أمثلة المذاهب المتقدّمة 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1921


ولتوضيح كلّ من الأقوال لابدّ من التمثيل باُمور قريبة من الذهن ، فنبدأ أوّلا بمثال الأمر بين الأمرين ، وهو مثالان :

الأوّل : نفرض إنساناً مبتلى بمرض الفالج ، بحيث ليس في استطاعته أن يتحرّك ولو تحرّكاً ما ، ونفرض أنّ طبيباً قد ربط به سلكاً كهربائياً فحرّكته القوّة بسبب إيصال الطبيب السلك إليه ، بحيث لو قطع الطبيب السلك عنه فهو على حالته الأوّلية من الفلج والسكتة ، فلمّا قدر على الحركة قام فمشى فقتل شخصاً ، فهذا القتل الصادر منه له جهتان من الإضافة :

الاُولى : إضافته إلى الطبيب الموصل للقوّة الموجبة لتحرّكه ، بحيث كانت إفاضة القوّة في حين الفعل مستمرّة من الطبيب حقيقة .

والثانية : إضافته إلى نفس الفاعل الذي قد صدر الفعل عن اختياره في أن يفعل وأن لا يفعل ، بمعنى تمكّنه من إعمال القدرة في تركه أو فعل غيره من الأفعال . وهذا أوضح مثال سمعناه من سيّدنا الاُستاذ (مدّ ظلّه) في مجلس درسه .

المثال الثاني : أن نفرض كأسين في مكان عال مملوء أحدهما من السمّ القاتل ، وثانيهما من العسل أو أحد الشرابت الطيّبة ، فرفع أب ابنه معرّفاً للابن ما في الكأسين ومكانهما ، فأخذ الابن السمّ القاتل وشربه ، ففي هذه الحالة للشرب إضافتان :

الاُولى : إضافته إلى الأب ، حيث إنّه رفعه وكان له إلقاء الابن في تلك الحالة .

الثانية : إضافته إلى الابن ، حيث إنّه كان متمكّناً من ترك الشرب من الكأس

ــ[32]ــ

 المملوء بالسمّ ، واختيار الكأس المملوء بالعسل .

وأمّا المثال على قول المجبّرة فبما إذا فرضنا إنساناً مبتلىً بارتعاش اليدين ، بحيث ليس في استطاعته إسكانهما بالمرّة ، وفرضنا أيضاً أنّا قد شددنا بيده آلة قتل ، وأقعدنا تحت يديه إنساناً بحيث تصل إليه الآلة عند ارتعاش اليدين فقتله بضرب الآلة ، المعلول من ارتعاش اليد الاضطراري ، فإنّه ليس لهذا القتل جهة استناد إلى العبد بوجه من الوجوه ، إذ المفروض أنّه صادر عن ضرب الآلة المشدودة بيده ، المعلول من ارتعاش اليد ووقوع الإنسان تحت يديه ، وكل ذلك اضطراري له ، فالعبد ليس إلاّ آلة محضة .

وأمّا المثال على قول الفلاسفة فبأمرين :

الأوّل : أن تفرض زجاجتان مقعّرتان ، إحداهما مواجهة للشمس بحيث يصل الضوء من الشمس إليها ، وثانيتهما موضوعة مقابل الاُولى بحيث يقع الضوء فيها بمجرّد الانكسار من الاُولى ، فالنور الواقع في الثانية مثل الفعل الصادر عن العبد ، فكما أنّ الزجاجة الثانية تتّصف بنفسها بالنور ، كذلك العبد هو المتّصف بالفاعلية حقيقة ، إلاّ أنّ هذه الفاعلية مسبّبة عن الإرادة المسبّبة عن الإرادة الأزلية ، كمسبّبية نور الزجاجة الثانية عن نور الاُولى ، المسبّب عن ضوء الشمس .

الثاني : عروض الارتعاش للبدن المسبّب عن الخوف ، المعلول من رؤية السبع ، فمَثَل الفعل عندهم مثل الارتعاش المسبّب عن الخوف ، ومَثَل الإرادة المعلولة للإرادة الأزلية مثل الخوف المسبّب عن رؤية الأسد .

