الدليل السادس 

الكتاب : مجمع الرسـائل - رسـالة في الأمر بين الأمرين   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 1965


السادس : أنّ القدرة على الإيجاد صفة كمال ، لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان .

وجوابه أوضح من أن يخفى على العاقل ، إذ نقصان العبد ليس إلاّ من جهة ذاته الإمكانية التي لا تقتضي الوجود ولا العدم ، وأمّا بعد كونه محلاًّ لإفاضة الوجود كيف يبقى على حالته الأوّلية ، ولا شكّ في ترتّب الأوصاف الكمالية على هذه الإفاضة بمقدار اكتسابه من الكمالات ، نعم اتّصاف العبد بالكمال المطلق أمر مستحيل ، ولا نقول به .

وتوضيح ذلك : أنّ ما يتصوّر من الكمال على قسمين :

الأوّل : الكمال غير المحدود بحدّ الذي هو من لوازم وجوب الوجود ، فهو مختصّ بالله تبارك وتعالى .

الثاني : الكمال المحدود بحدّ خاصّ ، ولا مانع من اتّصاف الممكن به بافاضته تعالى عليه ، فالممكن وإن كان فقيراً بذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، إلاّ أنّه بفضل الله ولطف عنايته يتّصف بصفات كمالية ، ومنها القدرة على الفعل والترك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة . أو ليس العلم والكرم وسائر الأخلاق الفاضلة من الكمالات ، بل لا غرو في أن يصل العبد بمجاهداته ورياضاته في مراتب الكمال إلى حدّ يكون مظهراً للصفات الإلهية ، وبذلك يصير متصرّفاً في الموجودات التكوينية .


ــ[45]ــ

هذه هي الأدلّة التي أقاموها على اضطرار العباد في أفعالهم ، وقد ظهر عدم صلاحية شيء منها لإثبات مطلوبهم ، ولهم شبهات واهية اُخرى ضربنا عنها صفحاً .

ثمّ إنّه لمّا اُشكل على القائلين باضطرار العباد في أفعالهم وعدم اختيارهم على الفعل والترك بأنّ ذلك يستلزم قبح العقاب على الكفر والمعصية ، ولغوية بعث الرسل وإنزال الكتب ، أجابوا عنه بأنّ العبد وإن لم يكن مختاراً في أفعاله ، إلاّ أنّه هو الكاسب لها ، والثواب أو العقاب إنّما هو لكسبه الإطاعة أو المعصية ، ولمّا لم يكن لكلمة الكسب معنى ظاهر في المقام فسّروه بمعان ثلاثة :

الأوّل : ما نقله في مصابيح الأنوار من أنّه أمر يتّصف به العبد ، لا بمعنى إيجابه فاعليّته ، ولا اتّصافه بالفعل(1).

وهو أمر في تعقّله غموض ، ولمّا كان التكلّم في صحّة هذا المعنى وفساده متوقّفاً على تعقّله وهو غير متعقّل أعرضنا عن التعرّض له .

الثاني : ما ينسب إلى الأشعري من أنّ معنى كون العبد كاسباً هو كونه محلاًّ للفعل ، ككونه محلاًّ للسواد والبياض(2).

وهذا المعنى بيّن الفساد ، إذ كون العبد محلاًّ لفعل ككون الجسم محلاًّ للسواد والبياض خارج عن اختياره ، فلا يصحّ العقاب ولا بعث الرسل وإنزال الكتب .

الثالث : ما نسب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني من أنّ نفس الفعل وإن لم يكن صادراً بالاختيار ، إلاّ أنّ جعله معنوناً بعنوان الطاعة والمعصية بيد الفاعل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مصابيح الأنوار 1 : 132 .

(2) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 60 ـ 61 ، كشف المراد : 308 .

ــ[46]ــ

وباختياره ، وهو المصحّح للثواب والعقاب(1).

وهذا الجواب أيضاً ساقط ، وذلك لأنّ هذا العنوان إمّا أن يكون منتزعاً من نفس الفعل ، وأنّ الفعل هو المنشأ لانتزاعه ، فليس لجعله معنوناً بالطاعة أو المعصية وجود متأصّل في الخارج ، وإنّما انتزعه العقل من منشئه الذي هو الفعل ، فلا يعقل أن يكون التعنون اختيارياً مع اضطرارية منشئه . وإمّا أن يكون له وجود متأصّل غير حقيقة الفعل فلا شكّ في نقل الكلام إليه ، فإن كان فعلا من الأفعال فهو أيضاً اضطراري على رأيه ، وإن كان من قبيل الصفة فهو ممّا ذكره الأشعري ، وقد عرفت جوابه .

وربما أجاب بعضهم عن إشكال استلزام قولهم قبح العقاب لكونه ظلماً تارة بإنكار حكم العقل وإدراكه الحسن والقبح ، واُخرى بأنّ الظلم لا يتصوّر في فعل الله تعالى ، فإنّ الظلم عبارة عن التصرّف في ملك الغير ، وهذا لا يتحقّق في أفعاله فإنّها كلّها تقع في ملكه ، فلا موضوع فيها للظلم .

ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن والسقوط ، فإنّ إنكار إدراك العقل الحسن والقبح يساوق إنكار البديهيّات كما مرّ الكلام فيه في المقدّمات(2).

