لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن فحمّلها غير ذلك المتاع أو ركبها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1613


ــ[310]ــ

   [ 3323 ] مسألة 6 : لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن شـخصي أو كلّي على وجه التقييد فحمّلها غير ذلك المتاع أو استعملها في الركوب لزمه الاُجرة المسـمّاة واُجرة المثل لحمل المتاع الآخر أو للركوب (1) ، وكذا لو استأجر عبداً للخياطة فاستعمله في الكتابة ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعض حوائجه الضروريّة ، فلو أنشأ خلال هذه الفترة اليسيرة عقداً آخر ووفى به بحيث لم يكن مصادماً لصدق التعجيل العرفي بالإضافة إلى الوفاء بالعقد الأوّل لم يكن به بأس أبداً .

   (1) ومن هذا القبيل : ما لو استأجر الدابّة للركوب إلى مكان خاصّ كالذهاب إلى كربلاء فخالف وركبها إلى الحلّة .

   والضابط : أن تتعلّق الإجارة بمنفعة خاصّة فتستوفى من العين منفعة اُخرى بدلاً عمّا وقعت الإجارة عليه .

   والوجه في استحقاق الاُجرتين : أنّ الاُجرة المسمّاة قد استحقّها المؤجّر بنفس العقد المفروض وقوعه صحيحاً ، ومن البيّن أنّ تفويت المستأجر تلك المنفعة بعدم استيفائها خارجاً لا يستوجب السقوط بعد أن أدّى المؤجّر ما عليه من تسليم العين .

   وأمّا استحقاقه لاُجرة المثل فلأجل استيفاء المنفعة الاُخرى التي هي أيضاً مال محترم للمؤجّر ، ولا يذهب مال المسلم هدراً ولا سيّما إذا كانت الاُجرة الثانية أزيد من الاُولى ، فلا مناص إذن من دفع الاُجرتين معاً : إحداهما بنفس العقد ، والاُخرى بسبب الاستيفاء الخارجي .

   إلاّ أ نّه ربّما يشكل عليه بما أشار إليه في المتن من أنّ العين الواحدة لا تتحمّل

ــ[311]ــ

في زمان واحد أكثر من منفعة واحدة ، لامتناع قيام منفعتين متضادّتين بها في عرض واحد ، إذن فلا يعقل أن يكون المالك مالكاً لكلتا المنفعتين كي يستحقّ الاُجرتين، ومن الواضح أنّ الجمع بين الضمانين متفرّع على إمكان اجتماع الملكيّتين في عرض واحد .

   وممّا يكشف عن ذلك وضوح أنّ غاصب العين لا يكون ضامناً لتمام المنافع ، فلو كانت كلّها مملوكة لكانت كلّها مضمونة بطبيعة الحال ، وحيث لا ضمان جمعاً فلا ملكيّة عرضاً ، وإنّما المملوك من هاتيك المنافع المتضادّة هو الجامع القابل للانطباق على أيّ منفعة شاءها المالك ، ففي الحقيقة لا يملك إلاّ منفعة واحدة على البدل مخيّراً في التطبيق على أيّ فرد شاء .

   ولكن التحقيق إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة في عرض واحد .

   والوجه فيه : أنّ مركز التضادّ إنّما هو ذات المنافع بأنفسها ، فلا تجتمع منفعة الركوب مع منفعة الحمل ، ولا كتابة العبد حال خياطته ، ولا سير الدابّة شرقيّاً حال سيرها غربيّاً، ونحوها من المنافع المتضادّة الممتنع اجتماعها في حالة واحدة .

   وأمّا الملكيّة المتعلّقة بها : فبما أ نّها أمر اعتباري والاعتبار خفيف المؤونة وقوامه بيد المعتبر ، فلا تضادّ بين ملكيّة واُخرى ، فيعتبر من بيده الاعتبار ملكيّة أحد لمنفعة ويعتبره في عين الحال مالكاً لمنفعة اُخرى مضادّة لها ، إذ لا مانع من الجمع بين هذين الاعتبارين بعد عدم وجود أيّ مقتض لسراية التضادّ إليهما من المتعلّقين ، أعني : نفس المنفعتين .

