جواز استئجار المرأة للإرضاع - لو كانت المرأة المستأجرة مزوّجة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1564


ــ[357]ــ

   [ 3336 ] مسألة 7 : يجوز استئجار المرأة للإرضاع (1) ، بل للرضاع بمعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من بناء العقلاء ، بل لم يقم دليل على جواز النيابة عن الأحياء في غير باب الحجّ .

   وعليه ، فلو صاد سمكة أو حاز عرصة نيابةً عن غيره لم تقع له ، إذ لا دليل على صحّة هذه النيابة ، فلا جرم تقع عن نفسه باعتبار أ نّه هو الذي استولى على المباح وأخذه .

   وأمّا الجعالة بأن قرّر جعلاً لمن حاز له مباحاً ، أو الأمر بالحيازة على نحو يستتبع الضمان بأن لم يقصد به المجّان ـ وإلاّ فمع قصده رجع إلى استدعاء النيابة تبرّعاً ، وقد عرفت الحال فيها آنفاً ـ فالظاهر أنّ حكمهما حكم الإجارة .

   والوجه فيه : أنّ الجاعل أو الآمر وإن لم يملك على المأمور أو المجعول له شيئاً قبل تصدّيه للعمل، إلاّ أ نّه بعد التصدّي والإتيان به خارجاً المستوجب لاستحقاق العامل الجعل أو اُجرة المثل فالعمل المزبور يقع وقتئذ ملكاً له ـ أي للجاعل أو الآمر ـ لا محـالة ، وينتج نتيجة الإجارة ، غايته أنّ الملكيّة فيها تسـبّبت عن نفس العقد ، وهنا عن العمل الخارجي ، فإذا كان العمل ملكاً له كانت نتيجة العمل وما يترتّب عليه ـ أعني : نفس المحوز ـ ملكاً له أيضاً كما في الإجارة .

   وعلى الجملة :  إذا صحّت الإجارة على عمليّة الحـيازة بالسـيرة العقلائيّة صحّت الجعالة والأمر بمناط واحد ، ويكون ما يترتّب على هذا العمل ملكاً للجاعل أو الآمر كما كان ملكاً للمستأجر حسبما تقدّم .

   (1) يقع الكلام :

   تارةً :  في إجارة المرأة نفسها للإرضاع . ولا ينبغي الشكّ في صحّتها ، فإنّ الإرضاع عمل محـترم مرغوب فيه عند العقـلاء يبذل بإزائه المال ، فتكفـينا

ــ[358]ــ

الانتفاع بلبنها وإن لم يكن منها فعل مدّة معيّنة . ولا بدّ من مشاهدة الصبي الذي استؤجرت لإرضاعه، لاختلاف الصبيان، ويكفي وصفه على وجه يرتفع الغرر . وكذا لا بدّ من تعيين المرضعة شخصاً أو وصفاً على وجه يرتفع الغرر . نعم ، لو استؤجرت على وجه يستحقّ منافعها أجمع التي منها الرضاع لا يعتبر حينئذ مشاهدة الصبي أو وصفه . وإن اختلفت الأغراض بالنسبة إلى مكان الإرضاع ، لاختلافه من حيث السهولة والصعوبة والوثاقة وعدمها ، لا بدّ من تعيينه أيضاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العمومات مضافاً إلى التصريح في الكتاب العزيز ، قال سبحانه في المطلّقات : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (1) .

   واُخرى :  في استئجارها للرضاع ، وهذا يتصوّر على قسمين :

   فتارةً :  تؤجّر نفسها للانتفاع بلبنها على سبيل الارتضاع وإن لم يصدر منها أيّ فعل خارجي ، وربّما يرتضع الصبي وهي نائمة فتقع هي مورداً للإجارة بلحاظ منفعة الارتضاع ، كوقوع الدار مورداً للإيجار بلحاظ منفعة السكنى .

   ولا ينبغي الشكّ في صحّتها أيضاً ، فإنّ حيثية كون المرأة قابلة للارتضاع كحيثيّة كون الدار قابلة للسكنى منفعة محلّلة قابلة لأن تملك بالإيجار كما هو واضح .

   وتارةً اُخرى :  تؤجّر نفسها للانتفاع بلبنها ولو بغير الارتضاع بأن يحلب اللبن فيشربه المريض أو الصبي، نظير استئجار الأشجار للانتفاع بأثمارها والشاة بلبنها والآبار للاستقاء ونزح مياهها ونحو ذلك ممّا تكون مصاديق المنفعة أعياناً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطلاق 65 : 6 .

ــ[359]ــ

خارجيّة .

   وقد وقع الكلام في صحّة الإجارة في أمثال هذه الموارد حسبما سيشير إليه الماتن في المسألة الثانية عشرة الآتية .

