حكم ما لو عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه فتلف 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1649


   [ 3308 ] مسألة 7 : إذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره ـ مثلاً ـ ضمن، لقاعدة الإتلاف ((1)) (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــ
   (2) يقع الكلام تارةً : فيما تقتضيه القواعد العامّة ، واُخرى : بالنظر إلى النصّ الخاصّ الوارد في المقام ، فهنا جهتان :

   أمّا الجهة الاُولى :  فالتمسّك بقاعدة الإتلاف كما صنعه في المتن في غاية الإشكال ، بل الظاهر عدم صدق الإتلاف في أمثال هذه الموارد ، لتقوّم صدقه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أ نّه لا يصدق الإتلاف إذا لم يفرّط في مشيه ، وعليه فلا ضمان عليه .

ــ[248]ــ

باستناد الفعل إلى هذا الشخص عرفاً ، بحيث يعدّ فعله وإن لم يكن اختياريّاً كما لو أصابت يده حال النوم إناء زيد فكسره ، فإنّ هذا الكسر مستند إلى النائم ويعدّ من أفعاله ، غايته أنّ الفعل قد يكون اختياريّاً ، واُخرى غير اختياري ، وعلى التقديرين فالاستناد والانتساب متحقّق في البين .

   وأمّا إذا لم يصدق الاستناد بوجه ، بل كان الشخص المزبور كآلة محضة والفعل مستند إلى سبب آخر ، كما لو كان على سطح بيت فوقعت زلزلة أو هبّت ريح عاصف فسقط من الشاهق على إناء زيد فكسره ، بل على نفسه فقتله ، حيث لا يعدّ هذا فعله وعمله عرفاً حتى غير الاختياري منه ، ولا يرونه قاتلاً حتى خطأً . ففي مثله لا إتلاف ولا ضمان ، وإنّما يعدّ ذلك من التلف بآفة سماويّة أو أرضيّة .

   وعليه ، فلو كنّا نحن ومقتضى القاعدة لحكمنا في المقام بعدم الضمان ، باعتبار أنّ الحمّال إذا عثر بغير اختياره فوقع ما على رأسه أو انهدمت بالوعة كانت في الطريق فوقع فيها وتلف ما على ظهره من المتاع بحيث لم يكن مقصّراً ولا مفرّطاً ولا متعدّياً ، فهذه العثرة تحسب عرفاً كآفة سماويّة ، ولا يسند التلف إليه بوجه ، فلا إتلاف أبداً حتى يستوجب الضمان .

   ويؤكّده ما ورد في جملة من الصحاح فيما إذا سقط شخص على آخر فمات : أنّ الساقط لا يضمن شيئاً . والظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها ، فلا دية بمقتضى هذه النصوص كما لا قصاص كما هو واضح . فإذا كان هذا هو الحال في النفوس فعدم الضمان في تلف الأموال بطريق أولى كما لا يخفى .

   وأمّا الجهة الثانية :  فربّما يستدلّ للضـمان بما رواه داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في رجل حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً فمات

ــ[249]ــ

أو انكسر منه شيء فهو ضامن (1) .

   بدعوى أنّ العثرة مثل الإصابة فتشملها الرواية .

   أقول :  ينبغي التكلّم أوّلاً في نفس هذه المسألة التي هي مورد الرواية وأنّ من يحمل على رأسه مالاً فينكسر منه شيء بغير تعدٍّ ولا تفريط ، أو أ نّه يصيب إنساناً فيقتله فماذا حكمه ؟ ثمّ الانتقال منه إلى محلّ الكلام وأ نّه هل يشمل العثرة المبحوث عنها في المقام ، أو أنّ بينهما فرقاً ؟

   أمّا بالنسبة إلى مورد الرواية فقد رواها الصدوق في الفقيه (2) ، وكذا الشيخ في التهذيب بسند فيه سهل بن زياد (3) ، ولأجله ناقش الشهيد الثاني في المسالك وتبعه الأردبيلي في هذه الرواية سنداً ودلالةً (4) .

   أمّا السند : فبما ذكر .

   وأمّا الدلالة : فلأنّ الموت المستند إلى الإصابة المفروضة فيها يعد من القتل الخطئي جزماً ، لعدم قصد الحمّال له وإنّما كانت الإصابة اتّفاقيّة ، ومن الواضح أنّ الدية حينئذ على العاقلة لا الحمّال ، فكيف يحكم عليه بالضمان ؟!

   ولكنّك خبير بضعف كلا الإشكالين :

   أمّا الدلالة : فلأنّ ما ذكر من وجوب الدية على العاقلة في القتل الخطئي وإن كان صحيحاً إلاّ أنّ ذلك تكليف محض ، وأمّا من حيث الوضع فالدية إنّما تثبت في عهدة القاتل وتشتغل به ذمّته بنفسه من غير فرق فيه بين العامد والخاطئ ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 11 .

(2) الفقيه 3 : 163 / 719 .

(3) التهذيب 10 : 230 / 909 .

(4) المسالك 15 : 331 ، مجمع الفائدة والبرهان 14 : 234 .

ــ[250]ــ

غاية الأمر أنّ في مورد القتل الخطئي يجب على العاقلة تفريغ ذمّة القاتل من غير أن تشتغل ذمّتهم بالضمان ، ومن ثمّ لو عصوا لا تخرج عن تركتهم ، بل لا تزال ذمّة القاتل مشغولة بها .

   فلا منافاة إذن بين وجوب الديّة على العاقلة وبين كون القاتل بنفسه ضامناً لها ، وتمام الكلام في محلّه من كتاب الديّات (1) .

