صحّة قبالة الأرض - جواز أخذ الاُجرة على الطبابة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1743


ــ[494]ــ

   [ 3385 ] السادسة عشرة : يجوز إجارة الأرض((1)) مدّة معلومة بتعميرها وإعمال عمل فيها من كري الأنهار وتنقية الآبار وغرس الأشجار(1) ونحو ذلك، وعليه يحمل قوله (عليه السلام)((2)): لابأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أكثر فيعمرها ويؤدّي ما خرج عليها. ونحوه غيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتبطل الإجارة .

   ويندفع :  بأنّ البراءة فرع الاشتغال ، فهي متأخّرة عنه لا محالة ، إذن فلا يستوجب اشتراطها حتى من الأوّل الجهل بكمّيّة الاُجرة ، بل هي معيّنة معلومة والذمّة بها مشغولة ، غير أ نّها على تقدير النقص تبرأ آناً ما بعد اشتغالها ، كما لو أبرأه المؤجّر بلا شرط فقال : آجرتك بمائة وأبرأتك من خمسين ، فإذا جاز ذلك جاز مشروطاً بشرط متأخّر وهو حصول النقص في ظرفه .

   (1) لا إشكال في صحّة قبالة الأرض بأن يتقبّل الرجل من شخص أرضاً ليعمرها نحو عمارة من غرس الأشـجار أو تنظيف الأنهار والآبار وما شاكل ذلك إلى مدّة معيّنة ، على أن يكون حاصل الأرض للعامل وبعد انقضاء المدّة يكون لصاحب الأرض .

   وهذه العمليّة تسمّى بالتقبيل والتقبّل ، والفعل الصادر منهما يدعى بالقبالة .

   وقد دلّت على جوازها وصحّتها عدّة من الأخبار وجملة منها صحاح ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إنّ القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر فتعمرها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا كان العمل معيّناً كمّاً وكيفاً .

(2) الرواية منقولة بالمعنى .

ــ[495]ــ

وتؤدّي ما خرج عليها ، فلا بأس به» (1) .

   وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام) : «لا بأس بقـبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أقلّ أو أكثر فيعمرها ويؤدّي خراجها ، ولا يدخل العلوج في شيء من القبالة ، لأ نّه لا يحلّ» (2) .

   ومنه تعرف أنّ الرواية المذكورة في المتن منقولة بالمعنى .

   وكيفما كان ، فلا إشكال في صحّة هذه المعاملة .

   وإنّما الكلام في أ نّها هل هي إجارة كما عبّر بها في المتن أو لا ؟ وعلى الأوّل فهل المستأجر هو العامل الذي يعمر الأرض ، والمؤجّر هو صاحب الأرض ، أو أنّ الأمر بالعكس والمؤجّر إنّما هو العامل الذي يؤجّر نفسه لعمارة الأرض ، والاُجرة هي منفعة الأرض والمستأجر صاحبها ؟

   ولا يخفى عدم ترتّب أثر عملي لبيان ذلك وأنّ القبالة المزبورة هل هي معاملة مستقلّة أو أ نّها مندرجة تحت عنوان الإجارة أو غيرها ؟ ومن هو المؤجّر والمستأجر بعد قيام الدليل على صحّتها ونفوذها على كلّ تقدير حسبما عرفت ؟

   وقد وقع نظير ذلك في البيع لدى تشخيص البائع عن المشتري فيما لو كان الثمن والمثمن كلاهما من العروض أو كلاهما من النقود .

   وقد ذكرنا في كتاب البيع ضابطة عرفيّة لتشخيص البائع عن المشتري ، حاصلها : أنّ البائع بحسب الارتكاز المغروس في أذهان العرف هو الذي يتحفّظ على ماليّة ماله من غير نظر منه إلى خصوصيّة العين ، بل همّه الاستبدال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 46 / كتاب المزارعة ب 11 ح 2 .

(2) الوسائل 17 : 295 /  أبواب ما يكتسب به ب 93 ح 3 .

ــ[496]ــ

والاسترباح وازدياد المال . أمّا المشتري فهو ناظر إلى الخصوصيّة القائمة بالعين التي يتصدّى لشرائها ، لكونه بحاجة إلى بضاعة كذائيّة فيشتريها فهو طالب لخصوصيّة المال ولا يريد كلّ ما له مالية كيفما اتفق (1) .

   وبالجملة : فالبائع يطلب الماليّة ، والمشتري يطلب الخصوصيّة . ومن ثمّ يروم الأوّل العثور على النقود والأثمان ، والثاني على الأشخاص والأعيان .

   وعليه ، فإذا فرضنا أن كلا طرفي المعاوضة من العروض والأعيان فاحتاج أحدهما إلى كتاب المكاسب ـ مثلاً ـ والآخر إلى كتاب الرسائل ، فتبادلا بجعل أحدهما عوضاً عن الآخر ، فالظاهر عدم التمييز وقتئذ بين البائع والمشتري حتى في نفس الأمر وصقع الواقع ، لتساوي النسبة بينهما وكونهما على حدٍّ سواء بالإضافة إلى العقد من غير ترجيح في البين بعد أن كان كلّ واحد منهما طالباً للخصوصيّة القائمة بالعين لا لمحض الماليّة ، فلا يقال : إنّ صاحب المكاسب بائع والآخر مشتر أو العكس .

