كلّ مكلّف يجب أن يكون مجتهداً أو مقلِّداً أو محتاطاً 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2748


ــ[6]ــ

في عباداته ومعاملاته(1) أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد والتعلم طريق إليه .

   وأما احتمال أن يكون الوجوب النفسي في تلك الطرق مستنداً إلى المصلحة الواقعية الباعثة على الايجاب الواقعي ، فيدفعه : أنه إنما يتم فيما إذا أثبتنا وجوبها شرعاً فإنه في مقام التعليل حينئذ يمكن أن يقال : إن وجوبها منبعث عن نفس المصلحة الواقعية ، إلاّ أنه أول الكلام لعدم قيام الدليل على وجوب الاجتهاد والاحتياط . نعم ، لا بأس بذلك في التقليد بناءً على دلالة الأدلة على وجوبه الشرعي كما بنى عليه بعض مشايخنا المحققين (قدّس سرّه) (1) .

   فالمتحصّل إلى هنا : أن الاجتهاد وعدليه لا يحتمل فيها الوجوب الشرعي الأعم من النفسي والغيري والطريقي ، وإنما وجوبها متمحّض في الوجوب العقلي بالمعنى الّذي قررناه آنفاً .

   (1) بل وفي عادياته . بل في كل فعل يصدر منه على ما يأتي من الماتن (قدّس سرّه) في المسألة التاسعة والعشرين فلاحظ .

   (2) لأن الأحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف بوجوداتها ، فلا يمكن معه الرجوع إلى البراءة العقلية أو النقلية أو استصحاب عدم التكليف في موارد الاحتمال وذلك للعلم الاجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة إذ لا معنى للشريعة العارية عن أي حكم . ولا تجري الاُصول النافية في أطراف العلم الاجمالي أصلاً في نفسها ، أو أنها تتساقط بالمعارضة .

   ثمّ لو فرضنا أن المكلف ليس له علم إجمالي بوجود أيّ حكم إلزامي من الابتداء أو أنه كان إلاّ أنه قد انحلّ بالظفر بجملة معتد بها من الأحكام ، أيضاً لم يجز له الرجوع إلى الاُصول النافية في موارد احتمالها ، وذلك لأنه من الشبهة قبل الفحص وقد بيّنا في محلّه أنه لا مورد للأصل في الشبهات الحكمية قبل الفحص ، فإن الحكم الواقعي يتنجز حينئذ بالاحتمال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 17 .

ــ[7]ــ

   والنتيجة : أن الأحكام الواقعية متنجّزة على كل مكلف إمّا للعلم الاجمالي وإمّا بالاحتمال، وإذا لم تجر البراءة في الأحكام الواقعية عقلاً ولا نقلاً ولا استصحاب العدم ، لم يكن بدّ من الخروج عن عهدة امتثالها ، حيث إن في مخالفتها استحقاق العقاب ، وطريقه منحصر بالإجتهاد والتقليد والإحتياط وذلك لأن المكلف إمّا أن يستند في عمله إلى ما علم بحجيته وجداناً أو تعبداً فهو الاجتهاد ، وبالعمل به يقطع بأنه قد ترك الحرام وأتى بالواجب ، ويجزم بخروجه عن عهدة ما توجه إليه من الأحكام .

   وإمّا أن يستند في أعماله إلى قول الغير وهو المعبّر عنه بالتقليد ، إلاّ أن القطع بفراغ الذمة بسببه إنما هو فيما إذا كان قول الغير ثابت الحجية عنده بالاجتهاد ـ  ولو بالارتكاز  ـ لارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلاء ، وذلك لأن قول الغير ليس بحجة عليه في نفسه ولا يمكن أن تثبت حجية قول الغير بالتقليد وقول الغير ، لأن هذا القول كالقول الأول يتوقف حجيته على دليل ، فلو توقفت حجية قول الغير على التقليد وقول الغير لدار أو تسلسل ، لأنا ننقل الكلام إلى القول الثاني ونقول إن حجيته إمّا أن تستند إلى الاجتهاد أو إلى التقليد وقول الغير ، فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة وإثبات حجيته بالقول الثاني ، وعلى الثاني ينقل الكلام إلى القول الثالث فإن حجيته إمّا أن تثبت بالاجتهاد أو بالتقليد وقول الغير . فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة ، وعلى الثاني ننقل الكلام إلى القول الرابع ، وهكذا إلى ما لا نهاية له .

   فالمتحصل : أن التقليد لا يمكن أن يكون تقليدياً بوجه . نعم ، لا بأس بالتقليد في فروعه كجواز تقليد غير الأعلم أو البقاء على تقليد الميت كما يأتي في محلّه ، إلاّ أن أصل مشروعية التقليد لا بدّ أن يكون بالاجتهاد ، فالمقلد باجتهاده يعمل على فتوى المجتهد وهو يعمل على ما قطع بحجيته من الأمارات والاُصول .

   وإمّا أن يعمل بالاحتياط بأن يأتي بما يحتمل وجوبه ويترك ما يحتمل حرمته ، إلاّ أن الاحتياط لا يتمشى في جميع المقامات ، إمّا لعدم إمكانه كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وموارد كثرة أطراف الاحتياط بحيث لا يتمكن المكلف من اتيانها وإمّا لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم

ــ[8]ــ

جواز الامتثال الاجمالي في العبادات عند التمكن من امتثالها تفصيلاً ـ  إجتهاداً أو تقليداً  ـ وحيث إنها عبادة يعتبر فيها قصد القربة ولا يتمشى ذلك مع احتمال الحرمة فلا يسوغ للمكلف الاحتياط في مثلها ، أللّهمّ إلاّ أن يبنى على جوازه بالاجتهاد أو يقلّد من يفتي بجوازه في تلك المقامات . فالاحتياط لا يكون طريقاً إلى القطع بالفراغ في جميع الموارد .

   وبما سردناه ظهر أن طريق الخروج عن عهدة الأحكام الواقعية المنجّزة على المكلفين وإن كان منحصراً بالاجتهاد والتقليد والاحتياط ، إلاّ أن الأخير ليس في عرض الأوّلين بحسب المرتبة بل في طولهما . نعم ، يصح عدّه في عرضهما من حيث العمل ، لأن العمل إما أن يكون بالاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط ، كما ظهر أن التقليد أيضاً كذلك لأنه في طول الاجتهاد بحسب المرتبة لا في عرضه . فالاجتهاد هو الأصل الوحيد وهو التصدي لتحصيل القطع بالحجة على العمل ، لأن به يقطع بعدم العقاب على مخالفة الواقع .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net