لو بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة اُصول الزّرع فنبتت 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1526


ــ[459]ــ

   [ 3373 ] الرابعة : إذا بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة اُصول الزرع فنبتت (1) فإن لم يعرض المستأجر عنها كانت له ، وإن أعرض عنها ((1)) وقصد صاحب الأرض تملّكها كانت له ، ولو بادر آخر إلى تملّكها ملك وإن لم يجز له الدخول في الأرض إلاّ بإذن مالكها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لاشتراكه مع البالغ في ذلك حسب التقريب المتقدّم ، إلاّ أ نّها لا تجزئ في سقوط التكليف عن البالغين ، فإنّ الواجب كفائي والقدر الثابت من الأدلّة سقوطه بفعل واحد منهم، أمّا بفعل شخص آخر لم يتعلّق به الوجوب فغير ثابت ، ومقتضى الإطلاق عدم الاكتفاء به .

   فالأظهر عدم صحّة استئجار الصبي للصلاة عن الميّت كما لا يجتزأ بصلاته على الميّت حسبما عرفت .

   (1) وانتجت كما هو الغالب ، فهل الحاصل تابع للأرض فهو ملك للمؤجّر أو للحبّ فهو للمستأجر ؟

   المعروف والمشهور ـ وهو الصحيح ـ أ نّه من فوائد الحبّ وتوابعه ـ كما في الدجاج التابع للبيض ـ فإنّه هو الذي كبر ونما ، والأرض ظرف ووعاء محض .

   وحينئذ فإن لم يكن المستأجر معرضاً كما لو كان بانياً على الرجوع وأخذه فنسي فهو له بلا إشكال .

   وأمّا إذا كان معرضاً فقد ذكر في المتن أ نّه إن تملّكه صاحب الأرض كان له كما في سائر المباحات الأصليّة ، وإن سبقه غيره فتملّكه ملكه وإن كان آثماً في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنّ الإعراض لا يوجب الخروج عن الملك ، وعليه فلا يملكها صاحب الأرض بقصد تملّكها . نعم ، لا بأس بالتصرّف فيها من جهة الإباحة .

ــ[460]ــ

استطراق الأرض إذا لم يكن بإجازة المالك .

   أقول :  ما ذكره (قدس سره) من زوال الملك بمجرّد الإعراض وصيرورته كالمباح بالأصل يجوز لكلّ أحد تملّكه ، هو المعروف والمشهور بينهم ظاهراً .

   وأيّده في السرائر وغيره بما ورد في السفينة المغروقة من أنّ ما اُخرج منها بالغوص فهو للمخرج ، نظراً إلى ابتناء الحكم على أنّ المالك قد أعرض ، ومن ثمّ كان ملكاً للمخرج . قال ابن إدريس : وليس هذا قياساً ، لأنّ مذهبنا ترك القياس ، وإنّما هذا على جهة المثال (1) .

   ولكنّك خبير بأنّ الرواية المشار إليها أجنبيّة عن باب الإعراض رأساً، فإنّها رويت بطريقين: تارةً بعنوان السكوني، واُخرى بعنوان الشعيري ، وكلاهما شخص واحد ، والمعتبر هو الطريق الأوّل الذي يروي عنه النوفلي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال: وإذا غرقت السفينة وما فيها فاصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم»(2) ، ونحوها بعنوان الشعيري(3) .

   وهي ـ كما ترى ـ لم يفرض فيها الإعراض أبداً ، ولعلّ المالك لم يطّلع على الغرق ، أو لم يعلم بوجود ماله في السفينة ، أو كان متوقّعاً خروجه عن البحر ولو من باب الصدفة كما قد يتّفق .

   وبالجملة :  لم يفرض فيها أنّ المالك أعرض عن ماله ، فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 2 : 195 .

(2) الوسائل 25 : 455 / كتاب اللقطة ب 11 ح 1 .

(3) الوسائل 25 : 455 / كتاب اللقطة ب 11 ح 2 .

 
 

ــ[461]ــ

   وإنّما هي ناظرة إلى المال التالف عرفاً لا إلى المال المعرض عنه ، حيث إنّ المال المغروق من أجل عدم تيسّر الوصول إليه عادةً يعدّ تالفاً في نظر العرف ، إذن فما تضمّنته من كونه للمخرج حكم تعبّدي في مورد خاصّ ، نظير ما ورد في اللقطة من جواز استملاك الشاة الملتقطة في البرّ من قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام : «هي لك أو لأخيك أو للذئب» إلخ (1) ، غاية الأمر أنّ الحكم هناك لما هو في معرض التلف ، وفي المقام حكم للتالف ، وكلاهما حكم تعبّدي في مورد خاصّ ولا مساس له بباب الإعراض بوجه .

