التخيير عند تساوي المجتهدين 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2119


   التخيير عند تساوي المجتهدين

   (1) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة أو احتملنا الأعلمية في كل منهما فالكلام قد يقع في صورة عدم العلم بالمخالفة بينهما فيما هو محل الابتلاء ، واُخرى في صورة العلم بمخالفتهما .

   أما الصورة الاُولى : كما هي الغالبة في العوام ، فلا ينبغي التأمل في أن المكلف يجوز له أن يقلّد هذا أو ذاك وأنه يتخيّر بينهما لأن غير الأعلم إذا جاز تقليده عند عدم العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم ، جاز أن يقلّد كلاً من المجتهدين المتساويين في تلك الصورة بطريق أولى ، ولا مانع من أن تشمل إطلاقات أدلة الحجية فتوى كل من المجتهدين المتساويين ونتيجته أن المكلف له أن يقلّد هذا أو ذاك .

   ومعنى الحجية على ما حققناه في محلّه (2) هو جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً أعني جعل الطريقية إلى الواقع ، وأثرها تنجيز الواقع على تقدير المصادفة والتعذير عنه على تقدير الخطأ ، وحيث إن التخيير في المقام مستند إلى العلم الاجمالي وعلى تقدير انحلاله فهو مستند إلى الاحتمال ، فالواقع متنجز على المكلف من غير ناحية فتوى المجتهدين ومعه يكون أثر الحجية هنا هو المعذّرية عن مخالفة الواقع على تقدير مخالفة الفتوى للواقع . إذن لا مانع من اتصاف كل من فتوى المجتهدين المتساويين بالحجية بمعنى المعذرية لاطلاق أدلتها ، ونتيجته أن المكلف مخير بينهما وله أن يرجع إلى هذا أو ذاك . بل الأمر كذلك حتى إذا كان أحدهما أعلم ، إذ لا علم بالمخالفة بينهما ومجرّد احتمال المخالفة غير مانع عن الحجية فإن الأصل عدمها .

   ثمّ إن معنى جواز الرجوع إلى هذا أو إلى ذاك أن المكلف مخير في الأخذ وأن له أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مع عدم العلم بالمخالفة ، وإلاّ فيأخذ بأحوط القولين ولو فيما كان أحدهما أورع .

(2) مصباح الاُصول 2 : 104 .

ــ[136]ــ

يأخذ بهذا أو بذاك ، لا أن الحجية تخييرية . بل الحجية بمعنى الطريقية إلى الواقع والمعذّرية عنه على تقدير الخلاف ثابتة لكلتا الفتويين، فهما حجتان تعيينيتان في نفسيهما وإن كان تنجز الحكم والمنع عن جريان البراءة مستنداً إلى أمر آخر كالعلم الاجمالي أو الاحتمال قبل الفحص ، هذا كلّه عند عدم العلم بالمخالفة بينهما .

   وأما الصورة الثانية : أعني ما إذا علمنا بالمخالفة بينهما فالمعروف فيها بين الأصحاب (قدّس سرّهم) هو التخيير وما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه :

   الأوّل : إطلاقات الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه ، فإنها كما تشمل فتوى هذا المجتهد كذلك تشمل فتوى المجتهد الآخر والنتيجة هو التخيير بينهما .

   وفساد هذا الوجه مستغن عن البيان ، لما مرّ غير مرة من أن إطلاق أدلة الاعتبار لا يمكن أن يشمل المتعارضين ، لأن شمولها لأحدهما من غير مرجح وشمولها لهما معاً يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين .

   الثاني : السيرة العقلائية بدعوى أنها جرت على التخيير في أمثال المقام ومن هنا لم يسمع توقفهم في العمل برأي واحد من أهل الخبرة والاطلاع إذا خالفه منهم آخر . بل السيرة المتشرعية أيضاً جارية على ذلك لأنهم يعتمدون على فتوى أحد المجتهدين المتساويين ولا يتوقفون في ذلك بوجه .

   ويدفعه : أنه إن اُريد بالسيرة جريان سيرة العقلاء على التخيير عند العلم بالمخالفة بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة فهي دعوى باطلة ، فإنها خلاف ما هو المشاهد منهم خارجاً لأنهم لا يعتمدون على قول مثل الطبيب عند العلم بمخالفته لقول طبيب آخر عند المعالجة بل يحتاطون في أمثالها إن أمكنهم الاحتياط . وإن اُريد بالسيرة سيرة المتشرعة فهي على تقدير ثبوتها ـ ولم تثبت ـ لم يحرز كونها متصلة بزمان المعصومين (عليهم السّلام) إذ من أخبرنا أن مجتهدين كانا في الفضيلة على حد سواء وعملت المتشرعة على فتوى كليهما مخيراً ، ولم يردع الأئمة (عليهم السّلام) عن فعلهم ذلك لنستكشف بذلك أن السيرة ممضاة من قبلهم وهي الّتي وصلت إلينا يداً بيد ، بل من الجائز أن تكون السيرة على تقدير كونها كذلك ناشئة من فتوى المفتين من أصحابنا بالتخيير .

ــ[137]ــ

   الثالث : دعوى الاجماع على التخيير في المسألة .

   وفيه : أنه إجماع منقول بالخبر الواحد ، ولا يمكننا الاعتماد عليه ، على أن الاتفاق غير مسلّم في المسألة ، لأنها من المسائل المستحدثة ولم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم فكيف يمكن معه دعوى الاجماع على التخيير بين المجتهدين المتساويين . بل لو فرضنا العلم باتفاقهم أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه ، إذ لا يحتمل أن يكون اتفاقهم هذا إجماعاً تعبدياً يستكشف به قول المعصوم (عليه السّلام) وإنما هو أمر مستند إلى أحد الوجوه المذكورة في المسألة . فالمتحصّل إلى هنا أن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يقم عليه دليل . بل الحجية التخييرية أمر غير معقول في مقام الثبوت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net