الإثبات . فلا ضير إذن في التفكيك بعد البناء على الانحلال في أمثال المقام ، وكم له من نظير ، كبيع ما يملك وما لا يملك ـ كالشاة والخنزير ـ أو ما يملكه وما لا يملكه صفقة واحدة المحكوم بصحّة أحد البيعين بعد الانحلال ، غايته ثبوت الخيار للمشتري ، وكطلاق زوجتين بطلاق واحد ، فإنّه يحكم بصحّة أحدهما فيما لو كانت الاُخرى فاقدة للشرائط ، وهكذا .

   وعلى الجملة :  فالتفكيك والتبعيض موافق للموازين ، ومطابق لمقتضى القاعدة ، بعد أن كانت العبرة بمقام الثبوت وتعدّد الاعتبار لا بمقام الإثبات . فلا مانع إذن من التفصيل والحكم بصحّة الإجارة في الشهر الأوّل ، لتماميّة أركانها فيه ، وفسادها في البقيّة ، لخلل فيها من الجهالة أو التعليق حسبما عرفت .

   ومن جميع ما ذكرناه يظهر لك أنّ الأظهر ما اختاره المحقّق في الشرائع من التفصيل المزبور من غير فرق بين التعبيرين المتقدّمين ، وإن كان الأمر في مثل التعبير الثاني أظهر من أجل وضوح الانحلال بعد تعدّد الإنشاء كالمنشأ .

   هذا كلّه فيما إذا كان المقصود من ذينك التعبيرين الإجارة مطلقاً كما هو المفروض .

   وأمّا إذا قصد الإجارة في الشهر الأوّل خاصّة ، والاشتراط في بقيّة الشهور بأن يشترط على المستأجر أ نّه إن سكن الدار زائداً على شهر واحد يدفع اُجرة الزائد على غرار الشهر الأوّل من دون أن يكون تمليك فعلي للمنفعة بالإضافة إلى بقيّة الشهور ، كما لا يبعد أن يكون هذا هو الظاهر من ثاني التعبيرين ، أعني




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net