لو كان للأجير على العمل خيار الفسخ - لو فسخ أثناء العمل الذي يجب إتمامه بعد الشروع فيه 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1767


ــ[477]ــ

   [ 3380 ] الحادية عشرة : إذا كان للأجير على العمل خيار الفسخ (1) فإن فسخ قبل الشروع فيه فلا إشكال ، وإن كان بعده استحقّ اُجرة المثل ، وإن كان في أثنائه استحقّ بمقدار ما أتى به من المسمّى أو المثل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبالجملة :  فليس الوجه فيما ذكرناه من عدم الاستحقاق في هذه الصورة عدم الماليّة ، فإنّ هذا لازم أعمّ قد يكون وقد لا يكون ، بل الوجه عدم وقوع الإجارة عليه وعدم حصول ما وقعت الإجارة عليه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه .

   (1) قد يفرض الخيار للأجير واُخرى للمستأجر ، فإن كان للأجير ـ سواء أكان خياراً أصليّاً كخيار الغبن أم جعليّاً كشرط الخيار ـ فلا إشكال فيما لو فسخ قبل الشروع في العمل المستأجر عليه ، فإنّه صادر من أهله في محلّه ويؤثّر أثره ، فيفرض العقد كأن لم يكن ولا يستحقّ أحدهما على الآخر شيئاً. كما لا إشكال فيما لو فسخ بعد الفراغ من العمل فترجع المسمّاة إلى المستأجر ، وحيث لا يمكن رجوع العمل الصادر بأمره إلى الأجير فلا جرم يغرم له اُجرة المثل بعد بطلان الضمان بالاُجرة المسـمّا بمقتضى افتراض الفسخ ، كما هو الحال في البيع فيما لو فسخ البائع وقد وجد العين تالفة تحت يد المشتري فإنّه يرجع حينئذ إلى ثمن المثل . وهذا كلّه واضح .

   وإنّما الكلام فيما لو فسخ أثناء المدّة لانكشاف غبنه حينئذ ـ مثلاً ـ فهل يستحقّ من المسمّاة بنسبة ما وقع وأتى به في الخارج من العمل ، أو أ نّه يستحقّ عليه اُجرة المثل ؟

   تقدّم التعرّض لذلك في المسألة الخامسة من الفصل الثالث ، حيث إنّ الماتن احتمل الوجهين ، وذكرنا أنّ الأقوى هو الثاني ، نظراً إلى أنّ مقتضى الفسخ حلّ

ــ[478]ــ

العقد وفرضه كأن لم يكن ، المستتبع لعود كلّ عوض إلى مالكه ، وحيث لا يمكن إعادة ما تحقّق من العمل ـ الذي قد صدر بأمر من المستأجر ـ فلا جرم ينتقل إلى البدل وهو اُجرة المثل ، كما هو الحال في فسخ البيع أيضاً بعد أن تلف شيء من المبيع فإنّه ينتقل فيه إلى ثمن المثل .

   ولكنّا أشرنا في تلك المسألة إلى أنّ هذا إنّما يتمّ في الخيار الثابت في أصل الشرع كخيار الغبن ونحوه ، وأمّا الخيار المجعول من أحدهما ـ كالأجير فيما نحن فيه ـ فإنّ الارتكاز العرفي في مثله قائم على إرادة الفسخ بالإضافة إلى ما سيأتي دون ما مضى ، فإنّه يمضى حسبما اتّفقا عليه من الاُجرة المسمّاة ، فلو آجر داره إلى سنة بكذا وجعل لنفسه الخيار عند ستّة أشهر ، فإنّ معنى ذلك حسب الفهم العرفي وما هو المتعارف بحسب الارتكاز إرادة الفسخ بالنسبة إلى الستّة أشهر الباقية وإمضاء ما مضى كما مضى والاستحقاق بنسبته من الاُجرة المسمّاة لا فسخ العقد من أصله ليرجع فيه إلى اُجرة المثل .

   فإن قلت :  العقد الواجد لا يتبعّض فكيف يمكن تعلّق الفسخ بالبعض من متعلّقه دون بعض ؟

   قلت :  نعم ، إلاّ أ نّه لدى قيام القرينة على عدم مدخليّة لوصف الاجتماع كما تقدّم في الصورة الاُولى من فروض المسألة المتقدّمة ففي الحقيقة ينحلّ العقد إلى إجارات عديدة قد جمع بينها واُنشئ الكلّ بإنشاء واحد ، فهو من ضمّ إجارة إلى إجارة إلى مثلها بعدد أبعاض المنافع أو الأعمال وأجزائها ، فمرجع قيام التعارف على اختصاص حقّ الفسخ في أثناء المدّة بالنسبة إلى ما سيأتي إلى تعلّقه بالإجارة اللاحقة دون السابقة ، لا تعلّقه بالنصف من العقد كي يعترض بعدم قبوله للتبعيض ، فلو آجر داره إلى سنة بمائة ، أو استؤجر للصلاة عن الميّت سنة بمائة فمرجعه إلى إجارة كلّ ستّة أشهر بخمسين ، فلو فسخ بعد ستّة

