لو تلفت العين أو أتلفها المؤجّر قبل العمل أو في الأثناء - المدار في ضمان القيميّات 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1644


ــ[234]ــ

   ولو تلفت أو أتلفها المؤجّر أو الأجنبي قبل العمل أو في الأثناء (1) بطلت الإجارة ((1)) ورجعت الاُجرة بتمامها أو بعضها إلى المستأجر ، بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضاً . نعم ، لو كانت الإجارة واقعة على منفعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نفسه ، فالشرط لا محالة ناظر إلى الفعل الخارجي ، أعني : التكميل لدى التسلّم .

   وإن شئت فقل: إنّ النقص وكذا النقصان مصدر فلا معنى لاشتراط كونه عليه ، فلا مناص من تقدير  فعل ، أي عليه جبر النقص وتكميله .

وعليه ، فيكون ناظراً إلى شرط الفعل لا إلى شرط النتيجة ليدلّ على الضمان ، وإلاّ لعبّر بقوله : عليه ما نقص ، بدلاً عن قوله : «عليه النقصان» ، على حذو قوله : «على اليد ما أخذت» ليدلّ على كون نفس المال في عهدته ويساوق الضمان .

   إذن فيكون نفوذ الشرط المزبور مطابقاً لمقتضى القاعدة ، فلا تكون الرواية منافية لما ذكرناه من عدم نفوذ شرط الضمان بالمعنى الذي هو محلّ الكلام . فالمسألتان إذن من واد واحد ، فيصحّ الشرط بمعنى ولا يصحّ بمعنى آخر من غير فرق بينهما بوجه .

   (1) حكم (قدس سره) بانفساخ الإجارة ورجوع الاُجرة كلاًّ أو بعضاً إلى المستأجر فيما إذا تلفت العين التي هي ملك للمستأجر قبل العمل أو في أثنائه ، بلا فرق بين ما إذا كان بآفة سماويّة ـ ومن ذلك إتلاف الحيوانات ـ وبين ما إذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرّ التفصيل بين التلف السماوي وغيره في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق ، وما ذكره (قدس سره) هنا يناقض ما تقدّم منه فيها ، وقد تقدّم أيضاً أنّ إتلاف المستأجر بمنزلة قبضه .

ــ[235]ــ

المؤجّر بأن يملك منفعته الخياطي في يوم كذا يكون إتلافه لمتعلّق العمل بمنزلة استيفائه ، لأ نّه بإتلافه إيّاه فوّت على نفسه المنفعة ، ففرقٌ بين أن يكون العمل في ذمّته ، أو أن يكون منفعته الكذائيّة للمستأجر ، ففي الصورة الاُولى التلف قبل العمل موجب للبطلان ورجوع الاُجرة إلى المستأجر وإن كان هو المتلف ، وفي الصورة الثانية إتلافه بمنزلة الاستيفاء ، وحيث إنّه مالك لمنفعة المؤجّر وقد فوّتها على نفسه فالاُجرة ثابتة عليه .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان بإتلاف المؤجّر أو الأجنبي بل المستأجر أيضاً .

   نعم ، فصّل (قدس سره) في إتلاف المستأجر بين أن تكون الإجارة على العمل في الذمّة ، وبين ما إذا كانت على المنفعة الخاصّة كمنفعة الخياطة في هذا اليوم فأتلف العين التي هي محلّ العمل ، فخصّ الانفساخ حينئذ بالأوّل دون الثاني ، نظراً إلى أنّ الإتلاف في الصورة الثانية يعدّ بمثابة الإستيفاء للخياطة التي وقعت الاُجرة بإزائها .

   أقول :  تقدّم البحث حول هذا الفرع في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق ، وتكلّمنا عنه ثمّة بنطاق واسع ، وما أفاده (قدس سره) في المقام مناقض صريحٌ لما ذكره هناك .

   فإنّه (قدس سره) أفاد في تلك المسألة أنّ التلف إذا كان سماويّاً أوجب الانفساخ ، لكشفه عن عدم القدرة المستوجب لعدم ملكيّة العمل أو المنفعة من الأوّل حتى يملك .

   وأمّا إذا كان بإتلاف المؤجّر فهذا موجب لضمانه ، ومعه يتخيّر المستأجر بين تضمينه والمطالبة بالقيمة وبين فسخ العقد ، باعتبار أ نّه هو الذي أتلف ما يملكه المستأجر وأعدمه .

