هل يضمن الأجير لو تلف المتاع من غير تعدٍّ ولا تفريط ؟ - ثلاث طوائف من الروايات حول الضّمان 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1681


   [ 3360 ] مسألة 5 : إذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدٍّ ولا تفريط وأنكر المالك التلف أو ادّعى التفريط أو التعدّي قُدّم قولهم مع اليمين((1)) على الأقوى(2).

 ـــــــــــــــــــــــــ
   (2) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ العين التي تُدفَع إلى الأجير ليعمل فيها من خياطة أو قصارة أو صياغة ونحوها أمانة عنده ، فلو تلفت تحت يده من غير تفريط أو تعدٍّ لا ضمان عليه ، كما دلّت عليه جملة من الروايات الناطقة بأ نّه مؤتمن ولا ضمان على الأمين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا فيما إذا يكونوا متهمين ، وإلاّ فالقول قول المالك وهم مطالبون بالإثبات شرعاً .

ــ[432]ــ

   كما لا خلاف ولا إشكال في ضمانه مع التعدّي أو التفريط ، لانقلاب يده وقتئذ عن الائتمان إلى العدوان .

   وإنّما الكلام فيما إذا لم يعلم بالحال فادّعى العامل التلف من غير تعدٍّ وأنكر المالك إمّا أصل التلف أو الاستناد إلى عدم التعدّي فوقع بينهما التنازع والترافع ، فأيّ منهما مكلّف بإقامة البيّنة ؟

   نُسِب إلى المشهور بل ادّعي عليه الإجماع : أنّ المكلّف بها هو المالك المدّعي للضمان ، وليس على العامل إلاّ اليمين .

   كما نُسِب إلى المشهور خلافه أيضاً وأنّ البيّنة تُطلَب من العامل ، والناسب هو الشهيد الثاني في المسالك (1) ، ولكن في ثبوت الشهرة إشكالاً . وعلى كلّ حال ، فلا شكّ أنّ كلاًّ من الاحتمالين له قائل قلّ أو كثر والمتّبع هو الدليل .

   فنقول :  لو كنّا نحن والروايات العامّة ولم ترد في المقام رواية خاصّة لم يكن شكّ في أنّ المكلّف بالإثبات إنّما هو المالك ، إذ بعد فرض اتّصاف يد العامل بالأمانة بمقتضى تلك الروايات فانقلابها إلى اليد العادية يحتاج إلى الإثبات ، وإلاّ فالعامل أمين وليس عليه إلاّ اليمين ، فمقتضى القاعدة مطالبة المالك بالبيّنة .

   وأمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة فهي على طوائف ثلاث :

   إحداها :  ما دلّ على ضمان العامل مطلقاً ، أي بلا فرق بين المتّهم وغيره ، وبطبيعة الحال يجب عليه الإثبات لدفع الضمان عن نفسه ، وهي عدّة روايات وأكثرها معتبرة .

   الثانية :  ما دلّ على عدم الضمان مطلقاً .

   الثالثة :  ما تضمّن التفصيل بين المتّهم وغيره بضمان الأوّل دون الثاني .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسالك 5 : 233 ـ 234 .

ــ[433]ــ

   وبما أنّ نسبة الأخيرة إلى كلّ من الاُوليين المتباينتين تماماً نسبة الخاصّ إلى العامّ فتخصّص هي كلاًّ منهما وتصلح أن تكون شاهدة جمع بينهما ، فتُحمَل الاُولى على مورد الاتّهام ، والثانية على مورد الوثوق والائتمان ، وتكون نتيجة الجمع ضمان العامل إذا كان متّهماً ، وعدم ضمانه فيما إذا كان مأموناً .

   ولنذكر من كلّ من الطوائف الثلاث نبذاً من الأخبار .

   فمن الطائفة الاُولى :

   1 ـ  صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال في الغسّال والصبّاغ : «ما سرق منهم من شيء فلم يخرج منه على أمر بين أ نّه قد سرق وكلّ قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شيء ، وإن لم يقم البيّنة وزعم أ نّه قد ذهب الذي ادّعى عليه فقد ضمنه إذ لم تكن له بيّنة على قوله»(1).

   2 ـ  وصحيحة أبي بصير ـ بطريقي الشيخ والصدوق ـ عن ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أ نّه سرق من بين متاعه «قال : فعليه أن يقيم البيّنة أ نّه سرق من بين متاعه وليس عليه شيء ، فإن سرق متاعه كلّه فليس عليه شيء» (2) .

   3 ـ ومعتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن الصبّاغ والقصّار والصائغ احتياطاً على أمتعة الناس» (3) .