   وعلى الجملة : التضادّ الحاصل بين المنفعتين لملاك في البين لا يكاد يسري إلى التضادّ بين الاعتبارين ، فلا مانع من اجتماعهما على صعيد واحد .

   ودعوى أنّ الاعتبار لا بدّ من تعلّقه بأمر مقدور ، وإلاّ لأصبح لغواً محضاً ، ولا قدرة على المنافع المتضادّة .

ــ[312]ــ

   مدفوعة بأنّ الملكيّة الاعتباريّة انحلاليّة ، فكلّ ملكيّة تستدعي في مقام اعتبارها مقدورية متعلّقها بنفسه لا بضميمة متعلّق ملكيّة اُخرى . ولا شك في أنّ كلّ واحدة من هاتيك المنافع المتعلّقة للاعتبارات مقدورة في حدّ أنفسها ، وما هو موصوف بعدم القدرة إنّما هو الجمع بينها . ومن الضروري عدم اعتبار الملكيّة لمجموع تلك المنافع حتى يقال بأنّ المجموع غير قابل للوقوع خارجاً ، بل الملكيّة إنّما تعلّقت بكلّ واحدة واحدة ممّا هو مقدور في نفسه كما عرفت .

   وإن شئت مزيد التوضيح فأمعن النظر في الإباحة الشرعيّة ، ثمّ أعطف عليها الملكيّة الاعتبارية فإنّهما من واد واحد وبمناط فارد .

   فإنّ الإباحة المزبورة كغيرها من الأحكام الخمسة لا تكاد تتعلّق إلاّ بأمر مقدور ، ضرورة عدم موقع لتعلّق الحكم الشرعي من التكليفي أو الترخيصي نحو أمر غير مقدور .

   ولا شكّ أنّ المتضادّين ولا سيّما فيما لا ثالث له كالحركة والسكون كلّ منهما محكوم بالإباحة الشرعيّة ، فتستباح الحركة كما يستباح السكون . ومن المعلوم أنّ الإباحة إنّما تتعلّق بكلّ منهما بخصـوصه . وأمّا الجامع بينهما أو بين أحد الأضداد ـ فيما له ثالث ـ فهو ضروري التحقّق ، فلا معنى لكونه مورداً لأيّ حكم شرعي ، كما أنّ الجمع بينهما مستحيل التحقّق ، لعدم القدرة عليه ، فلا معنى لإباحته أيضاً ، بل كلّ منهما مباح في حدّ نفسه ، والجمع بين الإباحتين لا يستلزم إباحة الجمع بين المتضادّين بالضرورة .

   وعلى الجملة :  فرق واضح بين كون الجمع متعلّقاً بالإباحة أو متعلّقاً لها ، وإن شئت فقل : بين تعلّق الجمع بالإباحة أو تعلّق الإباحة بالجمع ، فإنّ الممتنع إنّما هو الثاني الذي هو أمر غير مقدور، وأمّا الأوّل الذي هو جمع بين الإباحتين فلا ضير فيه، لعدم التضادّ بين إباحة وإباحة، فهناك إباحتان مجتمعتان ، والاجتماع

ــ[313]ــ

وصف لنفس الإباحة ، لا أنّ الإباحة متعلّقة بالمجتمع وعلى صفة الانضمام .

   نظير ما ذكرناه في بحث الترتّب من أنّ الأمرين مجتمعان معاً ، لا أنّ الأمر متعلّق بالجمع ، فهو جمع في الأمر لا أمر بالجمع .

   وإذ قد عرفت الحال في الإباحة فالملكيّة تجري على ضوئها وتحذو حذوها ، لاشتراكهما في امتناع التعلّق نحو أمر غير مقدور كالمتضادّين ، فكما أنّ هذا الامتناع لا يقدح في اتّصاف كلّ منهما بالإباحة حسبما عرفت فكذلك لا يقدح في الاتّصاف بالمملوكيّة .

