صور ووجوه فيما إذا خالف الأجير الخاص وعمل لغيره 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1614


ــ[299]ــ

أوّل زمان العمل بحيث لا يتوانى فيه إلى الفراغ . نعم ، لا بأس بغير المنافي ، كما إذا عمل البناء لنفسه أو لغيره في الليل فإنّه لا مانع منه إذا لم يكن موجباً لضعفه في النهار . ومثل إجراء عقد أو إيقاع أو تعليم أو تعلّم في أثناء الخياطة ونحوها، لانصراف المنافع عن مثلها . هذا ، ولو خالف (1) وأتى بعمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمل مناف له ، سواء أكان لنفسه أو لغيره ، بتبرّع أم إجارة أم جعالة . وهذا واضح .

   (1) إنّما الكلام فيما إذا خالف وعمل لغيره، فقد ذكر له صوراً ووجوهاً أربعة:

   إذ تارةً :  يؤجّر نفسه بلحاظ جميع منافعه بالأسر في مدّة معيّنة ، فيؤجّر نفسه في جميع المنافع المترقّبة في المدّة المقرّرة ، وبذلك يتملّك المستأجر جميع منافع الأجير .

   واُخرى :  تقع الإجارة بلحـاظ منفعة خاصّة ـ كالخـياطة ـ من غير أن تشتغل الذمّة بشيء ، كما لم تكن مشغولة في الصورة الاُولى أيضاً .

   وثالثةً :  تقع الإجارة على العمل في الذمّة ـ لا على العين بلحاظ المنفعة الخارجية كما في الصورتين السابقتين ـ :

   وهنا قد تلاحظ المباشرة على سبيل القيديّة بحيث ترد الإجارة على الحصّة الخاصّة القائمة به .

   واُخرى ـ وهي الصورة الرابعة ـ تلاحظ هي أو المدّة المعيّنة أو كلتاهما على وجه الشرطيّة ، بناءً على تصوير الشرطيّة في أمثال المقام . وقد تقدّم أ نّه خلاف الارتكاز وأنّ الشرائط في باب الأعمال كلّها ترجع إلى التقييد وإن كانت بصورة الاشتراط .

   وقد ذكر (قدس سره) في الصورة الاُولى أ نّه تارةً يعمل الأجير لنفسه ،

ــ[300]ــ

مناف لحقّ المستأجر : فإن كانت الإجارة على الوجه الأوّل بأن يكون جميع منافعه للمستأجر وعمل لنفسه في تمام المدّة أو بعضها فللمستأجر أن يفسخ ويسترجع تمام الاُجرة المسـمّاة أو بعضها ((1)) أو يبقيها ويطالب عوض الفائت من المنفعة بعضاً أو كلاًّ ، وكذا إن عمل للغير تبرّعاً (1) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واُخرى لغيره تبرّعاً ، وثالثةً له بإجارة أو جعالة ، فهنا فروض ثلاثة :

   أمّا في الفرض الأوّل :  فبما أنّ الأجير فوّت على المالك ـ وهو المستأجر ـ ملكه فلا جرم يضمن ويثبت له خيار تعذّر التسليم ، فله الفسخ واسترجاع تمام الاُجرة المسمّاة ، كما أنّ له الإمضاء والمطالبة باُجرة المثل عوضاً عن المنفعة الفائتة كلاًّ أو بعضاً .

   هذا ، وقد حكم في المتن فيما لو كان الفائت بعض المنفعة باسترجاع بعض الاُجرة المسمّاة لدى اختيار الفسخ .

   ويندفع : بعدم تبعّض العقد من ناحية الفسخ في أجزاء الزمان، كما لايتبّعض في أجزاء المبيع ، فلا يتحمّل العقد الواحد إلاّ إمضاءً أو فسخاً واحداً في تمام مؤدّاه ، فلو اختار الفسخ استرجع تمام المسمّاة وعليه عوض البعـض الذي استوفاه ، كما أ نّه على تقدير الإمضاء يطالبه بعوض ما فاته من أبعاض المنفعة حسبما عرفت ، وأمّا التفكيك بإمضاء البعض وفسخ الباقي فلا سبيل إليه بوجه .

