18 ـ إزالة الشعر عن البدن 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 594


ــ[462]ــ


18 ـ  إزالة الشعر عن البدن

   مسألة 259 : لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره المحرم أو المحل (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

يكون عالماً به وقد يكون جاهلاً به ، وعلى العالم كذا وعلى الجاهل بالحكم كذا ، ولكن الظاهر عدم

إرادة العالم مقابل الجاهل من قوله : «وإن كان تعمد» وليس المراد بالجملتين العلم والجهل بالحكم ،

بل المراد من المتعمد القصد إلى الفعل وكونه ملتفتاً إليه ، والمراد بالجهل ليس الجهل بالحكم ، بل المراد

غير القاصد كالناسي والغافل عن إحرامه ، فان مقابل الجاهل بالحكم العامد لا المتعمد ، فالتعبير

بالمتعمد قرينة على أنّ المراد بالجاهل غير القاصد إلى الفعل في قبال القاصد ، فالتقسيم المذكور في

الرواية صحيح وليس وجوب الكفّارة على الجاهل بالمعنى الّذي ذكرناه مخالفاً للأخبار والأصحاب ،

فلا بأس في الاحتياط الّذي ذكرناه في المتن ، ولم يكن مخالفاً لاتفاق الأصحاب ، ولكن قد عرفت حال

الرواية وأ نّها مقطوعة غير مستندة إلى المعصوم (عليه السلام) .

   (1) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز إزالة الشعر من رأسه ولحيته وسائر بدنه بجميع أنواعها من

النتف والحلق والقص قليلاً كان الشعر أو كثيراً، ويدل عليه بالنسبة إلى حلق الرأس قوله تعالى : (وَلاَ

تَحْلِقُوْا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ ا لْهَدْيُ مَحِلَّهُ)(1) . ويستفاد ذلك أيضاً من الروايات .

   وأمّا الحلق لغير الرأس فيدل عليه عدّة من الروايات :

   منها : صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم ؟ قال : لا ، إلاّ أن لا

يجد بداً فليحتجم ، ولا يحلق مكان المحاجم» (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 196 .

(2) الوسائل 12 : 512 /  أبواب تروك الاحرام ب 62 ح 10 .

ــ[463]ــ

ويستثنى من ذلك حالات أربع :  (1) أن يتكاثر القمل على جسد المحرم ويتأذى بذلك .  (2) أن

تدعو ضرورة إلى إزالته كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو نحو ذلك .  (3) أن يكون الشعر نابتاً

في أجفان العين ويتألم المحرم بذلك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   ومنها : صحيح حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو

يقطع الشعر»(1) .

   وأمّا قطع الشعر وإزالته بأيّ نحو كان ، فيدل على حرمته صحيح حريز المتقدِّم ، فانّ القطع تشمل

النتف والجز والقص وأمثال ذلك ، وكذا يدل عليه موثق معاوية بن عمار «عن المحرم كيف يحك رأسه

؟ قال : بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر» (2) .

   ويدل عليه أيضاً معتبرة الهيثم قال : «سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يريد إسباغ

الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو شعرتان ، فقال : ليس بشيء ، ما جعل عليكم في الدّين من

حرج» (3) .

   فانّ المستفاد منها حرمة قطع الشعر وإزالته في نفسه مع قطع النظر عن الحرج ، وإلاّ لو كان جائزاً

في نفسه لما احتاج في الحكم بالجواز إلى الاستدلال بنفي الحرج ، وإنّما جوّزه لأنّ الالتزام بعدم سقوط

الشعر مع اسباغ الوضوء حرجي غالباً، خصوصاً إذا كان الشعر ضعيفاً ، كما إذا كان الشخص شيخاً

كبيراً .

