كلام في السرقفليّة وأحكامها - الخاتمة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 16:الإجارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1524


ــ[511]ــ


تتمّـة

   ولنختم الكلام في كتاب الإجارة بالتعرّض لحكم المسألة العامّة البلوى في العصر الحاضر المعروفة بـ السرقفليّة ، فنقول :

   السكنى في مكان من دار أو دكّان ونحوهما قد تكون : عن إباحة من المالك وترخيص في هذا التصرّف ، فهي عارية لا محالة ، وللمالك الرجوع عن إجازته متى شاء .

   واُخرى :  تكون عن ملك لهذه المنفعة ليس لأحد حتى المالك مزاحمته فيها ، وله التصرّف كيفما شاء ، وهذا هو باب الإجارة التي باحثنا حولها لحدّ الآن .

   وثالثةً :  عن حقّ متخلّل بين الأمرين وحدّ متوسّط بين المرحلتين ، فلا هو مجرّد الإذن ليكون للآذن الرجوع عن إذنه متى شاء، ولا هو ملك للمنفعة ليكون له التصرّف كيفما شاء تصرّف الملاّك في أموالهم ، وإنّما هو حقّ محض متعلّق بالسكنى في هذا المحل .

   وهذا الحقّ كما هو قابل لتعلّق الجعل به ابتداءً وفي عقد مستقلّ كما في باب السكنى، فيقول: أسكنتك هذه الدار مدّة كذا أو ما دمت حيّاً، فتكون له السكونة لكن لا على نحو يكون مالكاً للمنفعة ، ولذا لا يسوغ له نقلها إلى الغير بإجارة ونحوها ، ولا تنتقل إلى ورثته بعد موته لو كان الحقّ له خاصّة أو لعنوان عامّ كالطلبة ، ولا على نحو يتمكّن المالك من الرجوع ، لفرض لزوم العـقد ، كما في الوقف .

   فكذلك يمكن جعله واشتراطه بشرط صريح أو ضمني ارتكازي في ضمن

ــ[512]ــ

عقد من العقود ، كما لو باع داره واشترط على المشتري أن تكون له السكنى في هذه الدار شهراً إمّا بعوض أو مجّاناً ، لا بأن يبيعها مسلوبة المنفعة في هذه المدّة ، بل قد باعها بتمام منافعها ، ولذا لا يجوز له إجارتها خلال الشهر ، لعدم كون المنفعة ملكاً له بل للمشتري ، إلاّ أ نّه يجعل لنفسه حقّ السكنى ، ولا ريب في نفوذ هذا الشرط عملاً بإطلاق دليله ، فليس للمالك منعه عن السكنى ولا الإيجار في هذه المدّة من شخص آخر .

   وربّما يشترط هذا الحقّ في ضمن عقد الإيجار ، فيستأجر الدكّان ـ مثلاً ـ ويجعل لنفسه حقّ السكنى ، وهذا يكون على وجوه :

   فتارةً :  يكون الشرط هو سكنى نفسه فقط ، فمتى رفع اليد يرتفع الحقّ ، وللمالك إيجاره عندئذ من شخص آخر ، إذ مورد الحقّ إنّما هو سكنى نفسه مباشرةً وقد سقط ، ومن ثمّ لم يكن له نقله لغيره ولا استرجاع المال الذي دفعه للمالك بإزائه ـ إمّا على سبيل الزيادة على الاُجرة ، أو الزيادة في الاُجرة ـ فإنّه قد ذهب من كيسه ولا عودة فيه .

   واُخرى :  يكون الشرط أوسع من ذلك ، فيجعل الحقّ لنفسه ولمن يجعل له هذا الحقّ ، وينقله إليه بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط ، فيكون مورد الحقّ أعمّ من المباشرة ، وهذا يتصوّر بل يقع كثيراً في الخارج على قسمين :

   فتارةً : يحتاج المالك إلى مال كثير كخمسة آلاف دينار ـ مثلاً ـ لعمارة دار أو بناية دكّان أو فتح محلّ ونحو ذلك ليؤجرّها بعدئذ بقيمة لايقدم عليها أحد قبل التعمير ، فيدفع له المستأجر ذلك المال بإزاء أن يكون له حقّ السكنى ـ  بالمعنى الجامع ، أي بنحو قابل للنقل  ـ بالاُجرة التي اتّفقا عليها فعلاً مشروطاً بأن لا يزيد عليها في السنين الآتية وإن ترقّت القيمة السوقيّة أضعاف ما هي عليه الآن كما هو كذلك غالباً ، فللمستأجر بعد ذلك حقّ السكنى لا مجّاناً بل

ــ[513]ــ

باُجرة معيّنة لا تزيد أبداً ، قد حصل على هذا الحقّ بإزاء المبلغ الذي دفعه أوّلاً المعبّر عنه بالسرقفليّة ، وهو حقّ كسائر الحقوق له ماليّة عقلائيّة وقابل للنقل إلى الغير ببيع أو إرث ونحوهما بمقتضى الاتّفاقيّة .

   وإذا كان قد اشترى هذا الحقّ من أرباح سنته وجب عليه خمسه في آخر السنة بقيمته الفعليّة التي ربّما تزيد على ما اشتراه به ، وربّما تنقص ، وربّما يستاويان .

   وتارةً اُخرى :  يشترط على المالك حقّ السكنى كي يستقرّ ولا ينتقل من محلّه إلى آخر ، ولكن كلّ سنة بقيمتها الفعليّة، ولا يلزم حينئذ دفع شيء إليه مسبقاً، فلو وافق المالك على هذا الشرط ورضي بالحقّ لم يكن له بعدئذ إخراجه ولا زيادة الاُجرة زيادةً فاحشة أضعاف الاُجرة السوقيّة ، لكونه بمثابة منعه عن حقّ السكنى المفروض ثبوته له ، وإنّما له الزيادة بالمقدار المتعارف حسب القيمة الوقتيّة .

   ثمّ إنّ هذا الحقّ إذا كان ثابتاً له بالمعنى الجامع الأعمّ من المباشرة ـ كما هو المفروض ـ ساغ له نقله إلى الغير وأخذ السرقفليّة منه كما في الصورة السابقة .

   وأمّا إذا كان خاصّاً به بحيث لا يقبل النقل فليس له ذلك .

   نعم ، له أن يأخذ حينئذ شيئاً بإزاء رفع اليد وإسـقاطه الحقّ بإفراغ المحلّ وإخلائه كي يتمكّن المستأجر الجديد من مراجعة المالك والاستئجار منه ، إمّا مع السرقفليّة أو بدونها . وهذا شيء آخر غير السرقفليّة كما لا يخفى .

   هذا تمام الكلام في كتاب الإجارة .

   والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين .

ــ[514]ــ

   وقد تمّ الفراغ في جواز البقعة العلويّة على مشرّفها آلاف الثناء والتحيّة في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر ربيع المولود من سنة أربعمائة وواحدة بعد الألف من الهجرة النبويّة .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net