   (1) وأمّا في الفرض الثاني :  فيجري فيه أيضاً ما عرفت من ضمان الأجير ومطالبة المالك إيّاه بعوض ما فوّته عليه ، وليس له مطالبة المتبرّع له حتى لو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرّ أنّ الفسخ إنّما يتعلّق بعقد الإجارة بتمامه ، وعليه فلا وجه لاسترجاع بعض الاُجرة .

 
 

ــ[301]ــ

ولا يجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرّع له بالعوض ، سواء أكان جاهلاً بالحال أو عالماً ، لأنّ المؤجّر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير وإن كان ذلك الغير آمراً له بالعمل ، إلاّ إذا فرض على وجه يتحقّق معه صدق الغرور ((1)) (1) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان هو الآمر بالعمل له ، إذ المتلف إنّما هو الأجير نفسه ، فلا موجب لضمان غيره بعد أن كان موجبه منحصراً في الإتلاف أو التلف تحت اليد المضمونة غير الصادق شيء منها على المتبرّع له . وأمّا الأمر بالإتلاف فليس هو بنفسه من موجبات الضمان ، فلو أمر زيداً أن يتلف مال عمرو فأتلفه باختياره لم يكن الآمر ضامناً بلا إشكال .

   نعم ، الأمر مع الاستيفاء فيما إذا كان المال للمتلف نفسه وإن استوجب الضمان بالسيرة العقلائيّة كما لو آمره بإتلاف مال نفسه بالإعطاء لأحد أو بالإلقاء في البحر لغاية ما كالمحافظة على السفينة من الغرق ، إلاّ أ نّه خاصّ بما إذا لم يأمره بالإتلاف مجّاناً وبقصد التبرّع ، أمّا الأمر به بهذا العنوان كما لو أمر الخبّاز أن يدفع رغيفاً للفقير تبرّعاً وتصدّقاً فلا شبهة في عدم اقتضائه للضمان .

   والمفروض في المقام أنّ الآمر أمر العامل بالعمل له تبرّعاً وبلا عوض ، ولم يقصد الأجير اُجرةً من عمله المتبرّع فيه ، فلم يكن في البين أيّ موجب لضمانه .

   (1) استثنى (قدس سره) من عدم ضمان الآمر المتبرّع له ما إذا كان غارّاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ليس للمستأجر الرجوع على الآمر حتى مع صدق الغرور ، فإنّ المغرور هو الأجير دون المستأجر والأجير أيضاً لا يرجع إليه إذا كان متبرّعاً بعمله كما هو المفروض . نعم ، إذا لم يكن متبرّعاً كما إذا غرّه الآمر وادّعى أنّ المستأجر قد أذن بالعمل له فعمل له كان للأجير أن يرجع إليه باُجرة المثل .

ــ[302]ــ

فيتّجه عندئذ رجوع المستأجر إليه بقاعدة الغرور .

   وفيه ـ بعد الغضّ عن عدم تماميّة هذه القاعدة في حدّ نفسها ، وعدم أساس لها بقول مطلق وإن تداولت على ألسنة الفقهاء كما تقدّم البحث حولها قريباً (1) ، وبعد تصوير الغرور وتحقّقه في المقام كما ستعرف ـ : أنّ مقتضاها رجوع المغرور إلى الغارّ ، لا أنّ كلّ أحد تلف ماله يرجع إليه ، ومن المعلوم أنّ المغرور في المقام إنّما هو الأجير لا المستأجر ، فلا مقتضي لرجوعه إليه . فلو فرضنا أنّ زيداً غرّ عمرواً في إتلافه مال بكر فإنّ بكراً لا يرجع ابتداءً إلى زيد الغارّ ، وإنّما يرجع إلى المتلف وهو عمرو ، غايته أنّ عموراً يرجع بعدئذ إلى الغارّ بمقتضى قاعدة الغرور لو قلنا بها .