   ويؤكّده أو يؤيّده النصوص الدالّة على ثبوت الكفّارة لاسقاط الشعر ، بناءً على ثبوت الملازمة

العرفية بين ثبوت الكفّارة والحرمة ، فانّ الملازمة بينهما وإن لم تكن دائمية ، إذ قد يفرض الجواز مع

الكفّارة ، ولكن لا يبعد دعوى الملازمة غالباً بين الأمرين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 12 : 512 /  أبواب تروك الاحرام ب 62 ح 5 .

(2) الوسائل 12 : 533 /  أبواب تروك الاحرام ب 73 ح 1 .

(3) الوسائل 13 : 172 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 16 ح 6 .

ــ[464]ــ

(4) أن ينفصل الشعر من الجسد من غيرقصد حين الوضوء أو الاغتسال (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) ثلاثة من الموارد المستثناة من أفراد الضرر ، ومورد واحد غير ضرري .

   أمّا ما كان غير ضروري فهو كسقوط الشعر عند إسباغ الوضوء ، فان انفصال الشعر من الجسد

من لوازم إسباغ الوضوء غالباً ، ولا بأس به إذا لم يكن متعمداً ، ولا يختص الحكم بالوضوء ، بل يعم

الحكم للغسل أيضاً للحرج المنفي في الشريعة المقدّسة ، فانّ الالتزام بعدم سقوط الشعر عند الوضوء

أو الاغتسال أو غسل عضو من أعضائه حرجي نوعاً ، وقد عرفت مدلول معتبرة الهيثم فانّها تدل على

جواز إزالة الشعر عند إسباغ الوضوء مستدلاًّ بالحرج المنفي .

   وأمّا موارد الضرر فعلى ثلاثة أقسام ، لأ نّه تارة يتضرر من وجود الشعر ونباته في مكان خاص

كنبات الشعر في الأجفان ، فانّ المحرم يتألم بذلك ، فلا ريب في جواز إزالته للضرر ، ويستفاد من بعض

الروايات أيضاً . واُخرى يتوقف العلاج والتداوي على إزالة الشعر ، وإلاّ فوجود الشعر في نفسه غير

ضرري ، وإنّما تدعو الضرورة والعلاج إلى إزالته ، كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو يحتاج إلى

تبريد الرأس ونحو ذلك ، فهذا أيضاً جائز للضرر .

   وثالثة : ما إذا توقف دفع الضرر على إزالة الشعر ، وإلاّ فوجود الشعر في نفسه غير ضرري ولا

يتوقف علاج المرض والتداوي على إزالته ، ولكن يتوقف دفع الضرر على إزالته ، كما إذا تكاثر

القمّل على رأسه ولحيته ، فيزيل الشعر دفعاً للقمّل الّذي يتأذى منه ، ففي جميع هذه الموارد تجوز إزالة

الشعر وحلقه ، للآية الشريفة ولقاعدة نفي الضرر .

   وأمّا رواية حريز الحاكية لمرور رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على كعب ابن عجرة

الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال : أتؤذيك هوامك ؟ فقال : نعم ، قال : فانزلت

هذه الآية (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك) فأمره

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

ــ[465]ــ

بحلق رأسه ، الحديث (1) فمرسلة على طريق الكليني (2) ، وطريق الشيخ (3) وإن كان باسناد

صحيح ولكن لا يمكن الاعتماد عليه ، إذ يبعد جدّاً أن حريزاً يروي لحماد تارة مسنداً عن الإمام

واُخرى مرسلاً ، فتكون الرواية مرددة بين الارسال والاسناد فتسقط الرواية عن الحجية ، وهذا

الكلام يجري حتّى مع قطع النظر عن كون الكليني أضبط ، ولا يختص ما ذكرنا بهذه الرواية بل يجري

في جملة من الروايات المروية عن حريز ، فانّ الكليني رواها مرسلاً والشيخ مسنداً ، وكيف كان يكفينا

في الحكم بالجواز نفس الآية المباركة وحديث نفي الضرر .

   فالمتحصل : أ نّه لا تجوز إزالة الشعر عن البدن بأيّ نحو من أنحائها إلاّ في موارد الضرر والحرج

كاسباغ الوضوء ونحوه .