   وعلى الجملة :  لم يرد في مسألة الإعراض نصّ يعوّل عليه بعد أن كانت خلافيّة وذات قولين ، وإن كان المشهور ما عرفت من كونه مزيلاً للملك ، إلاّ أنّ جماعة اُخرى ذهبوا إلى أ نّه لا يترتّب عليه إلاّ إباحة التصرّف لكلّ أحد ، التي هي المدلول الالتزامي لرفع اليد عن العين من غير أن تزول الملكيّة بمجرّد الإعراض .

   وليس في البين أيّ دليل يتمسّك به إلاّ السيرة العقلائيّة الممضاة بعدم الردع بعد أن كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى .

   والظاهر لدينا بعد مراجعة السيرة والتدقيق فيما استقرّ عليه بناء العرف والعقلاء عدم كون الإعراض مزيلاً للملك بحيث تكون الملكيّة تحت اختيار الشخص له إزالتها عن نفسه بمجرّد رفع اليد وإلقائه المال في البرّ ـ مثلاً ـ من دون وجود أيّ سبب شرعي مزيل ، ويكون بعدئذ بمثابة المباحات الأصليّة يسوغ لكلّ أحد تملّكه .

   ألا ترى أ نّه لو ندم عن إعراضه وعاد إليه وطالبه ممّن أخذه قبل أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 457 / كتاب اللقطة ب 13 ح 1 .

ــ[462]ــ

يتصرّف فيه فإنّه لا ينبغي الشكّ في استقرار السيرة على أنّ الآخذ لم تكن له معارضة المالك في ذلك بدعوى أ نّه مباح أصلي سبقته في الاستيلاء عليه بعد أن زال حقّه بالإعراض عنه ، بل يرونه وقتئذ ملزماً بالتخلية عنه وتسليمه إلى المالك بالضرورة . وهذا كاشف قطعي عن عدم زوال الملك بمجرّد رفع اليد ، وإلاّ لما كان صاحبه أحقّ به ، غاية ما هناك أنّ الآخذ كان يستباح له التصرّف لولا مراجعة المالك ومطالبته ، فأقصى ما يترتّب على الإعراض هو مدلوله الالتزامي ، أعني : إباحة التصرّف لا ملكيّة المتصرّف .

   ولكن هذه الإباحة لم تكن على حدّ الإباحة في باب العارية ونحوها بحيث تتّصف بالجواز المطلق ، ويكون للمالك الرجوع عن إباحته متى شاء .

   بل هي شبيهة بالإباحة في باب المعاطاة التي التزم بها جماعة ، أو أ نّها عينها في الاتّصاف ـ بعد تعلّقها بعامّة التصرّفات ـ باللزوم وعدم حقّ في الرجوع بعد أن أحدث الآخذ حدثاً في العين وتصرّف فيه نحو تصرّف، فلو كان ثوباً ففصّله ، أو خشبة فنحتها وجعلها سريراً ـ مثلاً ـ بل حتى لو كان التصرّف بمثل النقل إلى مكان آخر بعيد ، كما لو أخذ أحدٌ ما أعرض عنه المسافر في الطريق وجاء به إلى بلده فإنّه ليس للمالك المراجعة والمطالبة حينئذ بالسيرة العقلائيّة ، فهذه سنخ إباحة يعبّر عنها بالإباحة اللازمة بالتصرّف بالمعنى الواسع لمفهوم التصرّف حسبما عرفت .

   نعم ، ربّما تستتبع هذه الإباحة للملكيّة فيما لو كان التصرّف المفروض إباحته متوقّفاً عليها ، كالبيع ، حيث إنّه لا بيع إلاّ في ملك ، فيلتزم بانتقاله إلى ملك الآخذ آناً ما قبل تحقّق البيع ، بعد أن كان المدلول الالتزامي للإعراض هو الترخيص في عامّة التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك .

   وبعبارة اُخرى: البيع المرخّص فيه لم يكن فضوليّاً موقوفاً على إجازة المعرض .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net