وجوه لكيفيّة الاستئجار للحجّ المندوب والزيارة - هل مقدّمات العمل في عهدة المؤجر أو المستأجر ؟ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1690


ــ[397]ــ

   [ 3350 ] مسألة 21 : في الاستئجار للحجّ المستحبّي أو الزيارة لايشترط أن يكون الإتيان بها بقصد النيابة (1) ، بل يجوز أن يستأجره لإتيانها بقصد إهداء الثواب إلى المستأجر أو إلى ميّته ، ويجوز أن يكون لا بعنوان النيابة ولا إهداء الثواب ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يدرك صلاحه وفساده ولا يتمكّن من إدارة شؤونه ، كما يشير إليه قوله تعالى : (فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً) إلخ (1) ، لا المعاملة السفهائيّة الصادرة ممّن يدرك ومع ذلك أقدم وفعل لغاية هو أدرى بها . ومن البيّن عدم إطلاق اسم السـفيه على من تصدر منه مثل هذه المعاملة السفهائيّة مرّة أو مرّتين ، بل مقتضى عمـوم : «الناس مسلّطون» إلخ ، صحّة هذه المعاملة الحاوية لغرض شخصي وإن كانت فاقدة لغرض نوعي عقلائي .

   وحيث لم يتمّ شيء من الأمرين فالظاهر أ نّه يكفي في صحّة الإجارة ـ كالبيع ـ مجرّد تعلّق غرض شخصي مصحّح لاعتبار الملكيّة ، سواء أكان الغرض عقلائيّاً ولو نادراً أم لا حسبما عرفت .

   (1) ذكر (قدس سره) وجوهاً ثلاثة لكيفيّة الاستئجار للحجّ المندوب والزيارة :

   أحدها :  ما هو المتداول من الإتيان بها بقصد النيابة .

   ثانيها :  الإتيان بقصد اهداء الثواب .

   ثالثها :  لا هذا ولا ذاك ، بل مقصود المستأجر مجرّد إيجادها في الخارج ولو كان عن الأجير نفسه ، أو نيابةً عمّن يريد ، نظراً إلى أ نّه عمل محبوب لله فيريد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء 4 : 6 .

ــ[398]ــ

بل يكون المقصود إيجادها في الخارج من حيث إنّها من الأعمال الراجحة فيأتي بها لنفسه ولمن يريد نيابةً أو إهداءً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المستأجر تحقّقه خارجاً كيفما اتّفق وإن لم ينتفع هو بشخصه ، كما في الإجارة على كنس المسجد وإن لم يصلّ المستأجر فيه ، فيستأجر أحداً للحجّ أو لزيارة الحسين(عليه السلام) رغبةً منه في تكثير الحجّاج أو زوّار  الحسين (عليه السلام) .

   ولا ينبغي الشكّ في صحّة الإجارة بكلّ من الوجوه الثلاثة ، عملاً بإطلاق الأدلّة كما أفاده في المتن .

   غير أ نّه ربّما يستشكل في الوجه الثاني بجهالة ترتّب الثواب ، لجواز اقتران العمل بموانع القبول ، فلم يحرز استحقاق المثوبة ، ومع الجهل به يشكّ في التمكّن من الإهداء ، للشكّ في تحقّق موضوعه . ومثله لا يصلح طرفاً للمعاوضة كما لا يخفى .

   ويندفع : بعدم كون الثواب مملوكاً لأحد لكي يهديه حتى مع العلم بصحّة العمل ، وعدم اقترانه بموانع القـبول ، فإنّ الثواب إنّما ثبت بوعد الله سبحانه وتفضّله ، لا باستحقاق من العبد وتملّكه ، بل وظيفته العبوديّة والمثول بين يديه من دون أن يملك جزاءً من ربّه ، فليس الثواب تحت حيطته وسلطته في أيّ مورد حتى يقال بأ نّه مع الشكّ فيه كيف تصحّ الإجارة على الإهداء ؟!

   بل معنى إهداء الثواب أحد أمرين :

   إمّا جعل العمل له بأن ينوي بقاءً وقوعه عنه بدلاً عن النيابة عنه حدوثاً ومن أوّل الأمر ، كما لعلّه المتراءى من قوله (عليه السلام) في معتبرة ابن المغيرة : « ... فاجعل ذلك لها الآن» (1) ، ولا ضير في تأخير النيّة في الاُمور الاعتبارية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 11 : 204 /  أبواب النيابة في الحج ب 29 ح 1 .

ــ[399]ــ

   [ 3351 ] مسألة 22 : في كون ما يتوقّف عليه استيفاء المنفعة كالمداد للكتابة والإبرة والخيط للخياطة ـ مثلاً ـ على المؤجّر أو المستأجر، قولان (1)، والأقوى وجوب التعيين ، إلاّ إذا كان هناك عادة ينصرف إليها الإطلاق ، وإن كان القول بكونه مع عدم التعيين وعدم العادة على المستأجر لا يخلو عن وجه أيضاً ((1)) ، لأنّ اللازم على المؤجّر ليس إلاّ العمل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مساعدة الدليل ، ومن المعلوم أنّ الإهداء بمعنى الجعل أمر اختياري له أن يجعل وأن لا يجعل .

   أو بمعنى الطلب من الله والدعاء والابتهال إليه بأن يتفضّل فيعطي الثواب إلى شخص آخر ، كما قد يظهر ممّا ورد في بعض الزيارات من قول : اللّهمّ اجعل ثواب هذا ، إلخ . وهذا أيضاً فعل اختياري كسابقه .

   وعلى التقديرين فمورد الإجارة فعل اختياري صادر من الأجير له أن يفعل وأن لا يفعل .