   ثمّ إنّه لا فرق في حرمة إزالة الشعر بين شعره وشعر غيره محلاً كان الغير أو محرماً ، أمّا بالنسبة إلى

المحل فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «لا يأخذ المحرم من شعر الحلال» (4) وأمّا إذا كان الغير

محرماً فيستفاد الحكم بالحرمة بالنسبة إليه بالأولوية القطعية ، إذ لا نحتمل كون الحكم في المحرم أخف

من المحل .

   ويمكن أن يستدل له بوجه آخر ، وهو أنّ الحكم إذا كان عاماً شاملاً لأفراد قد يفهم منه عرفاً عدم

جواز التسبيب إليه أيضاً ، وعدم اختصاصه بالمباشرة ، نظير ما إذا قال المولى لعبيده وخدمه لا تدخلوا

عليّ في هذا اليوم ، فانّ المتفاهم من ذلك عدم جواز إدخالهم للغير أيضاً ، وأن هذا الفعل مبغوض من

كل أحد ، ولا يختص بالمباشرة ودخول العبيد أنفسهم ، بل يفهم من هذا الخطاب مبغوضية هذا الفعل

من كل أحد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 165 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 14 ح 1 .

(2) الكافي 4 : 358 /  2 .

(3) التهذيب 5 : 333 /  1147 .

(4) الوسائل 12 : 515 /  أبواب تروك الاحرام ب 63 ح 1 .

ــ[466]ــ

   مسألة 260 : إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة ، وإذا حلقه لضرورة فكفارته

شاة أو صوم ثلاثة أيّام ، أو إطعام ستّة مساكين لكل واحد مدّان من الطعام (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   (1) في ثبوت الكفّارة تفصيل ، فيقع الكلام في موارد :

   الأوّل : في حلق الرأس .

   المشهور ثبوت الكفّارة المخيّرة بين الاُمور الثلاثة المذكورة في الآية من الصيام والصدقة والنسك أي

الشاة(1) وذكر ذلك في صحيح زرارة أيضاً حيث تعرض لبيان المراد من الكفّارة وفسّرها بالصيام

ثلاثة أيّام والتصدق على ستّة مساكين أو ذبح شاة (2) والآية المباركة وإن وردت في مورد العذر

ولكن ثبوت الحكم بالكفّارة على المختار بطريق أولى ، فالمحرم إذا حلق رأسه معذوراً أو مختاراً تجب

عليه الكفّارة المخيرة المذكورة في الآية ، وأمّا وجوب الشاة أو الدم فيدل عليه صحيحتان لزرارة فقد

ذكر في إحداهما الشاة وفي الاُخرى الدم(3) وإطلاق الدم يقيد بالشاة إن لم يكن الدم في نفسه ظاهراً

في الشاة ، ولكن قالوا إنّ الشاة غير متعينة وإنّما الشاة من جملة الأفراد المخيرة المذكورة في الآية

والرواية السابقة .

   فالمتحصل : أ نّهم ذهبوا في حلق الرأس مطلقاً إلى التخيير بين الاُمور الثلاثة ، فان تمّ إجماع على ما

ذكروه فلا كلام ، وإن لم يتم فلا وجه لفتوى المشهور أصلاً ، أمّا الآية فموردها المريض أو المعذور ،

وأمّا صحيحة زرارة المفسرة للآية فموردها أيضاً من كان أذى في أرسه ، وأمّا الصحيحان المشتملان

على أن عليه الدم أو الشاة فموردهما الحلق على الاطلاق مضطراً كان أو مختاراً ، ومقتضى الجمع بين

الروايات أن غير المضطر يتعيّن عليه الشاة ، والمضطر مخيّر بين الاُمور الثلاثة المذكورة في الآية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 196 .

(2) الوسائل 13 : 167 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 14 ح 3 .

(3) الوسائل 13 : 160 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 1 ح 1 ، 6 .