   والسرّ : تعلق كلّ من الاعتبارين ـ أعني : الإباحة والملكيّة ـ بكلّ واحد من الضدّين بحياله ومنعزلاً عن غيره ، لا بصفة الاجتماع والانضمام ليتوهّم امتناعه من أجل التعلّق بغير المقدور فكم فرق بين الجمع بين الاعتبارين والجمع بين المعتبرين ، والممتنع إنّما هو الثاني دون الأوّل ، إذ لا مضادّة بين اعتبار واعتبار آخر وإن تعلّق بضدّه ، لعدم المقتضي لسراية التضادّ من المعتبر إلى الاعتبار بوجه .

   إذن فعدم امكان استيفاء المنفعتين المتضادّتين معاً خارجاً لا يقتضي عدم إمكان اعتبار الملكيّة لكلّ واحدة منهما بحيالها ، ضرورة أنّ كلّ واحدة منهما قابلة في نفسها للتحقّق في الخارج ، فهي قابلة لأن تتعلّق بها الملكيّة .

   فإن قلت :  ما هي الفائدة في الجمع بين هذين الاعتبارين بعد امتناع الجمع بين المعتبرين المتضادّين ، وهل هذا إلاّ من اللغو الممتنع صدوره من الحكيم ؟

   قلت :  كلاّ ، فإنّ المالك وإن لم يكن قادراً على الجمع ، ولا يمكنه استيفاء تمام المنافع المتضادّة ، إلاّ أنّ ثمرة اعتبار ملكيّته لكلّ منهما تظهر في مثل المقام ، حيث إنّه بعد أن ملك واحدة منها للغير وأخرجها عن ملكه بالإجارة فخروجها لا يسـتلزم خروج الباقي ، فلو تمكّن الغـير من التصرّف فيه ـ ولو لأجل أنّ

ــ[314]ــ

المستأجر لم يصرف العين فيما استؤجرت له ـ سواء أكان هو المستأجر أم شخص غيره، ضمن اُجرة المثل لمالك العين، لكونه من التصرّف في المنفعة التي هي ملك الغير . وكفى هذا المقدار فائدة لاعتبار الملكيّة للمنافع المتضادّة وإن لم يتمكّن المالك من استيفائها بتمامها حسبما عرفت ، بل لم يكن له هذا التصرّف كما لا يخفى .

   وقد اتّضح لك أنّ إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة مطابق لمقتضى القاعدة ولا حاجة إلى ما ذكره (قدس سره) في المتن من أنّ : المستأجر بتفويته واستعماله في غير ما يسـتحقّ كأ نّه حصل له منفعة اُخرى . الذي لا محصّل له ، بل هو بالخطابة أشبه كما لا يخفى ، فإنّ المنفعة الاُخرى كانت مملوكة للمالك من الأوّل لا أ نّها حصلت بالتفويت ، وإلاّ فكيف صارت ملكاً له بعد ذلك ؟! ومن هنا لو فرضنا أنّ المتصرّف كان شخصاً آخر غير المستأجر كان ضامناً للمالك، باعتبار أ نّه استوفى منفعة للغير بغير إذنه .

   وبعد البناء على الإمكان المزبور فما ذكره في المتن من استحقاق الاُجرتين معاً هو الصحيح الحقيق بالقبول .

   وغير بعيد أن يكون هذا هو المرتكز في أذهان العقلاء ، فإنّ احتمال ضمان المستأجر لخصوص المنفعة المستوفاة ـ كما نسب إلى جماعة ـ بعيد جدّاً ، إذ ما هو الموجب للانفساخ ليلتزم بسقوط الاُجرة المسـمّاة ؟! وهل ترى أنّ الاستيفاء المزبور من أسباب السقوط ؟ فلو فرضنا أ نّه لم يستوفها كما لم يستوف المنفعة المستأجرة إلى أن انقضت المدّة فإنّه لا ريب في ضمانه حينئذ للمسـمّاة ، باعتبار أ نّه هو الذي فوّت المنفعة على نفسه بعد أن تسلّم العين من المؤجّر ، فإذا كان التفويت من دون أن يستفيد موجباً لضمان الاُجرة المسـمّاة فهل يحتمل أن يكون استيفاء منفعة اُخرى موجباً لسقوطها ؟!

