حكم إتلاف المؤجّر أو الأجنبي للعين المستأجرة - هل العذر العام بمنزلة التلف ؟ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2162


ــ[191]ــ

وإتلاف المؤجّر (1) موجب للتخيير بين ضمانه والفسخ ، وإتلاف الأجنبي (2) موجب لضمانه ((1))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالتلف السماوي الكاشف عن عدم وجود المنفعة بعد كونها تابعة لوجود العين ، إذ بعد أن كان هو السبب في التلف فكأ نّه استوفاها بفعله الاختياري . ومراجعة العرف والعقلاء بعد إمعان النظر أقوى شاهد على صدق هذه التفرقة كما لايخفى ، فإنّهم لا يرون المؤجّر مالكاً للمنفعة من الأوّل في التلف دون الإتلاف ، ومن ثمّ يكون المستأجر ضامناً للعين مسلوبة المنفعة ، إذ المنفعة قد تملّكها بالعقد وقد أتلف بفعله الاختياري ملك نفسه ، كما أتلف ملك الغير ـ أعني : ذات العين ـ فيكون ضامناً للمؤجّر قيمة العين مسلوبة المنفعة ، كما يضمن له الاُجرة المسمّاة الواقعة بإزاء تلك المنفعة .

   (1) وإن كان الثاني تخيّر المستأجر بين الفسخ والرجوع إلى الاُجرة المسمّاة وبين الإمضاء ومطالبة بدل المنفعة الفائتة ، ويظهر وجهه ممّا مرّ ، حيث إنّ إتلاف المؤجّر العين التي هي ملك له والمنفعة التي هي ملك المستأجر لا يلحق عند العقلاء بالتلف السماوي ، بل يرونه قد أتلف مال نفسه ومال غيره .

   إذن فللمستأجر أن يفسخ ، نظراً إلى أنّ تسليم العين وإبقاءها عند المستأجر شرطٌ ارتكازي في ضمن العقد وقد تخلّف بالإتلاف المزبور فيستتبع الخيار لا محالة ، كما أنّ له المطالبة ببدل المنفعة التي ملكها بالعقد ، إذ قد أتلفها المؤجّر ، والإتلاف موجب للضمان ، وربّما تختلف قيمته عن الاُجرة المسمّاة .

   (2) وإن كان الثالث فقد حكم في المتن بضمان الأجنبي للمنفعة من دون أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكنّه إذا كان قبل القبض جاز للمستأجر الفسخ ، هذا بالإضافة إلى العين المستأجرة ، وأمّا بالإضافة إلى إتلاف محلّ العمل فالظاهر هو البطلان .

ــ[192]ــ

يكون في البين أيّ موجب للخيار بعد عدم استناد الإتلاف إلى المؤجّر .

   ولكن هذا إنّما يستقيم في الإجارة الواقعة على الأعيان ، وفيما إذا كان الإتلاف حاصلاً بعد القبض، حيث إنّ الإتلاف حينئذ لا يستوجب الخيار قطعاً ، ضرورة وفاء المؤجّر بما كان ملتزماً به من التسليم وخروجه عن مسؤوليّته ، وإتلاف الأجنبي بعدئذ خارج عن عهدته ولا يرتبط به بوجه ، فلم يكن ثمّة أيّ موجب للخيار ، وإنّما الأجنبي ضامن لبدل العين للمؤجّر ولبدل المنفعة للمستأجر .

   وأمّا إذا كان الإتلاف المزبور قبل القبض فلا ينحصر الأمر حينئذ بالضمان ، بل يجري هنا أيضاً التخيير بينه وبين الفسخ كما في الصورة السابقة .

   والوجه فيه ظاهر، أمّا الضمان فلما عرفت ، وأمّا الفسخ فلأجل عدم تحقّق التسليم المشروط به العقد ولو كان تعذّره من أجل اتلاف الأجنبي ، إذ بالآخرة لم يتحقّق التسليم المزبور ، وقد عرفت أنّ تخلّفه موجب للخيار .

   وعلى الجملة : فالحكم هنا بخصوص الضمان على ما يقتضيه إطلاق عبارة المتن غير ظاهر ، بل يجري فيه التخيير المزبور .

   نعم ، إنّ الأجنبي ضامن لكلّ من العين والمنفعة على أيّ تقدير ، سواء أكان إتلافه قبل القبض أم بعده ، إلاّ أ نّه فيما بعد القبض وكذا ما قبله إذا لم يقع الفسخ يضمن العين مسلوبة المنفعة للمؤجّر والمنفعة للمستأجر ، وأمّا مع الفسخ فيضمن لخصوص المؤجّر العين ذات المنفعة .

   وكيفما كان ، فمحلّ الكلام ما إذا وقعت الإجارة على العين الشخصيّة .