ــ[479]ــ

على الوجهين المتقدّمين (1) إلاّ إذا  كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع (2) فلا يستحقّ شيئاً ، وإن كان العمل ممّا يجب إتمامه بعد الشروع فيه (3) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أشهر فهو إنّما يفسخ الإجارة الثانية المنحلّ إليها العقد ، لا أ نّه يفسخ النصف الباقي من العقد ، فلا جرم يستحقّ من الاُجرة المسمّاة بالنسبة إلى ما مضى ولا يرجع إلى اُجرة المثل كما تعرّضنا لذلك كلّه بنطاق واسع في أبحاث المكاسب .

   وبالجملة :  فيفصّل فيما لو فسخ في الأثناء بين الخيار المجعول المشترط ثبوته في ضمن العقد وبين الثابت بنفسه كخيار الغبن ، ففي الأوّل يستحقّ لما مضى من المسمّى ، وفي الثاني من المثل حسبما عرفت .

   (1) في المسألة الخامسة من الفصل الثالث من أوّل كتاب الإجارة .

   (2) بحيث كان المستأجر عليه أمراً واحداً بسيطاً منتزعاً من الأجزاء ـ  كالاعتكاف  ـ وقد فسخ في الأثناء فلا يستحقّ حينئذ لما مضى أيّ شيء ، كما لو فسخ بعد صوم يوم منه لتبيّن غبنه في الإجارة ، لأنّ ما وقع لم تتعلّق به الإجارة ، وما تعلّقت به لم يتحقّق ، فلا مقتضي للرجوع إلى المستأجر بوجه .

   (3) تعرّض (قدس سره) لما إذا فسخ أثناء العمل الذي يجب إتمامه بعد الشروع فيه ، كالصلاة أو الحجّ بناءً على حرمة القطع ووجوب الإتمام ، وكالاعتكاف فيما لو فسخ بعد مضيّ يومين ، وأنّ هذا هل هو بمثابة الفسخ بعد تمام العمل فيستحقّ تمام اُجرة المثل أو يجري عليه حكم الفسخ في الأثناء من عدم استحقاق أيّ شيء لو لوحظ المجموع من حيث المجموع وإلاّ فيستحقّ ، لما مضى من المثل أو المسمّى على الخلاف المتقدّم ؟

   ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجهين وأنّ الأوجه هو الأوّل ، فيستحقّ الاُجرة لتمام العمل .

ــ[480]ــ

كما في الصلاة بناءً على حرمة قطعها، والحجّ بناءً على وجوب إتمامه، فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ وجهان، أوجههما الأوّل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح، والوجه فيه ما ذكرناه في كتاب الحجّ(1) من أنّ باذل الزاد والراحلة لو رجع عن بذله بعد إحرام المبذول له ـ  بناءً على جواز الرجوع حينئذ كما هو الصحيح  ـ فإن لم يتمكّن المحرم من الإتمام كشف عن بطلان البذل وكان إحرامه كلا إحرام ، وأمّا لو تمكّن منه واستطاع على الإتيان ببقيّة الأعمال وجب عليه ذلك وإن كان الباذل قد رجع عن بذله ، لأ نّه مستطيع وقتئذ فيجب عليه الإتمام .

   ولكن هذا العمل الذي يجب إتمامه بما أ نّه وقع بأمر من الباذل فلا جرم كان هو الضامن له ، إذ الأمر من موجبات الضمان بالسيرة العقلائيّة ، ويستحقّ العامل على الآمر اُجرة المثل ، ولا فرق في ذلك بمقتضى عموم السيرة بين تعلّق الأمر بتمام العمل أو بالشروع في عمل لا بدّ من إتمامه إمّا تكويناً بحيث لا يمكنه رفع اليد ـ كما لو أمره بدخول البحر أو نزول البئر لمعرفة مقدار عمقه مثلاً ، المستلزم للخروج منه قهراً ـ وإمّا تشريعاً كالأمثلة المتقدّمة ، بعد وضوح أنّ الواجب الشرعي كالعقلي في اللابديّة، فكما أنّ الأمر بالدخول أو النزول يستلزم الأمر بالخروج بالدلالة الالتزاميّة التبعيّة، ومن ثمّ يكون ضامناً له أيضاً بالسيرة العقلائيّة ، فكذلك في الواجبات الشرعيّة بمناط واحد . إذن فيرجع إلى الباذل في مصارف الإتمام كما يرجع إلى الآمر في المقام .