   وأمّا السند : فالمناقشة المزبورة ولا سيّما من مثل الشهيد والأردبيلي لعلّها تعدّ من الغرائب ، بداهة أ نّها رويت في كلّ من الفقيه والتهذيب بطريقين في موضعين :

   ذكر أحدهما صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب موجبات الضمان(2) ، وهو الطريق الضعيف المشتمل على سهل بن زياد ، كما نقلها حينئذ عن الكليني عنه أيضاً .

   وذكر ثانيهما في أبواب أحكام الإجارة (3) ، وهو طريق صحيح خال عن أيّة شبهة ، لصحّة طريق كلّ منهما إلى ابن أبي نصر (4) ، فهي مرويّة بطريق صحيح وإن رويت بطريق آخر ضعيف .

   فلا سبيل للنقاش في السند بتاتاً ، كما لم يكن سبيل للنقاش في الدلالة إلاّ بما ستعرف .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مباني تكملة المنهاج 2 : 448 ـ 450 .

(2) الوسائل 29 : 244 /  أبواب موجبات الضمان ب 10 ح 1 ، الكافي 7 : 350 / 5 ، التهذيب 10 : 230 / 909 .

(3) الوسائل 19 : 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 11 ، التهذيب 7 : 222 / 973 .

(4) وقد أشار صاحب الوسائل إلى هذا الطريق في الموضع الأوّل أيضاً ، فلاحظ .

ــ[251]ــ

   نعم ، هي معارضة برواية الصدوق لها عن داود بن سرحان أيضاً ، إلاّ انّه قال : «مأمون» (1) بدل قوله : «ضامن» ، فتدلّ وقتئذ على عدم الضمان ، باعتبار أ نّه ليس على الأمين ضمان ، فتسقط إذن عن الحجّيّة ، لمكان المعارضة ، ويكون المرجع بعدئذ إطلاق الروايات المتقدّمة الناطقة بنفي الضمان عن العامل الأمين من أجير أو غيره .

   وعليه ، فلا ضمان في مورد الرواية فضلاً عن أن يتعدّى منه إلى محلّ الكلام ، أعني : عثرة الحمّال .

   وممّا يؤكّد عدم الضمان صحيحة أبي بصير: ... في رجل استأجر حمّالاً فيكسر الذي يحمل أو يهريقه «فقال : على نحو من العامل إن كان مأموناً فليس عليه شيء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (2) .

   وقد ذكر فيها في موضعين من الوسائل : «جمّالاً» بالجيم المعجمة ، ولكنّه من غلط النسخة ، والصواب : «حمّالاً» بالحاء المهملة كما في الفقيه والتهذيب .

   وكيفما كان ، فهي صريحة في عدم الضمان مع أمـانة الحمّال التي هي محلّ الكلام ، بل ينبغي الاقتصار على هذه الصحيحة في مقام الاستدلال ، لكون صحيحة ابن سرحان المتقدّمة قاصرة الدلالة حتى مع الغضّ عن المعارضة ، لتوقّفها على عود الضمير في قوله : أو انكسر منه ، إلى المتاع ، كما نبّه عليه في الجواهر بعد أن استدلّ بها (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 4 : 82 / 263 .

(2) الوسائل 19 : 144 / كتاب الإجارة ب 29 ح 11 ، الفقيه 3 : 163 / 715 ، التهذيب 7 : 218 / 951 ، وانظر الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 7 .

(3) الجواهر 27 : 326 .

ــ[252]ــ

   ولكنّه غير واضح ، بل الظاهر عوده إلى الإنسان الذي هو أقرب ، ورجوع الضمير إليه أنسب ، نظراً إلى أنّ إصابة الإنسان كأ نّه مفروغ عنها ، غايته أنّ هذه الإصابة قد تؤدّي إلى موته ، واُخرى إلى كسر عضو منه ، وعليه ، فتكون الصحيحة أجنبيّة عن محلّ الكلام ، لكونها ناظرة إلى تلف الشخص أو كسره ، ولا نظر فيها إلى تلف المال بتاتاً . وهذا الاستظهار لو لم يكن متعيّناً فلا أقلّ من تطرّق احتماله الموجب للإجمال والمسقط لها عن صلاحيّة الاستدلال .

   ويظهر من صاحب الوافي أيضاً استظهار هذا المعنى من الرواية ، حيث عقد باباً لضمان الأموال ، وباباً آخر لضمان الديات ، فذكر صحيحة أبي بصير المتقدّمة في الباب الأوّل ، وصحيحة ابن سرحان في الباب الثاني (1) ، فيعلم من ذلك أ نّه استظهر منها كونها ناظرة إلى الكسر في نفس الإنسان لا في ماله .

   وربّما يعضد هذا الاستظهار ويؤكّده عدم افتراض كون الحامل للمتاع حمّالاً، إذ لا ذكر منه في الصحيحة ، ومن الجائز أن يكون حاملاً لمتاع نفسه قد ذكره السائل كسبب لما عرضه من الإصابة ، ومن الواضح عدم كون الإنسان ضامناً لمتاع نفسه .

   إذن فتكون الصحيحة أجنبيّة عن محلّ البحث بالكلّيّة ، وإنّما هي ناظرة إلى الضمان في القتل أو الجرح أو الكسر الخطئي الذي عرفت عدم منافاته مع ثبوت الدية على العاقلة ، ولا نظر في جهة السؤال إلى الضمان بالنسبة إلى المتاع بتاتاً . فاحتمال عود الضمير إلى المتاع ليحكم عليه بالضمان أو بعدمه بعيدٌ غايته . وما صنعه الوافي من ذكرها في باب ضمان الديات هو المتعيّن .

   نعم ، هي معارضة مع رواية الصدوق المشتملة على كلمة : «مأمون» بدل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوافي 18 : 911 / 18570 و ج 16 : 822 / 16195 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net