لو اشترط المؤجّر عدم إجارتها من غيره - لو اشترط المؤجّر استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1300


ــ[275]ــ

كما أ نّه إذا اشترط المؤجّر عدم إجارتها من غيره (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وهو وجيه فيما لو كان المتصدّي للانتفاع والمستوفى للمنفعة المستأجرة ـ في الإجارة الثانية ـ هو ذلك الغير ، أمّا لو كان هو المستأجر الأوّل بشخصه فلا ضير فيه لا تكليفاً ولا وضعاً ، فإنّ العبرة في ملاحظة التقييد المزبور بالاستيفاء الخارجي لا بالملكيّة ، فمتى كان المستوفي هو المستأجر المذكور فقد روعي التقييد وإن كان المالك للمنفعة غيره .

   نعم ، ظاهر عبارة المتن إرادة الفرض الأوّل كما لا يخفى .

   ويتصوّر هذا الفرض فيما لو استأجرت المرأة داراً على أن تسكنها بنفسها ـ  على سبيل التقييد  ـ فتزوّجت بعدئذ وأصبح سكناها على زوجها ، فآجرت الدار لزوجها على أن يسكنها فيها ، فإنّ الإجارة الثانية لا تنافي التقييد المزبور ، إذ المتصدّي للسكونة كان بالآخرة هي الزوجة ، غايته أنّ الملكيّة كانت لها أيضاً فصارت لغيرها ولا ضير فيه بوجه .

   ونحوه ما لو استأجرت دابّة لركوبها أو حمل متاعها ـ بشخصها ـ إلى كربلاء ذهاباً واياباً ، ثمّ تزوّجت في كربلاء وآجرت الدابّة لزوجها من أجل حملها أو حمل متاعها إلى النجف .

   (1) فكانت المنفعة المطلقة مورداً للإجارة ولكن مشروطاً بعدم الإيجار من شخص آخر . وهذه هي الصورة الثانية .

   وقد حكم (قدس سره) بعدم جواز الإيجار حينئذ من الغير تكليفاً ، وذكر في ذيل كلامه (قدس سره) أنّ في عدم الجواز وضعاً ـ أعني : البطلان وعدمه ـ وجهين مبنيّين على أنّ الشرط هل يوجب قصر سلطنة المشروط عليه ليحكم بالفساد ، أو لا ؟

ــ[276]ــ

   أقول : أمّا عدم الجواز تكليفاً فواضح بعد ملاحظة وجوب الوفاء بالشرط.

   وأمّا عدمه وضعاً فيما لو خالف وآجر عامداً أو غافلاً وأنّ الإجارة الثانية هل تبطل أو أ نّها محكومة بالصحّة وغايته الخيار للمشترط ـ وهو المؤجّر الأوّل ـ باعتبار تخلّف الشرط ، ففيه كلام طويل الذيل مبنيّ على ما ذكره (قدس سره) من أنّ الشرط هل يستوجب قصر سلطنة المشروط عليه ، أو لا يترتّب عليه عدا وجوب الوفاء تكليفاً وتعلّق الخيار وضعاً ؟

   والمحقّق لدينا إنّما هو الثاني ، لما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح لدى تحليل مفهوم الشرط من أ نّه إمّا أن يرجع إلى تعليق الالتزام بالعقد على تحقّق وصف خارج عن الاختيار ككتابة العبد ، أو إلى تعليق نفس العقد على الالتزام بشيء كما لو كان الشرط فعلاً كالخياطة ونحوها ومنها عدم الإيجار في المقام ، ونتيجته إمّا الإلزام بالوفاء أو جعل الخيار على سبيل منع الخلوّ وإن كان هذا الخيار قابلاً للإسقاط أيضاً كما في سائر الخيارات .

   ولم يظهر من شيء ممّا دلّ على نفوذ الشرط عدا ما عرفت من الإلزام أو الخيار الذي هو من شؤون الوفاء بالعقد المشتمل عليه ، فللمشروط له إلزامه ، كما أنّ له إعمال الخيار أو إسقاطه ، وأمّا قصر سلطنته الوضعيّة بحيث لم ينفذ تصرّفه لو خالف فلا يكاد يظهر من شيء من الأدلّة .

   وهذا الكلام مطّرد في كافّة الموارد التي شرط فيها عدم إيقاع شيء من المعاملات حتى في مثل النكاح أو الطلاق ، فإنّه لم يقم أيّ دليل على تحديد السلطنة وقصرها لدى تعلّق الشرط ونفوذه ، بحيث لم تكن تلك المعاملة نافذة لو أوقعها .