وأمّا حديث عدم إمكان تحقّق الظلم في أفعاله تعالى لانتفاء موضوعه فهو ناشئ عن تخيّل اختصاصه بالتصرّف في ملك الغير ، مع أنّه واضح البطلان ، فإنّ الظلم معنى جامع قد يتعلّق بنفس الفاعل ، وقد يتعلّق بغيره المملوك له وقد يتعلّق بغيره غير المملوك له .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 61 ، نقد المحصّل : 325 ، كشف المراد : 308 .
(2) في ص6 .

ــ[47]ــ

أفيشكّ عاقل في أنّه لو كان لأحد عبدان وقد أطاعه أحدهما غاية الطاعة وتمرّد الثاني عليه غاية التمرّد ، فضرب المالك المطيع المنقاد وأهانه وأكرم المتمرّد غاية الإكرام ، في أنّ العقل يحكم بقبح فعله ، مع أنّه مالك لكلا العبدين وله التصرّف فيهما كيف ما شاء .

والسرّ في ذلك ليس إلاّ ما عرفت من عدم اختصاص الظلم بالتصرّف في ملك الغير بل أعمّ من ذلك ، ومعناه الجامع هو الخروج عن الجادّة الوسطى ، ووضع الشيء في غير محلّه ، والحاكم بقبحه على الإطلاق هو العقل .

تتميم يذكر فيه أمران :

الأوّل : أنّه ذكر بعضهم أنّ العقل وإن كان له أن يحكم بحسن شيء أو قبحه إلاّ أنّ ذلك لا يعمّ أفعال الله سبحانه ، إذ لا يحكم عليه أحد بشيء ، فإنّه الحاكم على الإطلاق ، وكلّ من سواه مخلوق له ومحكوم بحكمه ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون .

والجواب عن ذلك : ما عرفت في الأمر الرابع(1) من الاُمور التي قدّمناها من أنّ حكم العقل على الله تعالى ليس معناه هو مسؤوليته للعقل، أو إلزام العقل له بفعل أو بترك ، بل معناه إدراك العقل استلزام الكمال المطلق لأمر ما .

فإذا قلنا : العقل يدرك قبح الظلم على الله تعالى ، معناه أنّ العقل يدرك أنّ الخروج عن الجادّة الوسطى ووضع الشيء في غير محلّه ـ المعبّر عنه بالتعدّي أحياناً ـ ينشأ من أحد أمرين : إمّا جهل الفاعل بقبح ما يفعله ولو كان من جهة التقصير في التعلّم ، وإمّا حاجته مع العلم بقبحه، وبما أنّ الله سبحانه يستحيل فيه الجهل والاحتياج يستحيل فيه الظلم ، لا من جهة عدم قدرته عليه ، بل من جهة استلزامه المحال .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص9 ـ 10 .

ــ[48]ــ

فالظلم منه سبحانه وإن كان ممكناً ذاتاً إلاّ أنّه مستحيل وقوعاً ، وهذا معنى ما ذكرناه سابقاً(1) من أنّ حكم العقل في هذه الموارد من فروع الحكمة النظرية دون العملية .

الثاني : أنّ منع استقلال العقل في حكمه بالتحسين والتقبيح يوجب سدّ باب الحجّة على العبد ، إذ كيف يمكنه التصديق بنبوّة مدّعيها مع إظهار المعجز مع عدم استقلال العقل بقبح إظهار المعجز على يد الكاذب ، وكيف يلزم نفسه بالطاعة والاجتناب عن المعصية لو لم يستقل العقل بقبح عقاب المطيع وصحّة عقاب العاصي .

وقد أجابت الأشاعرة عن ذلك بأنّ العقل وإن لم يستقل بشيء ممّا ذكر ، إلاّ أنّ عادة الله جرت على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، وعلى عدم التخلّف عن وعده ، وقد وعد المطيع الثواب والعاصي العقاب(2).

وهذا الجواب لم يكن ينبغي صدوره عن عاقل واحد ، فكيف بما إذا أطبقت عليه كلماتهم ، وذلك لأنّه يرد عليه :

أوّلا : أنّه من الذي اطّلع على عادة الله سبحانه من الأزل إلى الأبد لولا استقلال العقل بقبح شيء عليه ، ولا سيّما فيما إذا كان الأمر ممّا يرجع إلى النشأة الآخرة ، وهل المؤمنون بالنبيّ الأول كانوا عالمين بجريان عادة الله على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، أو أنّهم بمقتضى فطرتهم وعقلهم السليم أدركوا استحالة تثبيت الله سبحانه دعوى النبوّة الكاذبة بإظهار المعجز على يد مدّعيها .

وثانياً : لو سلّم إحراز جريان عادة الله بشيء مع قطع النظر عن الحكم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص10 .
(2) راجع كشف الفوائد (ضمن مجموعة الرسائل) : 65 .

ــ[49]ــ

العقلي ، لكنّه ما هو المانع من احتمال تغيير الله عادته في مورد ما ، ومن الظاهر أنّه لا دافع لهذا الاحتمال إلاّ حكم العقل .

وبالجملة : إنّ إنكار حكم العقل بالتحسين والتقبيح يوجب هدم أساس الشريعة وفروعها ، أعاذنا الله منه ومن سائر الأقوال الفاسدة ، وهدانا إلى صراطه المستقيم .

هذا آخر ما أردنا نقله من أقوال الأشاعرة ، وما يرد عليها وعلى أدلّتها بما لا مزيد عليه ، والحمد لله ربّ العالمين .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net