السابع : الكلام النفسي 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 2252


في الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي

السابع : ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية لله تعالى القائمة بالذات ، وسمّوه بالكلام النفسي(1)، فلابدّ قبل تحقيق ذلك من بيان مرادهم من الكلام النفسي .

فنقول : قد حكي عنهم أنّ للكلام ـ غير ألفاظه ومفاهيمه وغير التصديق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف 8 : 91 ، شرح المقاصد 4 : 143 .

ــ[19]ــ

بثبوت النسبة في الخارج وعدمه في الأخبار ، وإيجاد النسبة من الطلب والتمنّي والترجّي وغيرها في الإنشاء ـ أمراً يسمّى بالكلام النفسي، قائماً بالنفس وراء العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسية المعروفة ، وهو مدلول الكلام اللفظي .

ولكن لا يخفى ما في هذه الحكاية ، فإنّ ظاهر كلماتهم كما يشهد عليه النظر فيها هو أنّ هناك أمراً قائماً بالنفس يكشف عنه الكلام اللفظي ، وهو فرد من نوع الكلام ، لا أنّه من مداليل الكلام اللفظي كي يستشهد عليه بقول القائل :

                                           إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما        جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فعليه تكون نسبة الكلام اللفظي إلى الكلام النفسي نسبة الكاشف إلى المنكشف ، نظير كشفه عن حياة المتكلّم وعقله وشعوره ، لا نسبة الدالّ إلى المدلول .

ثمّ إنّهم استدلّوا على إثبات الكلام النفسي بوجوه أربعة :

الأوّل : ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على ثبوت التكلّم له تعالى ، كقوله عزّوجلّ : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(1) وحيث كان الكلام اللفظي مركّباً من الحروف المتعاقبة المتدرّجة المتصرّمة ، فلو كان هو المقصود في هذه الآيات لزم أن تكون الذات المقدّسة محلا للحوادث ، وهو يخالف القدم والبساطة بخلاف ما لو كان المراد منه الكلام النفسي ، حيث إنّه ليس من مقولة الألفاظ ، فلا يلزم المحذور .

الثاني : أنّ لازم صدق المتكلّم عليه تعالى هو أن يكون قيام التكلّم به قيام الصفة بالموصوف ، إذ لو كان من باب قيام الفعل بالفاعل لما صحّ هذا الصدق ، ومن ثمّ لا يصحّ إطلاق النائم والقائم والذائق عليه تعالى مع أنّه خالقها ، وذلك ليس إلاّ من جهة أنّ قيام مثل هذه المبادي بالذات من باب قيام الفعل بالفاعل ، لا الصفة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 164 .

ــ[20]ــ

بالموصوف .

ولا يخفى أنّ عدّ هذا وجهاً مستقلا لا يخلو عن مناقشة ، إذ هو كما تراه أصل موضوعي لتتميم الوجه الأوّل ، لأنّ إثبات اللازم الفاسد في الفرض الأوّل بعد إثبات أنّ قيام التكلّم بالذات قيام الصفة بالموصوف ، والمتكفّل لإثباته هو هذا الوجه .

والجواب عنه : هو أنّ المراد من المبدأ في المتكلّم لا يخلو عن أحد أمرين : إمّا نفس الكلام الذي هو الكيف المسموع المتحصّل من تموّج الهواء واصطكاكه ، أو التكلّم .

وعلى الأوّل فلا يصحّ اتّصاف أيّ شخص به اتّصاف الموصوف بصفته ، من دون فرق بين الله تعالى وغيره ، ضرورة أنّ المتكيّف بهذا الكيف والمتّصف به هو الهواء ، لا الشخص المتكلّم به .

وعلى الثاني فالواجب أو الممكن وإن كان متّصفاً به ، إلاّ أنّ من الظاهر كونه من قبيل الأفعال دون الأوصاف ، فيكون معنى قولنا : الله متكلّم ، أنّه موجد للكلام(1)، وعليه يكون المقصود من الكلام المأخوذ مبدأً هو الكلام اللفظي بلا استلزام المحذور .

وبما ذكرناه من كون المبدأ هو التكلّم دون الكلام بطل النقض بعدم صدق النائم أو الذائق عليه تعالى مع أنّ مباديها مخلوقة له تعالى ، على أنّ المبدأ لو فرض كونه الكلام أيضاً لم يكن النقض وارداً ، إذ لا اطّراد في صدق ما كان على زنة فاعل كغيره من الأوزان ، فقد يكون ذلك فيما كان المبدأ من الأوصاف كالأمثلة المزبورة وقد يكون المبدأ من الأفعال كالخالق والرازق والباسط والقابض ، فلا ملازمة بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخفى أنّ المناسب : للتكلّم .

  
 

ــ[21]ــ

عدم صدق النائم ونحوه عليه تعالى وبين كون الكلام أمراً نفسياً وراء الكلام اللفظي .

هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لا إشكال في صحّة إطلاق المتكلّم عليه تعالى بلحاظ كلامه اللفظي ، فلو كان صحّة الإطلاق كاشفة عن قيام المبدأ بالذات قيام الصفة بموصوفها لزم كون الكلام اللفظي أيضاً من صفاته تعالى ، فيلزم كونه محلا للحوادث ، فلا مناص من الالتزام بكون الإطلاق من جهة قيام الكلام به قيام الفعل بفاعله .

وأمّا الوجه الأوّل فيظهر الجواب عنه بما ذكرناه في الأمر السادس(1) من الفرق البيّن بين الصفات الذاتية والصفات الفعليّة ، وأنّ التكلّم من قبيل القسم الثاني كما عرفته ، نعم لو كان المقصود من التكلّم القدرة عليه فهي من الصفات الذاتية ، كما هو في جميع الصفات الفعلية ، فإنّ القدرة على جميعها ذاتية ، هذا أوّلا .

وثانياً : أنّ قدم الكلام كما يستلزم قدم متكلّمه كذلك يستلزم قدم مخاطبه في هذه الموارد ، أي أمثال (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) إذ المقصود من الكلام فيها هو الكلام القائم بالطرفين ، فعليه يلزم قدم موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) .

الوجه الثالث : ما ورد من الآيات الدالّة على علمه تعالى بما يكون في النفس وحسابه عليه ، كقوله عزّ من قائل : (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(2) فما يكون مخفياً في النفس وغير ظاهر هو المراد من الكلام النفسي .

ويرد عليه : أنّ المقصود من كلمة (مَا) الموصولة في هذه الآية الشريفة هو نيّة السوء والحسن ، وأنّ معناها على الظاهر : إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص17 .
(2) البقرة 2 : 284 .

ــ[22]ــ

النيّات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به الله ، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات .

وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا اُريد إبرازه .

وفيه : أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتّبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز ، هذا مضافاً إلى أنّا لا ننكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي ، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما سيجي بيانه(1)، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير العلم ونحوه من الاُمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي ، وليس في شيء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك ، فضلا عن الدلالة .

الوجه الرابع : هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة ، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثمّ إلقائها إلى المخاطب ، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصّة بالألفاظ ، كالخطابة والشعر وغيرهما ، فهذا المرتّب والمنظّم في النفس أوّلا هو المقصود من الكلام النفسي .

والجواب عنه : أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختصّ بالكلام ، بل كلّ فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقّف صدوره منه على تصوّره والعلم به وترتيبه ، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له فردان : فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج ، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل الخارجي ، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي ، ولا نظن أن يلتزم به الأشعري .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد قليل .

ــ[23]ــ

ثمّ إنّ الدليل الحاصر المتحصّل من السبر والتقسيم على نفي الكلام النفسي من رأسه هو أن يقال : إنّ ما نجده للكلام اللفظي من الاُمور منحصر في سبعة : الأوّل : ألفاظه المفردة من دون ملاحظة معانيها وهيئتها ، الثاني : معاني تلك الألفاظ ، الثالث : الألفاظ مقيّدة بهيئتها التركيبية ، الرابع : المعنى المتحصّل من الكلام بهيئته ، الخامس : تصوّر تلك الاُمور جميعاً ، السادس : التصديق بثبوت النسبة ، ثبوتية كانت أو سلبية ، السابع : مطابقة النسبة للواقع وعدمها .

والأخيران منها يختصّان بالجملة الخبرية .

وأمّا في الجمل الإنشائية فالاُمور الخمسة المتقدّمة مع أمر سادس ، وهو الصفة القائمة بالنفس من الاعتبارات الإنشائية ، كالطلب ونحوه .
وليس للكلام أمر وراء هذه الاُمور المذكورة كي نسمّيه بالكلام النفسي المنكشف بالكلام اللفظي .

أمّا الثلاثة الاُول فليست هي بالكلام النفسي ، إذ ليس اللفظ ولا معناه ولا هيئته التركيبية كلاماً نفسياً حتّى عند الأشعري .

وأمّا الرابع ـ وهو معنى الهيئة التركيبية ـ فلما عرفته من أنّ الكلام النفسي ليس من مدلول الكلام اللفظي ، بل هو منكشف به .

وأمّا الخامس فلأنّ الكلام النفسي عندهم ليس من قبيل التصوّر والعلم ، ولا غيرهما من الصفات المعروفة .

وأمّا السادس ـ وهو التصديق بثبوت النسبة ـ فلوضوح أنّ المتكلّم ربما يعلم بكذب كلامه وأنّ النسبة ليست بثابتة في الخارج ، مضافاً إلى تصريحهم بأنّه ليس من قبيل التصديق أيضاً .

وأمّا السابع ـ وهو مطابقة النسبة في الخارج وعدمها ـ فليس من الكلام النفسي بالبداهة .

ــ[24]ــ

فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه وإن لم يقم البرهان العقلي على استحالة الكلام النفسي ، إلاّ أنّ الوجدان أقوى شاهد على عدمه ، وما ذكروه من الوجوه لإثباته قد عرفت أنّه لا يصلح شيء منها لذلك .
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net