وأمّا المثال على قول المفوّضة فباُمور ثلاثة :

الأوّل : لو أعطى الملك سلاحاً لجنده ليقاتل به عدوّه ، فقتل الجند ابن الملك فهذا القتل فعل الجند من دون احتياجه فيه إلى الملك ، لا في بقاء القدرة حين إعمال السلاح ولا في إعمال القدرة واختياره ، فإنّ قاطعية السلاح وكذلك قدرة الجند

ــ[33]ــ

في إعماله لم تكن مفتقرة إلى إفاضة من الملك ، فليس له ارتباط بالفعل إلاّ من ناحية إعطائه السلاح إيّاه .

الثاني : الأفعال الصادرة من الوالي المنصوب من قبل السلطان المفوّض إليه اُمور البلد ، فالأفعال الواقعة من الوالي كلّها منتهية إليه وغير مستندة إلى السلطان إلاّ من جهة نصبه والياً .

الثالث : لو أرسلنا أسداً ضارياً من القيد فحمل على إنسان فقتله ، فإنّ القتل حينئذ يصدر من الأسد مستقلا ، ولا يستند إلى المرسِل إلاّ من جهة فكّه عن القيد .

فإذا عرفت الأمثلة لجميع الأقوال تعرف الفرق بينها ، وأنّه في غاية الوضوح ، إلاّ الفرق بين التفويض وبين ما اختاره الإمامية من الأمر بين الأمرين ولذلك نوضّح الفرق بينهما أيضاً ببيان واضح ، وهو يبتني على ذكر مقدّمة وهي أنّه قد وقع الخلاف في محلّه(1) أنّ الموجود هل يحتاج بعد علّته المحدثة إلى العلّة المبقية أم لا .

ذهبت المفوّضة إلى الثاني ، وأنّ ما يحتاج إليه الموجود منحصر في العلّة المحدثة ، بمعنى أنّ سدّ جميع أبواب العدم وما يكون مانعاً عن دخول الممكن في دار الوجود لا يفتقر إلى أزيد من مرجّح ابتدائي ليخرجه من العدم إلى الوجود ، وأمّا بعد وجوده فلا يحتاج بقاؤه إلى العلّة والمؤثّر .

وأمّا الإمامية وكثير من الفلاسفة فبرهنوا على أنّ الممكن كما يفتقر في حدوثه إلى العلّة ، لأنّه غير مقتض للوجود ولا للعدم في حدّ ذاته ، فكذلك يحتاج في بقائه واستمرار وجوده إلى العلّة المبقية ، فمع قطع النظر عن إفاضة الوجود من الفيّاض المطلق يكون حاله في البقاء كحاله في الحدوث ، من جهة عدم الاقتضاء له في نفسه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار الأربعة 1 : 219 ، بداية الحكمة : 53 ، نهاية الحكمة : 83 ، كشف المراد : 81 .

ــ[34]ــ

ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية التي صارت في يومنا من البديهيّات . وتفصيل الكلام في محلّه وقد تعرّضنا لها نحن أيضاً في «التعليم»(1).

فإذا عرفت المقدّمة يتّضح الفرق الواضح بين الرأيين ، حيث إنّ بقاء القدرة والتمكّن من الفعل والترك يحتاج إلى الله المفيض ، بحيث لو انقطعت الإفاضة من الفيّاض لم يكن في العبد مقتض للفعل أصلا ، كما كان مفتقراً إليه في حدوثه ، هذا .

وأمّا بناءً على رأي المفوّضة فالممكن لا يحتاج في استمرار وجوده ـ المعبّر عنه ببقائه ـ إلى العلّة ، بل تكفي العلّة الاُولى المحدثة ، نعم له قطع الاستمرار والبقاء . وعليه يكون الفعل حال صدوره أجنبياً عن الله تعالى بالكلّية ، فإنّه من جهة إفاضة القدرة عليه وغيرها من المبادي غير الاختيارية مستغن عن المؤثّر بقاءً على الفرض ، ومن جهة إعمال القدرة فيه مستند إلى العبد فقط ، فهو الفاعل بالاستقلال والمتصرّف في سلطان الله تعالى بغير قضائه وإرادته على هذا الرأي الفاسد ، أعاذنا الله منه ومن أمثاله .

ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك الفرق بين الأقوال بذكر الأمثلة لها لابدّ لنا من الشروع في ذكر أدلّة كلّ من الأقوال الأربعة ، مع بيان ما هو الحقّ منها ، ونقدّم البحث عن مذهب الجبرية ونذكر أدلّتهم العقلية والنقلية(2) مع الجواب عنها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net