   كما أنّ احتمال اشتغال ذمّته بخصوص الاُجرة المسـمّاة وعدم ضمانه للمنفعة

ــ[315]ــ

المستوفاة ـ ولا سيّما إذا كانت اُجرتها أكثر ـ لا وجه له أيضاً ، وكيف يذهب مال المسـلم هدراً ؟! فلا مناص إذن من الالتزام بكلتا الاُجـرتين ، جمعاً بين الحقّين .

   ويمكن أن يستأنس لما ذكرناه من مقتضى القاعدة بصحيحة أبي ولاّد (1) وجعلها مؤكّدة لها ومعاضدة ، حيث إنّه صرّح فيها بالضمان بالنسبة إلى المنافع المستوفاة التي هي خارجة عن مورد الإجارة ـ على خلاف فتوى أبي حنيفة (2) ـ ساكتة عن التعرض للاُجرة المسـمّاة سؤالاً وجواباً ، بحيث يظهر أنّ استحقاقها كأ نّه أمر مفروغ عنه لم يحتج إلى النزاع والجدال ، ولم يقع مورداً للسؤال ، سيّما ولعلّ المتعارف دفعها إلى المؤجّر المكاري من أوّل الأمر ، ولم ينكر ذلك أبو حنيفة ولا غيره من الأطراف المعيّنة، فالإعراض عن ذكرها ـ ولو كانت ساقطة لكانت حريّة بالتعرّض جدّاً ـ يورث قوّة ظهور لها في ثبوتها ، وقد عرفت صراحتها في ثبوت الاُجرة الاُخرى أيضاً ، فهي مطابقة إذن لمقتضى القاعدة في الدلالة على استحقاق كلتا الاُجرتين حسبما عرفت .

   وربّما يقال : إنّ الالتزام بملكيّة المنافع المتضادّة يقتضي المصير إلى ضمان الغاصب لجميع هاتيك المنافع ، التي ربّما تزيد على قيمة العين ، وهذا شيء لا يمكن الالتزام به ، بل هو مقطوع البطلان .

   ويندفع : بمنع الاقتضاء ، فإنّ الضمان حكم شرعي يستند إلى سببب خاصّ ، ولا يكون جزافاً ، وسببه منحصر في أحد اُمور ثلاثة : إمّا الاستيفاء ، أو التلف تحت اليد العادية ، أو الإتلاف . وشيء منها غير متحقّق في المقام .

   ضرورة أنّ الغاصب لا يستوفي في وقت واحد إلاّ منفعة واحدة ، فلا مقتضي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1 .

(2) حكاه عنه في المغني 6 : 89 .

ــ[316]ــ

لضمان الباقي من ناحية الاستيفاء .

   وأمّا من ناحية التلف أو الإتلاف فكذلك ، بداهة عدم صدق شيء منها بعد عدم قبول تلك المنافع للوجود خارجاً على صفة الاجتماع فلم يتلف على المالك ما عدا منفعة واحدة ، أمّا البقيّة المتضادّة فهي غير قابلة للتحقّق عرضاً في حدّ أنفسها ، سواء أكانت تحت يد الغاصب أم المالك ، فكيف يصحّ إطلاق التلف أو الإتلاف عليها ؟! بل هي تالفة في طبعها وذاتها ، سواء أغصبها الغاصب أم لا .

   وبالجملة :  الغصب وعدمه بالإضافة إلى عدم وجود بقيّة المنافع على حدٍّ سواء ، فكيف يصحّ إسناد عدمها إلى الغاصب ليكون ضامناً ؟! وإنّما يتّجه ضمانه بالنسبة إلى خصوص ما استوفاه أو ما أتلفه وإن لم يستوفه ، كما لو كانت الدابّة المغصوبة مستعدّة للإيجار لحمل متاع اُجرته كذا فإنّه يصحّ عرفاً أن يقال : إنّ الغاصب أتلف هذه المنفعة ولو لم يستوفها ، سواء أصرف الدابّة في اُجرة زهيدة أم لم يستفد منها شيئاً أبداً ، فإنّه على التقديرين صحّ القول بأ نّه أتلفها باعتبار قابليّتها للوجـود فيكون ضامناً لها لا محالة . وأمّا جميع المنافع فلم يتلفها الغاصب ، فلا موجب لضمانه لها .