   وأمّا بحسب النتيجة هل يترتّب الثواب أو لا ؟

   فالأجير أجنبي عن ذلك ، فإنّه إنّما يأخذ الاُجرة بإزاء عمله المملوك له وهو الإهداء بأحد المعنيين ، وأمّا ترتّب الثواب خارجاً فلا يرتبط به وخارج عن مورد الإجارة ، والمصحّح للإهداء المزبور هو مجرّد احـتمال ترتّب الثواب كما لا يخفى .

   (1) فعن جماعة : أ نّها بأجمعها على الأجير ، لوجوب العمل عليه بمقتضى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والأفضل التفصيل بين ما يبقى للمستأجر بعد العمل كالخيط وما لا يبقى له كالإبرة وإنّما هو من معدّات العمل ، فما كان من قبيل الأوّل فعلى المستأجر ، وما كان من قبيل الثاني فعلى المؤجّر .

ــ[400]ــ

عقد الإيجار ، فيجب ما يتوقّف العمل عليه أيضاً ، لأنّ مقدّمة الواجب واجبة .

   وعن آخرين : أ نّها على المستأجر ، إذ ليس في عهدة الأجير ما عدا العمل المحض ، وأمّا الأعيان فهي خارجة عن مفهوم الإجارة .

   واختار الماتن وجوب التعيين ـ فيما إذا لم تقم قرينة عليه من الخارج أو عادة ينصرف إليها الإطلاق ـ عند العقد، لرفع الجهالة المعتبر في صحّة الإجارة، وإن مال أخيراً إلى الوجه الثاني ، لما عرفت .

   والصحيح في المقام أنّ يقال : إنّه إن كانت هناك قرينة داخليّة أو خارجيّة دالّة على التعيين فهو ، وإلاّ فلا بدّ من التفصيل بين مقدّمة العمل وموضوعه ، أو فقل بين ما يبقى للمستأجر بعد العمل وما لا يبقى .

   بيان ذلك : أنّ العمل المستأجر عليه على ضربين :

   فتارةً :  لا يحتاج في تحقّقه إلى أيّ موضوع مفروض الوجود خارجاً ، وإنّما هو عمل بحت قائم بشخص الأجير، غاية الأمر أنّ لهذا العمل ـ كسائر الأعمال ـ مقدّمات وجوديّة يتوقّف تحقّقه على تحصيلها .

   وفي مثله لم يكن بدّ للأجير نفسه من التصدّي لتحصيلها مقدّمةً لإيجاد ما يتوقّف عليها ، الذي وجب عليه الخروج عن عهدته بمقتضى عقد الإيجار .

   وهذا كما لو استؤجر لأداء الحجّ أو الصلاة عن الميّت ، فإنّ للحجّ مقدّمات ماليّة من الزاد والراحلة وثوبي الإحرام ، وكذلك الصلاة من تحصيل ماء للطهور ولباس للستر وهكذا من سائر المقدّمات الوجوديّة ، فإنّ اللازم على الأجير تحصيلها برمّتها ـ كما عرفت ـ وليس له مطالبة المستأجر بشيء منها ، لأ نّه قد استؤجر على الإتيان بصلاة صحيحة أو حجّ كذلك ، فهو المسؤول عن الصحّة والإتيان بمقدّماتها .

   وتارةً اُخرى :  يكون للعمل موضوع في الخارج وقد وقعت الإجارة على

 
 

ــ[401]ــ

إيجاد هيئة من الهيئات في هذا الموضوع ، كما في إجارة شخص للبناية أو الخياطة أو الكتابة أو الصباغة ونحوها من الأعمال القائمة بالموضوع والحادثة في محلّ مخصوص ، فإنّ إحضار الموضوع وما هو معروض للعمل في عهدة المستأجر وخارج عن شؤون الأجير بما هو أجير .

   فتحصيل مواد البناية ـ مثلاً ـ من الجصّ والطابوق والحديد ونحوها من وظائف المستأجر ، إذ ليس المطلوب من الأجير إلاّ إيجاد هيئة لهذه المواد يعبّر عنها بالدار ـ مثلاً ـ وعملية البناية المستأجر عليها عبارة عن نفس إيجاد هذه الهيئة فحسب .

   وهكذا الخيّاط ، فإنّ وظيفته تفصيل الثوب وإدخال الخيوط فيه على نهج مخصوص تحدث منه هيئة خاصّة ، يعبّر عن هذه العملية بالخياطة ، وأمّا إيجاد الموضوع الذي توجد فيه هذه الهيئة من الثوب والخيوط فهو أجنبي عنه ومن وظائف المستأجر نفسه .

   وهكذا الحال في الأجير على الكتابة ، فإنّ تحصيل المداد غير واجب عليه ، وإنّما الواجب جعل المداد على القرطاس على نحو خاصّ .

   وهكذا الصبّاغ ، فإنّ وظيفته تلوين المحلّ بالصبغ لا تحصيل نفس الصبغ .

   وبالجملة :  فينبغي التفصيل بين ما يعدّ مقدمة للعمل ولا يبقى منه فيه أثر ، كإجارة الدابّة المتوقّف عليها الحجّ ، وشراء الماء لوضوء الصلاة ، فعلى عاتق الأجير . وبين ما هو معروض العمل  وموضوعه ويبقى أثره بعد العمل ، كالخيوط في الثوب ، والحبر في القرطاس ، والصبغ في الباب ، والجصّ في الدار ، حيث إنّ هذه الآثار تبقى للمستأجر بعد الانتهاء من العمل ، فتحصيل هذه المواد من وظائف المستأجر وليس في عهدة الأجير ما عدا إحداث الهيئات فيها حسبما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net