   وعلى ذلك فلا موجب لرجوع المستأجر إلى الآمر بوجه لا من جهة الاستيفاء ولا من ناحية الغرور ، بل لو صحّ الرجوع فإنّما يتّجه بالإضافة إلى الأجير فحسب كما عرفت .

   وأمّا تطبيق الغرور على المقام فيمكن تصويره بأحد وجهين :

   أحدهما :  فرضه على نحو لا ينافي اتّصاف الأجير بكونه متبرّعاً بقول مطلق ، غير أنّ التلبّس بهذا الوصف كان مستنداً إلى الإغراء فكان مغروراً في تبرّعه ، كما لو قال له : تبرّع لي لعلّي اُرضي المالك بعد ذلك ، أو أ نّه لا مانع من تبرّعك شرعاً وإن لم يكن المالك راضياً ، ونحو ذلك من التعابير الحاوية لحثّ الأجير وترغيبه في إقدامه على التبرّع وإلغائه احترام ماله ، أي ماله الطبيعي وإلاّ فهو لغيره حسب الفرض .

   وفي هذا الفرض لا نرى أيّ موجب لضمانه ورجوع المغرور إليه بعد أن لم يكن عمله محترماً بمقتضى إقدامه على التبرّع وعدم مطالبته بشيء .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 256 .

ــ[303]ــ

   ثانيهما :  ما إذا لم يقدم على التبرّع من كيسه وإن أقدم على أن لا يأخذ منه اُجرة فكان تبرّعاً إضافيّاً لا حقيقيّاً ، كما لو غرّه الآمر فأخبره كذباً بأنّ المالك هو الذي رخّصك في أن تعمل لي هذا العمل تبرّعاً .

   وحينئذ لا ينبغي الشكّ في الضمان ، إذ بعد انكشاف الحال وتغريم المالك الأجير وخروجه ـ أي الأجير ـ عن عهدة الضمان بأداء البدل يتّصف ذاك العمل المتبرّع فيه بكونه ملكاً للأجير ومحسوباً له ، والمفروض أ نّه لم يأت به مجّاناً وملغياً لاحترامه وقد صدر بأمر الغارّ حسب الفرض واستوفى هذه المنفعة ، فلا جرم يكون ضامناً ، لا لأجل قاعدة الغرور ، بل لأجل استيفائه منفعة لم يعملها العامل مجّاناً ، بل سلّمها بتخيّل صدور الإذن ممّن بيده الإذن .

   نظير ما لو كان مال زيد عند عمرو فقال له بكر : إنّ صاحب المال أذن لك في إتلافه أو إلقائه في البحر ، ففعل استناداً إلى إخبار هذا الكاذب الغارّ ، فإنّه بعد تغريم المالك إيّاه وخروجه عن عهدة الضمان وإداء البدل يفرض مالكاً لذلك المال المعدوم في اعتبار العقلاء ، فإذا كان مالكاً وقد أتلفه بأمر هذا الكاذب ـ لا مجّاناً ـ فلا جرم كان الآمر ضامناً . فإذا كان هذا هو الحال في الأموال ففي الأعمال أيضاً كذلك بمناط واحد ، وهما من هذه الجهة شرع سواء .

   وعلى الجملة : فيفرق بين فرضي الغرور ، أي بين ما إذا أتلفه المتلف مجّاناً وملغياً لاحترام ماله دون أن يطالب المتبرّع له بشيء فلا يكون هناك ضمان حتى مع الأمر ، وبين ما إذا لم يتبرّع على سبيل الإطلاق بل سلّمه بعنوان أداء مال الغير إليه فكان تبرّعاً إضافيّاً ، أي لا يطالبه بشيء باعتبار أ نّه سلّمه مال المالك الذي اعتقد أ نّه أذن بذلك ، فإنّه بعد أن خرج عن عهدة الضمان فبما أنّ مال المسلم محترم لا يذهب هدراً صحّ له مراجعة الآمر المستوفي الضامن لذلك حسبما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net