كلام في جهات لتوضيح صور الضّرر 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1815


   ثانيتهما :  أن يكون الضرر المزبور مزاحماً بتضرّر المالك، فعورض ضرر القلع بضرر الصبر، وبعد تعارض الضررين من غير ترجيح في البين المانع حينئذ من التمسّك بالقاعدة يرجع إلى قاعدة السلطنة التي مفادها جواز إلزام الغارس بالتخلية .

   أقول : تفصيل الكلام على نحو تتّضح صور الضرر في المقام يستدعي التكلّم في جهات :

   الاُولى :  لا ينبغي التأمّل في أ نّه لا يسوغ لأحد أن يكون في مقام الإضرار بالغير وبصدد ورود النقص عليه ، ولعلّ هذا يستفاد من عدّة أخبار مضافاً إلى عدم الخلاف فيه :

   منها قوله (عليه السلام) : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ، فإنّ «ضرار» مصدر باب المفاعلة كقـتال ، وهذا الباب يدلّ ـ على الأظهر ـ على قيام الشخص مقام إيجاد المادّة في الخارج سواء أوجدت أم لا ، فإنّ معنى قولك : قاتلت زيداً أو كاتبته ، أ نّك تصدّيت لقتله أو الكتابة إليه ، وقمت في هذا المقام سواء أوقع القتل أو وصل الكتاب إليه خارجاً أم لا .

   ويستفاد هذا بوضوح من قوله تعالى : (يُخَادِعُونَ اللهَ وَا لَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ)(1) إلخ، فإنّ المخادعة معناها : القيام مع الغير مقام الخديعة ، وأمّا أ نّها هل تقع خـارجاً أو لا ؟ فهو أمر آخر ، ومن ثمّ قال تعـالى : (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم) .

   وعلى هذا فلا تكرار في قوله (عليه السلام) : «لا ضرر ولا ضرار» ، فإنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 9 .

ــ[418]ــ

المراد بالثاني كما يفصح عنه مورد الحديث ـ أعني : قصّة سمرة الذي أراد الإضرار بالأنصاري ـ عدم جواز القيام مقام إضرار الغير الذي هو غير نفي الضرر كما لا يخفى .

   الجهة الثانية :  من يعمل عملاً يترتّب عليه ضرر الغير قهراً ومن دون قصد الإضرار به يتصوّر على قسمين :

   أحدهما :  أن يكون ذلك الضرر تلفاً في عين ماله أو في وصفه أو كيفيّته المستوجب ـ طبعاً ـ نقصاً في ماليّته ، كما لو ترتّب على حفر البئر أو البالوعة تضرّر الجار من نقص ماء بئره أو رطوبة سردابه ونحو ذلك .

   وهذا أيضاً غير جائز ، لا لدليل نفي الضرر ، بل لدلالة النصوص الخاصّة ، التي منها المعتبرة الواردة فيمن جعل رحاه على نهر غيره بإذنه ، وبعدئذ أراد صاحب النهر تغيير مسيره الموجب ـ طبعاً ـ لسقوط الرحى عن حيّز الانتفاع ، فمنعه (عليه السلام) عن ذلك (1) .

   وما ورد في العيون والآبار من عدم جواز الحفر أخفض ممّا للجار بحيث يستوجب نقصان الماء أو نضوبه .

   والظاهر عدم الفرق في المنع بين ما لو تضرّر من عدم الحفر أو لا ، إذ ليس مستنده حديث نفي الضرر ليدّعى تعارض الضررين ، بل المستند النصوص الشامل إطلاقها لكلتا الصورتين .

   وربّما يتوهّم شمول الحديث للمقام ، نظراً إلى أنّ الإضرار بالجار وإن كان محرّماً في نفسه لكن الحرمة لمّا كانت ضرريّة فهي مرفوعة بالحديث .

   وفيه ما لا يخفى ، لوضوح ورود الحديث في مقام الامتنان ، فلا يشمل ما إذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 431 / كتاب إحياء الموات ب 15 ح 1 .

ــ[419]ــ

استلزم نفي الضرر عن أحد إيراد الضرر على شخص آخر .

   وبالجملة :  لا مسرح لحديث لا ضرر في المقام ، ومقتضى إطلاق النصوص الخاصّة قصر السلطنة وعدم جواز التصرّف في ماله متى ما ترتّب عليه تضرّر الغير ، فلو تصرّف وترتّب الضرر كان ضامناً لما أتلف .

   ثانيهما :  أن يترتّب الضرر من غير أن يستوجب تلفاً في عين ماله أو نقصاً في وصفه أو كيفيّته ، كمن استورد مالاً للاتّجار أو بنى داراً للإيجار أو طبع كتاباً ففعل غيره مثله لا بقصد الإضرار وإن تضرّر من فعله بطبيعة الحال .

   وهذا النوع من الإضرار لا دليل على حرمته ، فإنّ الروايات المشار إليها قاصرة الشمول له ، لاختصاص مواردها بالضرر المتضمّن لإيراد تلف أو نقص في العين ، فهي منصرفة عن الضرر من جهة اُخرى بلا نقص في نفس العين أصلاً كما لا يخفى ، ولا دليل آخر على حرمته .