ــ[467]ــ

وإذا نتف المحرم شعره النابت تحت إبطه فكفارته شاة ، وكذا إذا انتف أحد إبطيه على الأحوط ، وإذا

نتف شـيئاً من شعر لحيته وغيرها فعليه ان يطعم مسكيناً بكف من الطعام ، ولا كفّارة في حلق المحرم

رأس غيره محرماً  كان أم محلّا (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

الشريفة ، فاجزاء الصوم أو الطعام في المختار عن الشاة يحتاج إلى دليل ولا دليل .

   وبعبارة اُخرى : لو لم تكن الآية لقلنا بوجوب الشاة على الاطلاق مضطراً كان المحرم أو مختاراً في

الحلق، ولكن لأجل الآية الكريمة نقول بالتخيير في المضطر خاصّة.

   فتحصل : أن مقتضى الجمع بين الروايات هو التفصيل بين ما إذا كان المحرم مضطراً إلى حلق رأسه

فيتخير بين الاُمور الثلاثة ، أي الصيام ثلاثة أيّام وإطعام ستّة مساكين والشاة . نعم ، في خبر محمّد بن

عمر بن يزيد «والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام» (1) ولكنّه ضعيف سنداً بمحمّد بن

عمر بن يزيد ، وبين ما إذا كان مختاراً فيتعين عليه الشاة .

   (1) المعروف بينهم أن من نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين ، ولو نتفهما لزمه شاة .

   والّذي يمكن أن يستدل لهم : أ نّه ورد في رواية عبدالله بن جبلة «في محرم نتف إبطه ، قال : يطعم

ثلاثة مساكين» وورد في صحيح حريز أنّه «إذا نتف الرجل إبطيه بعد الاحرام فعليه دم»(2). ويحمل

الدم على الشاة بقرينة سائر الروايات، فقالوا مقتضى خبر حريز وجوب الشاة لنتف الإبطين معاً ،

ووجوب إطعام ثلاثة مساكين لخبر عبدالله بن جبلة ، وأمّا الصحيحتان لزرارة اللّتان ذكر فيهما الشاة

أو الدم لنتف الإبط فمحمولتان على نتف الإبطين معاً للغلبة الخارجية ، فانّ الغالب في من نتف إبطه أو

حلقه ينتف الإبطين معاً .

   إن قلت : مفهوم صحيح حريز هو عدم وجوب الشاة لمن لم ينتف الإبطين ، وهذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 166 /  أبواب بقية الكفّارات ب 14 ح 2 .

(2) الوسائل 13 : 161 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 11 ح 2 ، 1 .

ــ[468]ــ

مطلق له فردان عدم نتف الإبطين معاً ونتف إبط واحد ، فيقيّد إطلاق المفهوم بالصحيحتين لزرارة

الدالّتين على وجوب الشاة في نتف الإبط ، فالنتيجة عدم وجوب الشاة على من لم ينتف الإبطين أصلاً

، ووجوب الشاة على من نتف الإبط الواحد .

   قلت : تقييد إطلاق المفهوم بمنطوق دليل آخر وإن كان صحيحاً في نفسه ، ولكن التقييد في

خصوص المقام غير ممكن ، لأ نّه يوجب إلغاء نتف الإبطين عن إيجابه للشاة وعدم خصوصية لهما .

   وبعبارة اُخرى : لو قلنا بوجوب الشاة في نتف إبط واحد فلا موضوع ولا خصوصية لنتف الإبطين

. مع أنّ الظاهر أن نتف الإبطين له خصوصية ، فلا بدّ من حمل الإبط المذكور في صحيحتي زرارة على

الجنس بقرينة صحيحة حريز ، فلا منافاة في البين .

   فتحصل : أن نتف الإبطين معاً يوجب الشاة ونتف إبط واحد يوجب الاطعام على ثلاثة مساكين .