   ونحوه ما لو كان كلاهما من الأثمان .

   بل الظاهر أنّ هذه مبادلة خاصّة ومعاملة برأسها خارجة عن عنوان البيع والشراء ، فإنّ البيع وإن كان هو مبادلة مال بمال إلاّ أ نّه ليس كلّ مبادلة مال بمال بيعاً ، بل خصوص ما إذا كان أحد المتبادلين ناظراً إلى الماليّة والآخر إلى الخصوصيّة ، غير المنطبق على المقام حسبما عرفت .

   هذا ، والظاهر انسحاب الضابطة المزبورة إلى باب الإجارة أيضاً ، فالمستأجر هو الذي ينظر إلى خصوصيّة المنفعة القائمة بالعين المستأجرة ، فهو بمثابة المشتري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 2 : 11 ـ 12 .

ــ[497]ــ

في البيـع ، كما أنّ المؤجّر هو الناظر إلى الماليّة فحسب كالبائع ، ولا فرق بين البابين من هذه الجهة ما عدا أنّ المتعلّق في أحدهما العين وفي الآخر المنفعة. وعليه، فلو فرضنا أنّ كلاًّ منهما ناظر إلى الخصوصيّة ، كما لو اتّفقا على أن يخيط أحدهما للآخر ثوباً إزاء أن يبني الآخر له حائطاً ، فوقعت المبادلة بين عملين .

   أو وقعت بين منفعتين ، كما لو كانت لأحدهما دار صغيرة ولكنّها قريبة من الصحن الشريف ، وللآخر دار كبيرة ولكنّها بعيدة، فاتّفقا على المبادلة بين سكنى الدارين إلى سنة واحدة .

   أو بين منفعة وعمل ، كما لو تبادلا بين سكنى الدار شهراً وبين الخياطة ثوباً .

   ففي جميع ذلك بما أنّ النسبة من كلّ من الجانبين متساوية ـ لأنّ كلاًّ منهما يطلب الخصوصيّة ـ فلا يختصّ أحدهما باسم المستأجر أو المؤجّر دون الآخر . ومن ثمّ كان الأظهر خروج ذلك عن باب الإجارة رأساً وكونها معاملة مستقلّة ومبادلة برأسها واقعة بين منفعتين ، أو عملين ، أو مختلفين كالعينين في البيع .

   ومقامنا من القسم الأخير، حيث إنّ طرف المبادلة من جانب صاحب الأرض هو منفعة العين ، ومن الجانب الآخر هو العمل ، وهي ـ كما عرفت ـ معاوضة خاصّة خارجة عن باب الإجارة محكومة بالصحّة بمقتضى القواعد العامّة والنصوص الخاصّة الواردة في المقام .

   ثمّ إنّه كان على الماتن (قدس سره) أن ينبّه على أنّ هذه المعاملة سواء أكانت إجارة أم لا لا بدّ فيها أن يكون العمل معلوماً ، حذراً عن الجهالة المؤدّية إلى الغرر الموجب للفساد ، ولعلّه مفروغ عنه في كلامه (قدس سره) .

ــ[498]ــ

   [ 3386 ] السابعة عشرة : لا بأس بأخذ الاُجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائيّة(1)، لأ نّها كسائر الصنائع واجبة بالعرض لانتظام نظام معايش العباد ، بل يجوز وإن وجبت عيناً لعدم من يقوم بها غيره. ويجوز اشتراط كون الدواء عليه مع التعيين الرافع للغرر(2) ، ويجوز أيضاً مقاطعته على المعالجة إلى مدّة أو مطلقاً  (3) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) فإنّها وإن كانت واجبة بالعرض ـ باعتبار توقّف بقاء النظام عليها  كسائر أنواع الحرف والصناعات الدخيلة في حفظ النظام المحكومة بكونها واجبات عرضيّة كفائيّة ـ إلاّ أنّ هذا الوجوب لا يمنع عن أخذ الاُجرة، إذ الواجب إنّما هو طبيعي الطبابة ـ مثلاً ـ لا بقيد المجّانيّة، فلا مانع إذن من أخذ المال بإزائها، بل الأمر كذلك حتى لو انقلب إلى الوجوب العيني لأجل عدم وجود من به الكفاية غيره ، لعين المناط .

   (2) لعموم دليل نفوذ الشرط .

   (3) فلا يعتبر ذكر المدّة إذا كان للمعالجة حدّ خاصّ معروف بحسب المتعارف الخارجي وإن كان قد يزيد أو ينقص ممّا يتسامح فيه بحيث يندفع به الغرر ، كما هو المتداول  في  المستشفيات في العصر الحاضر، فيعلم أنّ  المرض الكذائي يستوعب كذا مدّة من الزمان وإن كان قد يتخلّف بما يتسامح فلا يعتبر التدقيق .

   وقد تقدّم (1) في أوّل كتاب الإجارة أنّ ضبط المدّة وتعيينها إنّما يعتبر فيما تختلف الماليّة من أجلها ، كما في سكنى الدار ، لا في مثل الخياطة والاستنساخ ونحوهما ممّا لم تكن المدّة ملحوظة ومنظورة عرفاً ما لم تشترط ، فلا تضرّ في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 61 ـ 63 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net