   4 ـ  وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سُئل عن رجل جمال استكرى منه إبلاً (إبل . خ ل) وبعث معه بزيت إلى أرض فزعم أنّ بعض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 141 / كتاب الإجارة ب 29 ح 2 .

(2) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 5 ، الفقيه 3 : 162 / 712 ، التهذيب 7 : 218 / 953 .

(3) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 6 .

ــ[434]ــ

زقاق الزيت انخرق فاهراق ما فيه «فقال : إن شاء أخذ الزيت ، وقال : إنّه انخرق ولكنّه لا يصدّق إلاّ ببيّنة عادلة» (1) .

   5 ـ  وصحيحته الثانية عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في رجل حمل مع رجل في سفينته طعاماً فنقص «قال : هو ضامن» إلخ (2) ، ونحوها غيرها .

   ومن الطائفة الثانية :

   1 ـ  معتبرة يونس ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن القصّار والصائغ أيضمنون ؟ «قال : لا يصلح إلاّ أن يضمنوا» إلخ (3) .

   وفي سندها إسماعيل بن مرار ، وهو ثقة على الأصحّ ، لوجوده في تفسير علي ابن إبراهيم ، وقد دلّت على عدم تضمين العامل إلاّ أن يشترط عليه الضمان في العقد .

   2 ـ  وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصبّاغ والقصّار «فقال : ليس يضمنان» (4) .

   ومن الطائفة الثالثة :

   1 ـ  صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن القصّار والصائغ احتياطاً للناس ، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً» (5) ، دلّت بالمفهوم على التضمين إن لم يكن مأموناً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 148 / كتاب الإجارة ب 30 ح 1 .

(2) الوسائل 19 : 149 / كتاب الإجارة ب 30 ح 2 .

(3) الوسائل 19 : 144 / كتاب الإجارة ب 29 ح 9 .

(4) الوسائل 19 : 145 / كتاب الإجارة ب 29 ح 14 .

(5) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 4 .

ــ[435]ــ

   2 ـ  ومعتبرة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان علي (عليه السلام) يضمن القصّار والصائغ يحتاط به على أموال الناس ، وكان أبو جعفر (عليه السلام) يتفضّل عليه إذا كان مأموناً» (1) .

   3 ـ  وصحيحة جعفر بن عثمان ـ وهو الرواسي الثقة ـ قال : حمل أبي متاعاً إلى الشام مع جمّال فذكر أنّ حملاً منه ضاع فذكرت ذلك لأبي عبدالله (عليه السلام) «فقال : أتتهمه ؟ » قلت : لا «قال : فلا تضمنه» (2) .

   4 ـ  ومعتبرة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه «قال : إن كان مأموناً فليس عليه شيء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (3) . ومن البيّن أنّ المراد هو التلف ، وإلاّ فلا فرق في ضمان المتلف بين المأمون وغيره .

   دلّت هذه الروايات على عدم ضمان المأمون .

   وتؤيّدها رواية خالد بن الحجّاج ـ كما في الكافي ـ أو الحجّال ـ كما في التهذيب ـ قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الملاّح اُحمّله الطعام ثمّ أقبضه منه فينقص «قال : إن كان مأموناً فلا تضمنه» (4) .

   غير أنّ السند ضعيف ، فإنّ خالد بن الحجّال لا وجود له في كتب الرجال ، ولا في كتب الحديث ما عدا هذا المورد في كتاب التهذيب الذي يظنّ أ نّه تحريف ، وصحيحه على ما في الكافي الذي هو أضبط: خالد بن الحجّاج ، ولكنّه لم يوثّق ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 145 / كتاب الإجارة ب 29 ح 12 .

(2) الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 6 .

(3) الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 7 .

(4) الوسائل 19 : 149 / كتاب الإجارة ب 30 ح 3 ، الكافي 5 : 243 / 2 ، التهذيب 7 : 217 / 947 .

ــ[436]ــ

فلأجله لا تصلح الرواية إلاّ للتأييد ، والعمدة ما عرفت .

   فالنتيجة لحدّ الآن : أنّ هذه الروايات قد دلّت على التفصيل الذي عرفت من أنّ العامل إذا كان مأموناً لا يضمن ، فإذا ادّعى المالك عليه التفريط لزمه الإثبات ، وأمّا إذا كان متّهماً فينعكس الأمر ، حيث إنّه يضمن إلاّ أن يثبت عدم التفريط ، فهو المطالب حينئذ بإقامة البيّنة .

   هذا هو المتحصّل من الجمع بين هذه الأخبار .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net