   وتفصيل الكلام : أنّ المشهور في نتف الإبطين شاة وفي نتف إبط واحد التصدق على ثلاثة مساكين

، واستندوا في ذلك إلى صحيحة حريز الدالّة على وجوب الشاة في نتف الإبطين ، وقالوا إن مقتضى

مفهومها عدم وجوب الشاة في نتف إبط واحد ، فما ورد من وجوب الشاة في نتف إبط واحد كما في

صحيحتي زرارة محمول على الجنس ويمكن صدقه على الإبطين ، فلا منافاة في البين .

   وما ذكروه غير تام ، لأ نّه لو سلمنا دلالة صحيحة حريز على نفي وجوب الشاة لنتف إبط واحد

بالمفهوم ، فانّما ينفي الوجوب التعييني ، وأمّا الوجوب التخييري الجامع بين الشاة وغيرها فلا ينفيه

المفهوم ، وبما أن صحيح زرارة يدل على وجوب الشاة في نتف إبط واحد ، وخبر عبدالله بن جبلة

يدل على الاطعام على ثلاثة مساكين ، فكل منهما نص في الوجوب وظاهر في التعييني ، فلا بدّ من

رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين ، والالتزام بوجوبهما ، فالنتيجة ثبوت الوجوب التخييري كما

ــ[469]ــ

هو الحال في غير المقام ، فانّه إذا دلّ دليل على وجوب شيء ودلّ دليل آخر على وجوب أمر آخر

وعلمنا من الخارج بعدم وجوبهما معاً ، يحمل الوجوب في كل منهما على التخييري ، فمقتضى الصناعة

والجمع بين خبر عبدالله بن جبلة وخبر زرارة هو وجوب الشاة في نتف إبط واحد وجوباً تخييرياً بينه

وبين الاطعام .

   هذا كلّه بناءً على ذكر الإبطين بالتثنية في صحيح حريز كما عن الشيخ (1) ، ولكن الصدوق رواه

بعين السند عن حريز ، إلاّ أ نّه قال : «إبطه» بالإفراد (2) ، فلا يعلم أن حريزاً روى لحماد بالتثنية أو

بالإفراد ، فلا يمكن التمسُّك بمفهومه لنفي الشاة بنتف الإبط الواحد ، نعم لا إشكال في ثبوت الشاة

لنتف الإبطين معاً ، سواء كان خبر حريز بلفظ التثنية أو الإفراد ، فنفي الشاة عن نتف إبط واحد غير

ثابت ، فتبقى صحيحتا زرارة من غير تقييد ومقتضاهما وجوب الشاة لنتف إبط واحد ، لعدم ثبوت

ذكر الإبطين بالتثنية في صحيح حريز ، ولعل نسخة الصدوق أصح ، فانّ المعروف أ نّه أضبط من

الشيخ ، كما أنّ الشيخ روى في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) وفي الاستبصار عن الباقر(3) (

عليه السلام) وهو سهو منه (قدس سره) والصحيح أ نّه مروي عن الصادق (عليه السلام) كما في

الفقيه ، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق صحيحتي زرارة، ومجرّد الغلبة الخارجية لنتف الإبطين

إذا نتف الإبط لايوجب الحمل على الإبطين ، فمقتضى خبري زرارة وجوب الشاة حتّى في نتف إبط

واحد ، ولكن يقابلهما خبر عبدالله بن جبلة الدال على الاطعام في نتف إبط واحد ، فلو قلنا بانجبار

خبر عبدالله بن جبلة بعمل المشهور ، أو اكتفينا في الوثاقة بوقوع الراوي في تفسير علي بن إبراهيم أو

في إسناد كامل الزيارات فالخـبر معتبر ، وإلاّ فالرواية ساقطة فلا بدّ من الالتزام بوجوب الشاة لنتف

الإبط الواحد ، ولكن قد التزمنا بصحّة خبر عبدالله ابن جبلة لوقوعه في إسناد كامل الزيارات ،

فيكون معارضاً لخبري

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 5 : 340 /  1177 .