   فربّما يقال بالبطلان في جميعها ، نظراً إلى تقوّم الإجارة بتعلّق الملكيّة فيها بالمنفعة ، وبذلك تفترق عن البيع وهي قد تعلّقت في هذه الموارد بالأعيان ، فلا ينطبق عليها العنوان ، وبما أ نّها غير موجودة ، بل غير معلومة كمّاً وكيفاً ، فلا يصحّ بيعها أيضاً .

   أضف إلى ذلك : أنّ الانتفاع في هذه الموارد إنّما هو بإتلاف الأعيان ، ولا بدّ في الإجارة من أن تكون العين باقية ، فهي مخالفة لما استقرّ عليه وضع الإيجار .

   أقول :  قد ذكرنا في أوّل كتاب الإجارة(1) : أنّ ملكيّة الأعيان تستتبع ملكيّة المنافع القائمة بها وإن تأخّرت واستمرّت ، من غير فرق بين الملكيّة الأصليّة الأوّلية الناشئة من حيازة المباحات التي تنتهي إليها كافّة الأملاك ، أو الثانويّة المسبوقة بمثلها الحاصلة من سبب ناقل اختياري أو غيره من بيع أو إرث أو توالد ونحو ذلك . فكلّ من ملك عيناً فهو يملك منفعتها بتبع هذه الملكيّة . ثمّ إنّه قد يبقي العين لنفسه ويملّك المنفعة لغيره ، وقد يعكس ، وربّما يملّكهما معاً على نحو ما ملك . ومن ذلك ينتزع البيع والإجارة والبيع مسلوب المنفعة .

   وكيفما كان ، فكما أنّ المنافع تتبع الأعيان في الملكيّة على ما هو الشائع الذائع، فكذلك ربّما تنعكس فتكون ملكيّة العين تابعة لملكيّة المنفعـة كما في الموارد المتقدّمة .

   فإنّ من منافع الشاة ـ مثلاً ـ حيثيّة كونها قابلة للحلب ، كما أنّ من منافع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 4 .

ــ[360]ــ

الأشجار حيثيّة استعدادها للإثمار، وكذا الآبار لنزح المياه وهكذا، وهذه الحيثيّات التي هي أعراض قائمة بذوات الأعـيان المستأجرة من الشاة والشجر والبئر ونحوها تستتبع لدى استيفائها وخروجها عن القوّة والاستعداد إلى مرحلة الفعليّة أعياناً اُخر كاللبن والثمر ، ولا شكّ أ نّها مملوكة لمن يملك المنفعة بتبع ملكيّته للمنفعة ، فالثمر ـ مثلاً ـ مملوك تبعاً لمن يملك حيثيّة أثمار الشجر الذي قد يكون هو مالك العين الاُولى ـ أعني : ذات الشجر ـ كما في مورد البيع ونحوه ، وقد يكون غيره كما في مورد الإيجار ، فيكون الثمر حينئذ ملكاً للمستأجر ـ لا المؤجّر ـ بتبع ملكيّته للمنفعة .

   وهكذا الحال في سائر الأمثلة التي من جملتها الآلات المعدّة للصيد ، كما هو المتعارف من جعل الشبكة ووضعها بمثابة تصلح لصيد السمكة ، فإنّ مالك الشبكة مالك لهذه المنفعة ـ أعني : حيثيّة قابليّتها لأن يصاد بها السمك ـ فإذا وقعت بعدئذ سمكة فيها فلا جرم كانت مملوكة تبعاً لمالك تلك الحيثيّة الذي ربّما يكون شخصاً آخر غير مالك ذات الشبكة، كما لو كانت مستأجرة حسبما عرفت .

   وعلى الجملة : الذي يعتبر في مورد الإجارة ويتقوّم بها مفهومها تعلّق الملكيّة بالمنفعة لا بالعين الواقعة مورداً للإجارة ، بل هي باقية تحت ملكيّة المؤجّر .

   ولا منافاة بين هذا وبين ملكيّة المستأجر لعين اُخرى غير ما وقعت عليه الإجارة ستوجد فيما بعد ويملكها المستأجر بتبع ملكيّته للمنفعة كما كان يملكها نفس مالك العين قبل الإيجار وحينما كان مالكاً للمنفعة ، حيث عرفت أنّ هذه العين مملوكة تبعاً لمن يملك الحيثيّة القائمة بالعين ، أعني : استعدادها للحلب أو الإثمار ـ مثلاً ـ التي هي قابلة للنقل إلى الغير بالإجارة ، كما يمكن العكس فيبقي المالك هذه الحيثيّة لنفسه ويبيع العين مسلوبة المنفعة ، المستلزم لكون الثمر أو اللبن له حينئذ لا للمشتري .