   وبالجملة :  لا فرق في الضمان بالأمر ـ بمقتضى عموم دليله وهو السيرة ـ بين أن يعمل العمل ، وبين ما لا بدّ له أن يعمل عقلاً أو شرعاً ، فكما أ نّه لو التفت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 28 : 61 ـ 62 .

 
 

ــ[481]ــ

هذا إذا كان الخيار فوريّاً (1) كما في خيار الغبن إن ظهر كونه مغبوناً في أثناء العمل وقلنا : إنّ الإتمام مناف للفوريّة، وإلاّ فله أن لايفسخ إلاّ بعد الإتمام. وكذا الحال إذا كان الخيار للمستأجر(2)، إلاّ أ نّه إذا كان المستأجر عليه المجموع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد خروجه إلى غبنه فيما استؤجر له من الدخول أو النزول ففسخ يستحقّ اُجرة المثل لمجموع العمل، فكذا لو التفت وهو داخل البحر أو في قعر البئر ففسخ .

   فإذا كان الأمر فيما لا بدّ منه عقلاً كذلك ، ففيما لا بدّ شرعاً أيضاً كذلك بمناط واحد .

   وعلى ضوء ذلك يستقيم ما أفاده (قدس سره) في المقام ، حيث إنّ الأجير إذا التفت إلى غبنه ـ مثلاً ـ بعد الشروع في الصلاة أو الإحرام ففسخ وقد وجب عليه الإتمـام ، فبما أنّ الاقتحام في هذا العمل قد وقع بأمر من الغير ففسخه لا يمنع من الرجوع إليه باُجرة المثل بعد الفراغ من العمل . وهذا معنى كون الفسخ في الأثناء كالفسخ بعد العمل ، باعتبار أنّ إنهاء ما لا بدّ من إنهائه يستند بالآخرة إلى أمر الآمر ، الموجب للضمان مطلقاً بمقتضى السيرة العقلائيّة . فالحكم إذن مطابق لمقتضى القاعدة .

   (1) هذا تدارك لما سبق ، يعنى : أنّ ما ذكرناه لحدّ الآن إنّما هو فيما إذا كان الخيار فوريّاً وكان الإتمام منافياً للفوريّة . وأمّا إذا لم يكن فوريّاً ، أو لم يكن منافياً ، فله حينئذ تأخير الفسخ إلى ما بعد العمل فيرتفع معه موضوع البحث ، أعني : الفسخ في الأثناء ، ويستحقّ عندئذ اُجرة المثل لتمام العمل من غير أيّة شبهة أو إشكال .

   (2) يعني : فيجري فيه جميع ما يجري فيما لو كان الخيار للأجير من الأحكام المتقدّمة من عدم استحقاق أيّ شيء إذا كان الفسخ قبل العمل ، والرجوع إلى

ــ[482]ــ

من حيث المجموع وكان في أثناء العمل يمكن أن يقال ((1)) : إنّ الأجير يستحقّ بمقدار ما عمل من اُجرة المثل لاحترام عمل المسلم ، خصوصاً إذا لم يكن الخيار من باب الشرط .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اُجرة المثل إذا كان بعد العمل ، وإليها أو إلى المسمّى ـ بالنسبة ـ على الخلاف إذا كان في الأثناء ، فهما يشتركان في الأحكام .

   ولا فرق إلاّ في صورة واحدة ، وهي ما إذا كان المستأجر عليه العنوان البسيط الانتزاعي ، أعني : المجموع من حيث المجموع ـ كالاعتكاف ـ وقد فسخ في الأثناء، فإنّه يفترق عمّا مرّ في أنّ الفاسخ إن كان هو الأجير لم يستحقّ شيئاً ، لما عرفت من أنّ ما وقع لم يكن مورداً للإجارة ، وما كان مورداً لها لم يقع .

   وأمّا لو كان هو المستأجر فيمكن القول باستحقاق الأجير حينئذ بمقدار ما عمل من اُجرة المثل ، لقاعدة احترام عمل المسلم ، إذ المستأجر بفسخه ولا سيّما عن خيار أصلي كالغبن منعه عن الإتمام وألغى عمله عن الاحترام ، حيث فوّته عليه وحال دون ما يتوقّعه من استحقاق الاُجرة ، فلا جرم يضمنه رعايةً لاحترام عمل المسلم .

   أقول :  لم يتّضح وجه صحيح لما أفاده (قدس سره) ، فإنّ الذي تقتضيه قاعدة الاحترام عدم جواز الاستيلاء على مال الغير باستيفاء أو إتلاف ونحوهما بغير إذنه ، لا أنّ كلّ ما يتلف ويفوت منه يلزم على الآخر تداركه وإن لم يأمر به .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكنّه بعيد ، إذ المفروض أنّ الواقع في الخارج مغاير لما تعلّقت به الإجارة ، وقاعدة الاحترام في نفسها لا تفي بإثبات الضمان .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net