   الجهة الثالثة :  مقتضى إطلاق حديث لا ضرر الحاكم على الأدلّة الأوّلية والموجب لاختصاصها بموارد عدم الضرر عدمُ الفرق بين الضرر الحاصل من باب الاتّفاق وبين ما لو كان المكلّف بنفسه هو السبب في تحقّقه ، كما لو شرب دواءً أو خرج باختياره إلى مكان بارد جدّاً بحيث يمرض لو توضّأ حينئذ أو اغتسل ، فإنّه لا سبيل إلى إلزامه بالطهارة المائيّة بزعم أ نّه هو الذي أوقع نفسه في الضرر ، وإن ورد به نصّ في الغسل وأ نّه إذا أجنب نفسه يغتسل وإن ترتّب عليه ما ترتّب .

   وعلى الجملة :  فأيّ حكم إلزامي تضمّن امتثاله الضرر ولو كان المكلّف هو السبب في ترتّبه فهو مرفوع في الشريعة المقدّسة بمقتضى إطلاق الحديث ، الذي هو كدليـل نفي الحرج ناظرٌ إلى الأحكام التكليفيّة وحاكم عليها وموجب لارتفاع تلك الأحكام إذا ترتّب على امتثالها ضرر أو حرج .

ــ[420]ــ

   الجهة الرابعة :  بعدما عرفت كبرى أقسام الضرر وأحكامها فاعلم أنّ مفاد دليل نفي الضرر نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر حسبما عرفت ، لا تشريع حكم يتدارك به الضرر الموجود أو المتوقّع حصوله ، كما في خيار الغبن ، حيث استند جماعة في ثبوته إلى دليل نفي الضرر بدعوى أنّ لزوم العقد ضرري فيرتفع بالحديث ويلزمه ثبوت الخيار ، وهو كما ترى ، لعدم نشوء الضرر من اللزوم ، وإنّما حصل بنفس العقد الذي أقدم إليه المغبون وامضاه الشارع ، فإنّ الضرر هو النقص في المال وقد تحقّق بنفس افتراض صحّة العقد قبل أن يحكم عليه باللزوم ، غاية الأمر أنّ للشارع تدارك هذا الضرر وجبر الخسران بجعل الخيار ، وقد عرفت أنّ حديث لا ضرر لا ينهض لتدارك الضرر المفروض ، بل مفاده نفي حكم ينشأ منه الضرر لا غير .

   والمقام من هذا القبيل ، فإنّا إذا فرضنا أنّ المدّة كانت وافية وحصل التأخير من باب الاتّفاق فضلاً عمّا إذا لم تكن وافية من الأوّل ، فبعد انقضاء المدّة كان الغرس أو الزرع في معرض القلع ، فالمستأجر متضرّر وقتئذ لا محالة ، غير أنّ هذا الضرر قابل للتدارك بإلزام المالك بالصبر ، لولا أنّ الحديث ناظر إلى نفي الضرر لا إلى تدارك الضرر الموجود كما عرفت ، فلا يجب على المالك إمهال المستأجر ، لعدم الدليل عليه .

   وربّما يتوهّم عدم كون المقام من باب التدارك ، بل هو من قبيل نفي الحكم الضرري ، نظراً إلى أنّ إبقاء المستأجر غرسه أو زرعه في أرض الغير بغير إذنه محرّم ، وحيث إنّ هذه الحرمة من أجل ترتّب الفساد على القلع ضرريّة فهي مرفوعة بحديث نفي الضرر ، فالصبر وإن لم يجب على المالك ـ لما ذكر من عدم لزوم التدارك ـ إلاّ أنّ المستأجر لو تمكّن من إجبار المالك على الإبقاء ساغ له ذلك شرعاً ، لعدم حرمة التصرّف في ملك الغير في حقّه بمقتضى الحديث .

 
 

ــ[421]ــ

   ويندفع : بأنّ مفاد الحديث قاعدة امتنانيّة، ولا شكّ أنّ الإبقاء المزبور مناف لسلطنة المالك ولا سيّما لو تضرّر بذلك ، فهو مخالف للامتنان بالإضافة إليه ، ومعه لا سبيل للتمسّك بالحديث لتجويز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، سواء أتضرّر ذلك الغير أم لا، ومع الضرر أوضح، ولو صحّ ذلك لساغ التصرّف في غير مورد الإيجار أيضاً بمناط واحد ، فلو فرضنا أنّ له بذراً لو لم يزرعه في أرض الغير يتلف أو أنّ له مالاً لو لم يضعه في دار الغير يسرق ، فهل ترى جواز التصرّف حينئذ في ملك الغير بغير إذنه استناداً إلى دليل لا ضرر وإن تضمّن خلاف الامتنان بالإضافة إلى الآخر ؟!

   والمتحصّل من جميع ما ذكرناه :  عدم جواز الإبقاء من غير رضا المالك وعدم وجوب الصبر عليه وإن احتمله في المتن . ولكنّه بعيد جدّاً ، بل لا بدّ من الاستئذان من المالك ، فإن رضي مجّاناً أو مع الاُجرة فهو ، وإلاّ وجب القلع وإن تضرّر .

   هذا فيما إذا كانت المدّة وافية .

   وأمّا إذا لم تكن وافية من الأوّل فبطريق أولى كما لا يخفى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net