ــ[236]ــ

   وإذا كان بإتلاف الأجنبي فهو موجب لضمانه أيضاً .

   وأمّا إذا كان المتلف هو المستأجر فإتلافه بمنزلة استيفاء العمل أو المنفعة وقبضهما ، حيث إنّه بنفسه قد أتلف مال نفسه ، فلا انفساخ إلاّ في صورة واحدة كما عرفت .

   وعليه ، فحكمه (قدس سره) في المقام بالانفساخ في جميع هاتيك الصور ما عدا صورة واحدة مناقضٌ صريح لما سبق منه .

   والصحيح ما أفاده (قدس سره) هناك كما باحثنا حوله مشبعاً مع بعض التعاليق ، فراجع إن شئت ، ولا حاجة إلى الإعادة (1) .

   وأمّا ما ذكره (قدس سره) في المقام من التفصيل فلم يتّضح له أيّ وجه ، بل الإتلاف بمثابة الاستيفاء في كلتا الصورتين ، ولا مناص من الحكم بالصحّة فيهما معاً .

   والوجه فيه : أنّ المستأجر قد ملك العمل في ذمّة الأجير في الصورة الاُولى بسبب الإجارة ، كما ملك المنفعة الكذائيّة في الصورة الثانية ، والمفروض أنّ الأجير باذلٌ للعمل وأنّ الخيّاط ـ مثلاً ـ قد هيّأ نفسه للخياطة في المدّة المقرّرة من دون أيّ قصور منه أو تقصير ، والمستأجر هو الذي أعدم موضوع هذه المنفعة المملوكة له بإتلافه محلّ العمل ، فبالنتيجة ينتهي تعذّر تحقّقه خارجاً إلى اختياره وإرادته ، فهذا نظير ما ذكروه من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، إذ هو باختياره فوّت المنفعة على نفسه بعدما كان قادراً على التسليم والتسلّم خارجاً ، وأعدم المملوك وأسقطه عن قابليّة الوجود ، فكان ذلك بمثابة القبض والاستيفاء منه في كلتا الصورتين بمناط واحد من غير فرق بينهما أصلاً ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 190 ـ 193 .

ــ[237]ــ

   [ 3303 ] مسألة 2 : المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء((1)) في القيميّات(1) لا يوم التلف ولا أعلى القيم على الأقوى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومعه لا مقتضي للحكم بالانفساخ في شيء منهما .

   (1) على ما هو مقتضى القاعدة كما ستعرف . وهذا هو أحد الأقوال في المسألة .

   وقيل: إنّ العبرة بقيمة يوم التلف، وقيل: بالقيمة يوم الضمان، وقيل: بأعلى القيم من يوم الضمان إلى يوم التلف ، أو إلى زمان الأداء .

   أمّا القول بيوم التلف فمستنده : أنّ هذا هو اليوم الذي ينتقل فيه الضمان إلى القيمة بعد أن كان خاطباً بأداء نفس العين بمقتضى قوله : «على اليد ما أخذت» إلخ ، فكان الواجب قبل هذا اليوم أداء نفس العين الخارجيّة التي أخذتها اليد ، إذ لا وجه وقتئذ لملاحظة القيمة بعد أن كانت العين موجودة ، وإنّما تلاحظ بعد تلفها ، فلا جرم كانت العبرة بمراعاة القيمة في هذا اليوم الذي هو زمان انتقال الضمان من العين إليها .

   ويندفع : بأنّ الانتقال إلى القيمة في اليوم المزبور وإن كان حقّاً لا ارتياب فيه ولكنّه خاصّ بالحكم التكليفي فلا يخاطب بعدئذ بأداء العين ، لمكان التعذّر وقبح التكليف بغير المقدور . وأمّا بحسب الحكم الوضعي ـ أعني: الضمان ـ فغير واضح، بمعنى: أ نّه لا تكليف من الآن بأداء العين ، وأمّا أنّ الثابت في العهدة والذي تشغل به الذمّة هل هو نفس العين ، أو قيمة هذا اليوم ، أو يوم الضمان ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد أن يكون المدار على قيمة يوم الضمان ، والأحوط الرجوع إلى المصالحة عند اختلاف القيمتين .

ــ[238]ــ

أو أعلى القيم ؟ فكلّ ذلك لا دليل عليه ، وإنّما الثابت هو أنّ هذا اليوم هو يوم الانتقال إلى القيمة ، تكليفاً بمناط التعذّر وامتناع تسليم العين ، فطبعاً ينتهي التكليف إلى أداء القيمة من غير أن يقتضي هذا تعيين الحكم الوضعي بوجه حسبما عرفت .