(2) الفقيه 2 : 228 /  1079 .

(3) الاستبصار 2 : 199 /  675 .

ــ[470]ــ

زرارة الدالّين على الشاة في نتف إبط واحد حسب إطلاقهما ، وحيث لا يحتمل وجوب الشاة

ووجوب الاطعام معاً فمقتضى القاعدة كما عرفت هو الجمع بينهما بالحمل على الوجوب التخييري

بين الشاة والاطعام ، وبما أنّ الأمر دائر بين التعيين والتخيير فمقتضى الاحتياط هو التعيين بوجوب

الشاة ، فالاكتفاء عنها بالاطعام مما لا وجه له وخلاف للاحتياط .

   وقد يقال : إن صحيحتي زرارة واردتان في المتعمد ، وأمّا معتبرة عبدالله بن جبلة لم يؤخذ فيها

المتعمد ، وقانون الاطلاق والتقييد يقتضي حمل خبر عبدالله بن جبلة على غير العامد ، فالنتيجة تعين

الشاة على من نتف إبطاً واحداً متعمداً ، والاطعام على الجاهل والناسي .

   وفيه : أنّ المتعمد وإن لم يذكر في خبر عبدالله بن جبلة ، ولكن حمله على غير المتعمد مناف

للاطلاقات الكثيرة الدالّة على أ نّه لا شيء على الجاهل والناسي ، فيقيد خبر عبدالله بن جبلة بغير

الجاهل والناسي إذ لا شيء عليهما جزماً ، هذا أوّلاً .

   وثانياً : أنّ المتعمد صرّح به في صحيحتي زرارة وكذا الجاهل والناسي ، فكيف يمكن حمل خبر

عبدالله بن جبلة على الجاهل والناسي مع وقوع التصريح في الصحيحتين بان لا شيء على الجاهل

والناسي ، فيكون خبر عبدالله بن جبلة معارضاً للصحيحين على كل حال .

   فالصحيح ما ذكرناه من أنّ القاعدة تقتضي التخيير ، ولكن الشاة في نتف إبط واحد أحوط ، لأنّ

الأمر دائر بين التعيين والتخيير والتعيين أحوط ، ولذا ذكرنا في المتن وجوب الشاة في نتف الإبطين على

الجزم ووجوبها في نتف إبط واحد على الأحوط ، فتدبّر في المقام .

   بقي الكلام في جهات :

   الاُولى : ثبوت الكفّارة بالشاة يتوقف على صدق عنوان حلق الرأس ونتف الإبط ، فلو حلق بعض

رأسه أو نتف شيئاً من شعر إبطه لا تجب الكفّارة بالشاة ، لعدم صدق عنوان حلق الرأس أو نتف

الإبط .

ــ[471]ــ

   الثانية : المذكور في الروايات حلق الرأس ونتف الإبط ، فلو عكس الأمر فهل تشمله الروايات

الدالّة على الكفّارة ؟ الظاهر أ نّه لا خصوصية لذلك، فإنّ العبرة بإزالة الشعر بأيّ وجه كانت حلقاً

كانت أو نتفاً ، وإنّما ذكر الحلق للرأس والنتف للإبط للتعارف الخارجي ، فانّ الغالب في إزالة شعر

الرأس بالحلق .

  الثالثة : لو نتف أو حلق الشعر من غير هذين الموضعين كما إذا أخذ الشعر من لحيته أو من سائر

أعضائه مما ينبت فيه الشعر ، يجب عليه التصدق على المسكين ، وكذا لو أمرّ يده على رأسه أو لحيته

فسقط منه الشعرة أو الشعرتان وكان متعمداً في الامرار والمس ، وإن لم يكن متعمداً لاسقاط الشعر ،

فالواجب عليه في جميع هذه الموارد هو التصدق على المسكين ، ويدل على ذلك عدّة من الروايات ،