   إذن فالظاهر هو الجواز وضعاً ، ولو كان ناسياً أو غافلاً فتكليفاً أيضاً ، إذ لا عصيان مع النسيان ، وغايته ثبوت خيار التخلّف للمؤجّر الأوّل ، فلو اختار

ــ[277]ــ

أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه (1) كذلك أيضاً ، أي لا يجوز إجارتها من الغير ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفسخ له المطالبة باُجرة المثل . ومن المعلوم أنّ حرمة الإيجار مع الالتفات لا تستوجب البطلان ، لعدم اقتضاء النهي للفساد في باب المعاملات .

   (1) وهي الصورة الثالثة ، ولكن الظاهر رجوعها إلى الصورة الاُولى إمّا حقيقةً أو حكماً ، فإنّ هذا الاشتراط إذا بنينا على رجوعه إلى التقييد كما استظهرناه سابقاً (1) ، حيث عرفت أنّ القيود العائدة إلى الأعمال أو المنافع كأن يقول : آجرتك للخياطة بشرط أن تكون بالكيفيّة الكذائيّة ، أو في الزمان أو المكان الكذائي ، فهي في الحقيقة ترجع إلى التقييد في متعلّق الإجارة وإن اُبرزت بلسان شرط ، فكان من الأوّل مورد الإيجار ومصبّه هو المنفعة الخاصّة والاُجرة واقعة بإزاء تلك الخياطة المخصوصة ـ مثلاً ـ وفي المقام بإزاء تلك السكنى أو الركوب الخاصّ .

   فعلى ذلك تكون هذه الصورة هي صورة التقييد المتقدّمة بعينها ويجري فيها ما ذكرناه من صحّة الإجارة الثانية فيما لو كان المستوفي للمنفعة والمباشر لها هو المؤجّر بنفسه ، وبطلانها لو كان المتصدّي للانتفاع غيره حسبما مرّ ، فلاحظ .

   وأمّا لو انكرنا ذلك وبنينا على كونه من باب الشرط حقيقةً ، أي الالتزام في ضمن الالتزام من غير أن يرجع إلى التقييد بوجه ، فكان المملوك المنفعة المطلقة بشرط استيفائها بنفسه لنفسه ، فهذا يلحق أيضاً بالتقييد بحسب النتيجة وإن لم يكن منه حقيقةً ، فإنّ الإجارة الثانية لا تسوّغ تكليفاً من جهة الاشتراط كما هو واضح ولا وضعاً ، لمنافاته مع وجوب الوفاء بالشرط ، لامتناع الجمع بين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 89 ـ 94 .

ــ[278]ــ

وجوب الوفاء بعقد الإجارة الثانية وبين وجوب الوفاء بالشرط الواقع في ضمن الإجارة الاُولى ، فإنّ مقتضى الثاني مباشرته بنفسه ، ومقتضى الأوّل مباشرة غيره ، وهما متضادّان ، والحكمان غير قابلين للامتثال معاً خارجاً .

   وحيث إنّ المفروض صحّة الشرط فلا يبقى بعدئذ مجال للوفاء بالعقد ليتّصف بالصحّة ، فلا جرم يحكم بفساده .

   ونظيره ما تقدّم في كتاب الحجّ من أنّ المستطيع لا يصحّ منه إيجار نفسه للنيابة في عام الاستطاعة، لأنّ وجوب الحجّ لنفسه لا يجتمع مع وجوب الوفاء بعقد الإجارة في حجّ النيابة ، والترتّب لا يجري في أمثال المقام بأن يؤمر بالحجّ لنفسه أوّلاً وعلى تقدير المخالفة فبالوفاء بعقد الإجارة ، لاستلزامه التعليق في العقد المبطل له اجماعاً . نعم ، لا مانع من تصحيح نفس الحجّ النيابي بالترتّب والحكم بفراغ ذمّة المنوب عنه وإن كان النائب عاصياً مع الالتفات واستحقاق اُجرة المثل . وأمّا صحّة الإجارة لكي يستحقّ الاُجرة المسمّاة فلا سبيل إليها حتى بنحو الترتّب . وتمام الكلام في محلّه(1).

   وعلى الجملة :  فهذه الصورة ترجع إلى الصورة الاُولى إمّا موضوعاً أو لا أقلّ حكماً ، فلا تجوز الإجارة الثانية لا تكليفاً ولا وضعاً حسبما عرفت ، إلاّ إذا كان المستوفي للمنفعة في الإجارة الثانية هو نفس المؤجّر .

   فإن قلت :  مقتضى ما ذكرت هو الالتزام بالبطلان في الصورة الثانية أيضاً ـ  أعني : ما إذا كان الشرط عدم الإيجار من الغير  ـ إذ يجري فيها أيضاً ما سبق من التنافي بين الوفاء بكلّ من الشرط والعقد .

   قلت :  كلاّ ، إذ الشرط هناك هو نفس عدم الإيجار ، فمتى آجر فقد خالف الشرط وارتكب الحرام ، ولا نظر للشرط إلى ما بعد الارتكاب والمخالفة ، فلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 27 : 10 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net