الدليل الثاني 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1948


الثاني : هو أنّه تعالى عالم بجميع الموجودات ومنها أفعال العباد ، وذلك يوجب وقوعها منهم في الخارج ، وإلاّ انقلب علمه جهلا ، تعالى الله عن ذلك .

وتوضيحه : أنّ العلم لمّا كان متعلّقاً بالفعل الذي يوجده زيد ـ مثلا ـ لزم وجوده في الخارج ليطابق علمه معلومه ، فلو فرضنا قدرة زيد على الفعل والترك وأنّه لم يفعل باختياره كان العلم المزبور جهلا ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدّم مثله .

ثمّ إنّ بناء هذه الشبهة يمكن أن يكون على أحد أمرين :

الأوّل : ما فهمه خاتم المحقّقين نصير الدين الطوسي وغيره من المحقّقين(2)(قدّس الله أسرارهم) من أنّ أساس الشبهة على دعوى أنّ العلم الأزلي علّة لصدور الفعل من العبد .

والجواب عنه حينئذ ظاهر ، فإنّ العلم بالأمر المتأخّر وانكشافه لدى العالم به ليس علّة لوجوده ، سواء في ذلك علمه تعالى وعلم غيره .

الثاني : ما يظهر من بعضهم من أنّ أساس الشبهة على دعوى استلزام العلم
ــــــــــــــــــــــــــــ

(2) راجع نقد المحصل : 328 ، الأسفار 6 : 384 ، كشف المراد : 332 ، 246 ـ 247 .

ــ[37]ــ

الأزلي وقوع الفعل في الخارج ، وإن لم يكن بينهما علّية ومعلولية .

والجواب عنه : أنّ العلم الأزلي إذا كان متعلّقاً بصدور الفعل من الفاعل باختياره وإرادته فهو لا يستلزم وقوعه على أي نحو وقع في الخارج، بل يستلزم وقوعه عن إرادة واختيار ، والسرّ فيه : أنّ العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه ، فإذا كان الواقع في نفسه اختيارياً لم يوجب انكشافه لدى العالم به انقلابه إلى كونه اضطرارياً ، بل لو فرض الانقلاب لزم انقلاب العلم جهلا ، إذ المفروض تعلّق العلم به بما هو اختياري ، فكيف يمكن أن يصدر بغير اختيار من الفاعل وإرادته .

وهذا الذي ذكرناه هو المراد بقول من قال : إنّ العلم تابع للمعلوم(1)، دون العكس .

وإن شئت توضيح ذلك فلاحظ المرآة إذا كان في قبالها جسم وقعت صورته فيها ، فهل الواقع فيها يغاير الصورة الخارجية ، أو أنّ الصورة الخارجية على ما هي عليها تنعكس في المرآة ؟ لا سبيل إلى الأوّل بالضرورة ، بل الموجود في الخارج تنعكس صورته فيها على ما هو عليه ، والانكشاف لا يغيّر الواقع ولا يبدّله .

ولا يخفى أنّا لم نرد بهذا التمثيل إلاّ تقريب الذهن ، وبيان أنّ انكشاف شيء لا يغيّر واقعه ، لا التمثيل التامّ كي يقال بأنّ علم الله تعالى بالأفعال حاصل قبل تحقّقها فكيف يقاس ذلك بالمرآة المنكشف فيها صورة الموجود الخارجي بعد وجوده .

ويمكن الجواب عن الشبهة على كلا الأساسين بما عن المحقّق الطوسي(2) بالنقض بعلمه تعالى بأفعال نفسه ، بتقريب : أنّ العلم بصدور فعل لو كان علّة لصدوره بغير اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع نقد المحصّل : 328 ، كشف المراد : 332 .
(2) نقد المحصّل : 328 ، 340 .

ــ[38]ــ

أفعاله ، لأنّها معلومة له قبل وقوعها ، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك ، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً.

وبما ذكرناه من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنّه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد ، كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ)(1) الخ ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلاّ لزم الكذب عليه تعالى ، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً ، وجه الظهور : أنّ الإخبار عن شيء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده ، بل بوجوده الاختياري ، فلا يوجب انقلابه عمّا هو عليه ، وإلاّ لزم الكذب ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل الله سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك ، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل الله أيضاً ، والأشعري لا يلتزم به ، وسيجيء التعرّض لذلك مفصّلا عند البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسد 111 : 1 ـ 3 .
(2) لاحظ ص82 وما بعدها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net