   وأمّا القول باعتبار أعلى القيم فالوجه فيه : أنّ ضمان العين لا يختصّ بوقت معيّن بل كلّ يوم هو يوم الضمان ما لم تؤدّ العين أو بدلها ، ففي كلّ يوم ارتفعت القيمة كانت القيمة مضمونة لا محالة ، وإذا ارتفعت في اليوم الآخر فكذلك ، وهكذا ، ونتيجته اعتبار أعلى القيم من زمان حدوث الضمان إلى يوم التلف ، بل الأداء كما لا يخفى .

   وفيه : أنّ التـكليف متعلّق بأداء نفس العـين إلى زمان التلف ، فلا وجه لملاحظة القيمة إلى هذا الوقت . نعم ، ينقلب التكليف بعده إلى أداء القيمة كما عرفت ، إلاّ أنّ تعلّقه وقتئذ بأداء القيمة حتى حال وجود العين فلا دليل عليه بوجه ، بل أنّ الثابت في العهدة إنّما هو نفس العين المأخوذة بمقتضى قوله : «على اليد ما أخذت» ، ولا دليل على الانتقال إلى القيمة في الحكم الوضعي ـ أي الضمان ـ حتى حين التلف فضلاً عمّا قبله ، وإنّما الانتقال والانقلاب في الحكم التكليفي المحض حسبما عرفت . إذن فلحاظ أعلى القيم بالنسبة إلى العين لا نعرف له أيّ وجه .

   وأمّا القول الثالث ـ الذي اختاره الماتن من اعتبار قيمة يوم الأداء ـ فهو حسن لولا قيام الدليل على خلافه ، فإنّه المطابق لمقتضى القاعدة . وقد ظهر وجهه ممّا ذكر ، حيث قد عرفت أنّ الذمّة مشغولة بنفس العين حتى بعد عروض التلف، فهي المضمونة والثابتة في العهدة ما لم تفرغ الذمّة عنها بالتلبّس بالأداء الخارجي ، ولا تأثير للتلف إلاّ في انقلاب الحكم التكليفي صرفاً بمناط

ــ[239]ــ

تعذّر التكليف بأداء العين في هذه الحالة ، فيقال : أدّ قيمة العين التي في عهدتك ، ففي كلّ حال تصدّي للأداء تراعى قيمة تلك الحالة بطبيعة الحال ، وأمّا الحكم الوضعي فهو باق على حاله .

   وهذا نظير ما لو باعه منّاً من الحنطة أو من غيرها من القيميّات أو استقرضه ، حيث إنّ الثابت في الذمّة إنّما هو نفس المبيع ، ولا يكاد ينتقل إلى القيمة في أيّ زمان ولو بقي في الذمّة ما بقي ، ولكنّه في مقام الأداء حيث إنّه لا يتمكّن من أداء نفس العين التي استقرضها وأتلفها فلا جرم ينتقل إلى القيمة . فالتبديل في المقام إنّما يكون يوم الأداء ، وأمّا قبله فلا تبديل لا في يوم التلف ، ولا قبله ، ولا بعده ، بل الثابت في الذمّة هي العين نفسها بمقتضى حديث : «على اليد ... » ، أو السيرة العقلائيّة ، فيكون ضامناً لنفس ما أخذ ، فإذا لم يمكن أداؤه والخروج عن عهدته فطبعاً ينتقل إلى البدل .

   وعلى الجملة : فالقاعدة تقتضي أن تكون العبرة بقيمة يوم الأداء كما ذكره (قدس سره) .

   إلاّ أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن دليل على الخلاف ، والظاهر قيام الدليل عليه ، فإنّ صحيحة أبي ولاّد لا قصور في دلالتها ، على أنّ العبرة بقيمة يوم الضمان المعبّر عنه فيها بيوم المخالفة .

   قال فيها : ... فقلت له : أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني ؟ «قال : نعم ، قيمة بغل يوم خالفته» إلخ (1) .

   فإنّ الظرف لا بدّ من تعلّقه إمّا بالفعل المقدّر ـ أعني : يلزمك ـ المدلول عليه في الكلام لتكون النتيجة أنّ الانتقال إلى القيمة إنّما هو في يوم المخالفة من غير تعرّض لأداء قيمة أيّ يوم ، أو بالقيمة المضافة إلى البغل ، وبما أنّ الثاني

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net