   وأين هذا من محلّ الكلام؟! الذي فرض فيه أنّ المستأجر ملك منفعة خاصّة واستحقّ المؤجّر عليه المسـمّاة بمقتضى الإجارة الصحيحة ولكنّه لم يستوفها واسـتوفى بدلها منفعة اُخرى مضادّة هي ملك للمالك ، فإنّ مثله طبعاً يضمن ضمانين : أحدهما بالعقد ، والآخر بالاستيفاء حسبما عرفت بما لا مزيد عليه .

   هذا كلّه بناءً على ما هو التحقيق من إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة .

   وأمّا بناءً على عدم الإمكان كما لعلّه المعروف والمشهور ، فيدور الأمر وقتئذ بين وجوه ثلاثة :

   أحدها :  الالتزام بأنّ المالك إنّما يملك المنفعة الكلّيّة ـ أعني : الجامع بين تلك

ــ[317]ــ

المنافع المتضادّة ـ مخيّراً في التطبيق على أيّ فرد منها شاء ، فإذا طبّقه على منفعة خاصّة ، كما لو آجر الدابّة للحمل ـ مثلاً ـ فلم يبق له في مدّة الإجارة أيّ ملك في الدابّة ما عدا ذات العين .

   وعليه ، فلو استعملها المستأجر في جهة اُخرى فبما أنّ تلك الجهة لم تكن مملوكة فطبعاً لم يكن هو ضامناً لأيّ أحد . ونتيجة ذلك هو القول بعدم ضمان المستأجر لما عدا الاُجرة المسـمّاة .

   ولكن هذا شيء لا يمكن الالتزام به قطعاً ، وذلك لأنّ مقتضاه جواز استيفاء المنفعة العظمى بدلاً عمّا وقعت عليه الإجارة من المنفعة الضـئيلة بإزاء اُجرة زهيدة ، كما لو استعمل العبد الذي استأجره للكتابة أو الدابّة المستأجرة لإدارة الرَّحَى في حمل صخرة كبرى ونحو ذلك من الأعمال الشاقّة التي ربّما تعادل اُجرتها أضعاف الاُجرة المسـمّاة . وهذا شيء لا يمكن الإفتاء به من متفقّه فضلاً عن فقيه ، وإنّما يشبه فتاوى أبي حنيفة وأضرابه ، مضافاً إلى مخالفته لصحيحة أبي ولاّد الصريحة في ضمان المنافع المستوفاة .

   ثانيها :  الالتزام بأنّ المستأجر لمّا لم يستوف المنفعة المستأجرة واستوفى بدلها منفعة اُخرى مضادّة ، اقتضى ذلك انفساخ عقد الإجارة وفساده ، ومن ثمّ لم يضمن ما عدا اُجرة المثل بالنسبة إلى ما استوفاه ويفرض العقد كأن لم يكن ، نسب ذلك إلى العلاّمة (1) وغيره .

   وقد يقال : إنّ هذا هو المستفاد من صحيحة أبي ولاّد ، بدعوى أنّ الاقتصار على التعرّض لاُجرة المنافع المسـتوفاة والسكوت عن دفع الاُجرة المسـمّاة يكشف عن أنّ الواجب إنّما هو اُجرة المثل فحسب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر القواعد 2 : 304 .

ــ[318]ــ

   وفيه أوّلاً : أ نّه لم يتّضح أيّ موجب للانفساخ وسقوط الاُجرة المسـمّاة ، فإنّا لو فرضنا أنّ المستأجر أبقى العين عنده معطّلة حتى انقضت المدّة ولم يستوف منها أيّة منفعة ، أفلا يكون ضامناً للاُجرة المسـمّاة ؟ وحينئذ أفهل ترى أنّ انتفاعه منفعة اُخرى يستوجب السقوط وبطلان الإجارة الاُولى ، لا ينطبق ذلك على أيّة قاعدة فقهيّة أو رواية ولو ضعيفة .