   وأمّا في الأعيان الكلّيّة فلو هيّأ المؤجّر فرداً ليدفعه وفاءً عن الكلّي فأتلفه الأجنبي قبل الإقباض ، فبما أنّ التلف لم يقع حينئذ على ما تعلّقت به الإجارة فللمستأجر المطالبة بفرد آخر ، وهو خارج عن محلّ الكلام كما هو واضح .

ــ[193]ــ

والعذر العامّ بمنزلة التلف (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   هذا كلّه في الإجارة الواقعة على الأعيان .

   أمّا الواقعة على الأعمال ، كما لو أعطاه ثوباً ليخيطه فأتلفه الأجنبي قبل أن يخيطه ، فلا مقتضي عندئذ للضمان وإن كان مقتضى إطلاق عبارة المتن ثبوته في هذه الصورة أيضاً ، وذلك لعدم صدق أيّ إتلاف بالإضافة إلى العمل ، غايته أنّ الأجنبي بإتلاف العين أعدم موضوع العمل وجعله متعذّر الحصول خارجاً ، لا أ نّه أتلف نفس العمل ليضمنه ، ضرورة عدم كونه من منافع العين ليكون قد أتلفه بإتلاف العين ، وإنّما هو من منافع الأجير وهو الخيّاط .

   وعليه ، فإذا تلف محلّ العمل كشف لا محالة عن أنّ الأجير لم يكن متمكّناً في علم الله من تسليمه باعتبار لزوم وقوعه في هذا الثوب المعيّن والخياطة فيه متعذّرة حسب الفرض ، فلم يكن الأجير مالكاً لهذه المنفعة ليملّكها للغير ، فطبعاً يحكم ببطلان الإجارة كما في التلف السماوي الوارد على العين المستأجرة بمناط واحد .

   إذن فالظاهر انفساخ الإجارة في هذه الصورة ، ويكون المتلف ضامناً لقيمة العين خالية عن العمل .

   والمتحصّل ممّا ذكرناه :  أنّ الأظهر هو التفصيل بين الإجارة الواقعة على الأعيان الشخصيّة فيضمن الأجنبي للمستأجر لو أتلف بعد القبض كما يتخيّر المستأجر لو كان الإتلاف قبله، وبين الواقعة على الأعمال فلا ضمان للعمل بإتلاف المحلّ وإن كان ظاهر المتن هو الضمان حسبما عرفت .

   (1) كما سبق ، حيث إنّ المنفعة بعد أن لم تكن قابلة للاستيفاء لأيّ أحد فلا تعدّ هي من منافع العين المملوكة للمؤجّر ليملّكها للمستأجر ، فتبطل الإجارة لا محالة كما في التلف السماوي .

ــ[194]ــ

وأمّا العذر الخاصّ بالمستأجر كما إذا استأجر دابّة لركوبه بنفسه فمرض ولم يقدر على المسافرة ((1)) أو رجلاً لقلع سنّه فزال ألمه أو نحو ذلك ففيه إشكال(1) ، ولا يبعد أن يقال : إنّه يوجب البطلان إذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصحّ معه العقد ((2)) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وقد تقدّم منه (قدس سره) في المسألة السابقة استظهار البطلان .

   وكيفما كان ، فقد عرفت أنّ حدوث المرض أو زوال الألم ونحوهما من الأعذار الخاصّة لا تستوجب البطلان ، ولا سيّما إذا كان عود الألم متوقّعاً كما هو الغالب في المبتلين بوجع الضرس .

   نعم، الكبرى التي ذكرها في المتن من إناطة البطلان بكلّ ما لو كان قبل العقد لأبطل وجيهة (3) ، لكنّها غير منطبقة على المورد ، لجواز الاستئجار لقلع الضرس وإن لم يكن الألم موجوداً من الأوّل ، وإنّما كان في مظانّ عروضه لحركة الضرس عن مقرّه ونحو ذلك ، إذ لا مانع من صحّة هذه الإجارة الناشئة عن داع من الدواعي بعد أن كان العمل في نفسه سائغاً ومحترماً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم أنّ الأظهر في أمثاله عدم البطلان .

(2) إنّ الأمر وإن كان كذلك إلاّ أن بطلان الإجارة على قلع الضرس والزائل عنه الألم لا يخلو عن إشكال بل منع كما مرّ .

(3) أورد عليها بعض أعلام العصر في تعليقته بالنقض بما لو كان مريضاً قبل العقد واستأجر الدابّة لركوبه بنفسه ، فإنّ الإجارة غير صحيحة ، لكونها سفهيّة . وهذا المعنى غير موجود في المرض المتأخّر .

     ويندفع بالالتزام بصحّة العقد في الفرض المزبور ، فإنّ الباطل إنّما هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهائيّة على ما حقّقه سيّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) في محلّه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net