 
 

ــ[361]ــ

   فهذه الأعيان المستجدّة وإن كانت مملوكة للمستأجر في هذه الموارد ، لكن ملكيّتها لم تنشأ في عقد الإيجار ليتنافى مع مفهوم الإجارة كما توهّم ، بل المنشأ ليس إلاّ ملكيّة المنفعة فحسب ، وإنّما هذه تملك بتبع ملكيّة المنفعة . وعلى ذلك جرت السيرة العقلائية في أمثال هذه الإجارات ، بل أنّ إجارة البساتين بل مطلق الأراضي والدور لا تنفكّ عن ذلك ، لعدم خلوّها غالباً عن الآبار للزراعة أو الشرب سيّما في الأزمنة السابقة ، فيكون الماء المستقى منها مملوكاً للمستأجر مع أنّ الإجارة لم تتعلّق إلاّ بالبئر أو الأرض، والسرّ ما عرفت من تبعيّته للمنفعة في الملكيّة .

   فالذي ينافي مفهوم الإجارة تعلّق التمليك بالعين ابتداءً ، وأمّا بتبع ملكيّة المنفعة فلا ضير ولا محذور فيه أبداً .

   هذا ، وربّما (1) يفصّل في الصحّة في هذه الموارد بين ما كان من قبيل إجارة الشاة للحلب ، وبين إجارة الشجر لأجل الثمر ، فيلتزم بالصحّة في الأوّل دون الثاني ، نظراً إلى صدق التبعيّة في الأوّل لما يرتكبه المستأجر من عمليّة الحلب ، فتكون العين تابعة لانتفاع المستأجر بمثل الحلب أو النزح ونحوهما ، وأمّا في الثمر فليس ثمّة أيّ عمل من ناحية المستأجر وإنّما الشجر يثمر بنفسه .

   ولكنّك خبير بصدق التبعيّة في كلا الموردين من غير إناطة بصدور عمل منه كما تقدّم من التمثيل بشبكة الصيّاد ، فلو استأجر الشبكة المعدّة للصيد وبعدئذ وقعت فيها سمكة من دون أيّ عمل من المستأجر ملكها بالتبع ، فالعين تابعة لملكيّة المنفعة لا للتصدّي للانتفاع .

   وعلى الجملة : فكلّ من كان مالكاً لمنفعة الشبكة أو الشجرة ، أي قابليّتها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما عن المحقّق الاصفهاني في بحوث في الفقه (الإجارة) : 178 ـ 181 .

ــ[362]ــ

   [ 3337 ] مسألة 8 : إذا كانت الامرأة المستأجرة مزوجة (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاصطياد أو الإثمار ، فطبعاً كان مالك القابليّة مالكاً للفعليّة أيضاً بالتبعيّة ، فإنّ خروج الثمر ـ مثلاً ـ فعليّةٌ لذاك الاستعداد ، وتحقّقٌ عيني لتلك القابليّة ، وخروجٌ من القوّة إلى مرحلة الفعليّة من غير توقّف على صدور أيّ عمل منه .

   فتحصّل :  أنّ الأظهر صحّة الإجارة في جميع تلك الموارد كما سيذكره الماتن في المسألة المشار إليها ، وإن كان تعليله بكون تلك الأعيان تعدّ من منافع العين المستأجرة في نظر العرف لايخلو من المسامحة، بل هو تطويل لا حاجة إليه أبداً.

   والصحيح ما عرفت من كونها مملوكة بتبع ملكيّة الحيثيّة القائمة بالعين المطّردة في جميع تلك الأمثلة حسبما تقدّم .

   (1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم استئجار المرأة المزوجة وفي المسألة الآتية لحكم عكسها ، أعني : ما لو كانت خليّة فاستؤجرت للإرضاع ثمّ تزوّجت .

   فذكر (قدس سره) هنا أ نّه لا مانع من ذلك فيما إذا لم تكن هناك مزاحمة لحقّ الاستمتاع الثابت للزوج من دون حاجة إلى الاستئذان منه ، بل نصّ بعضهم على جوازه حينئذ حتى مع منع الزوج ، إذ ليس له منعها عمّا لا ينافي حقّه مكاناً ولا زماناً بعد أن كانت هي حرّة مالكـة لأمرها ومسـلّطة على مـنافعها من الخدمات التي منها الإرضـاع ، ولذلك جـاز لها أخذ الاُجرة من زوجها على إرضاعها لولده ، سواء أكان منها أو من غيرها ، فلا يجب عليها الإرضاع مجّاناً بعد أن لم يكن اللبن له ، ومن البيّن أنّ الإطاعة الواجبة عليها خاصّة بما يعود إلى الاستمتاع والتمكين فحسب .

   وعلى الجملة : فلا تأمّل في صحّة الإجارة في صورة عدم المزاحمة حتى مع منعه فضلاً عن الحاجة إلى إذنه . وهذا واضح لا غبار عليه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net