   وأمّا الصحيحة المزبورة فقد مرّ البحث حولها قريباً ، فلاحظ ولا نعيد (1) .

   وثانياً : إنّ لازم ذلك براءة ذمّة المستأجر عمّا اشتغلت به حين العقد من غير أيّ مقتض لها فيما لو استوفى بدلاً عن المنفعة المستأجرة منفعة اُخرى ضئيلة اُجرتها يسيرة، كما لو استأجر الدابّة إلى كربلاء بدينار فاستعملها في إدارة الرّحَى التي اُجرتها نصف دينار ـ مثلاً ـ فإنّ مقتضى هذا الوجه براءة ذمّة المستأجر عن الفرق بين الاُجرتين ، الذي كان ثابتاً في ذمّته بمقتضى عقد الإيجار من غير أيّ سبب لها . وهذا كما ترى شيء لا يمكن الالتزام به جزماً .

   هذا، ولأجل وضوح فساد الوجهين المزبورين ذهب جماعة ـ منهم شيخنا الاُستاذ(قدس سره)(2) ـ إلى اختيار :

   ثالث الوجوه : وهو التفصيل بين ما إذا كانت اُجرة المنفعة المستوفاة مساوية للاُجرة المسمّاة أو أقلّ ، وبين ما إذا كانت أكثر ، فعلى الأوّل لا يستحقّ إلاّ المسمّاة ، وعلى الثاني يستحقّها بضميمة الزيادة ، فيجب حينئذ دفع الفرق بين الاُجرتين زائداً على دفع الاُجرة المسمّاة .

   وفيه : أنّ المنفعة المستوفاة إن كانت ملكاً لمالك العين استحقّ حينئذ على المستوفي تمام اُجرة المثل زائداً على الاُجرة المسمّاة ـ كما ذكرناه ـ لا خصوص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 315 .

(2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 87 (تحقيق جماعة المدرسين) .

ــ[319]ــ

الفرق بين الاُجرتين ، وإن لم تكن ملكاً له ـ كما هو مبنى القول بعدم ملكيّة المنفعتين المتضادّتين ـ لم يستحقّ شيئاً زائداً على المسمّاة حتى المقدار الفارق ، إذ بماذا يستحقّ الزائد بعد أن لم تكن المنفعة المسـتوفاة مملوكة له ؟! وما هو الموجب لضمان ما به التفاوت ولم يطرأ تلف أو تصرّف في ملكه ؟!

   فهذا الوجه يتلو سابقيه في الضعف بعد عرائه عن أيّ مستند صحيح .

   إذن لا محيص عن المصـير إلى ما اخترناه تبعاً للمتن من استحقاق كلتا الاُجرتين ، خلافاً لأبي حنيفة المنكر لضمان المنفعة المستوفاة ، زعماً منه أنّ الخراج بالضمان (1) ، كما يظهر من صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة .

   نعم ، ما ذكروه في الوجه الثالث من ضمان الزيادة يتّجه فيما إذا كانت النسبة بين المنفعتين نسبة الأقلّ إلى الأكثر ، لا نسبة التضادّ التي هي محلّ الكلام ، كما لو استأجر دابّة لحمل بضاعة وزنها خمسون كيلو غراماً فحمّلها ما يعادل ستّين، فإنّ المستأجر يضمن لا محالة لهذه الزيادة إضافةً على ضمانه للاُجرة المسـمّاة ، إذ لا موجب لذهاب تلك المنفعة التي هي باقية على ملك المالك هدراً ، وقد كانت قابلة لأن يستوفيها المالك من الأوّل بأن يؤجّر الدابّة لحمل الستّين بدلاً عن الخمسين .

   والظاهر أ نّه لا خلاف هنا في ضمان اُجرة المثل لتلك الزيادة ، ولا يقاس ذلك بالمنافع المتضادّة ، لعدم كونه منها حسبما عرفت .

   ولكن أبا حنيفة خالف في هذه المسألة أيضاً على ما في الفقه على المذاهب الأربعة (2) ، بدعوى أنّ المستأجر غاصب في تلك الزيادة ، والغاصب لا يضمن المنافع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1 .

(2) الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 124 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net