ففي بعضها أ نّه يطعم مسكيناً كما في صحيح الحلبي قال : «إن نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئاً

فعليه أن يطعم مسكيناً في يده» (1) . وفي بعضها «كفّاً من طعام أو كفّين» (2) ومن المعلوم أنّ

التخيير بين الزائد والناقص يقتضي حمل الزائد على الأفضلية ، وفي بعضها «يطعم شيئاً» (3) وفي

بعضها «فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق» (4) ولا يخفى أنّ السويق قسم من أنواع

الطعام فذكره من باب ذكر الخاص بعد العام ، وفي خبر الصدوق «بكف من كعك أو سويق» (5)

ولو صحّ خبر الصدوق فذكر الكعك من باب ذكر الخاص بعد العام : لكون الكعك نوعاً من الطعام

، وفي بعض الروايات يشتري بدرهم تمراً ويتصدق به ، فان تمرة خير من شعرة(6) . والتمر داخل في

عنوان الطعام ومن مصاديقه ، بل لو لم يكن خبر يدل على جواز التصدق به لكان جائزاً أيضاً لأ نّه من

أنواع الطعام ، وفي مرسلة الصدوق «مدّ من طعام أو كفّين» (7) .

   وكيف كان ، من مسّ لحيته أو عضواً آخر من سائر بدنه وسقط منه الشعرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 173 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 16 ح 9 .

(2) الوسائل 13 : 170 /  أبواب بقية كفارات الاحرام ب 16 ح 1 .

(3) ، (4) ، (5) ، (6) ، (7) الوسائل 13 : 171/ أبواب بقية كفارات الاحرام ب16 ح2، 5،

4، 3 . الفقيه 2 : 229/ 1089 و 1088 .

ــ[472]ــ

والشعرتان عليه الاطعام على مسكين ، وإن لم يكن متعمداً في إسقاط الشعر وإزالته .

   وبازاء هذه الروايات روايتان :

   الاُولى :  ما رواه الشيخ بسنده عن جعفر بن بشير والمفضل بن عمر ـ على نسخة الوسائل

والتهذيب ـ قال «دخل الساجبي (الساجي) على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال : ما تقول في محرم

مسّ لحيته فسقط منها شعرتان ؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : لو مسست لحيتي فسقط منها عشر

شعرات ما كان عليّ شيء» (1) والرواية بناءً على نسخة الوسائل والتهذيب الجديد صحيحة حتّى

على القول بضعف المفضل فانّ الراوي عن الصادق (عليه السلام) شخصان : أحدهما جعفر بن بشير

وهو ثقة بالاتفاق ، ولا يضر ضعف الراوي الآخر ، ولكن في الوافي روى عن جعفر بن بشير عن

المفضل بن عمر (2) ، فتكون الرواية ضعيفة لضعف المفضل عند المشهور ، والظاهر أن ما في الوافي

هو الصحيح كما في الاستبصار الجديد ج2 ص198 (3) لأن جعفر ابن بشير من أصحاب الرضا (

عليه السلام) ومات في سنة 208 ، ولم يكن له رواية عن الصادق (عليه السلام) إلاّ رواية واحدة ،

ولو كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) لم تكن روايته منحصرة بالواحدة ، بل من المطمأن به أن

تلك الرواية الواحدة فيها إرسال للفصل الكثير بينه وبين الصادق (عليه السلام) بستّين سنة ، فانّ

الصادق (عليه السلام) توفي في سنة 148 ، وجعفر بن بشير في سنة 208 .

 ويؤيّد ما في الوافي أ نّه لو كان الراوي عن الإمام (عليه السلام) جعفر والمفضل معاً لذكر في الرواية

«قالا دخل الساجبي» لا «قال» بالإفراد ، ولكن الرواية عندنا موثقة على كل حال ، لأنّ المفضل ثقة

على المختار ، بل من الأجلاء ، وإليه ينسب الكتاب المعروف بتوحيد المفضل الّذي عبّر عنه النجاشي

بكتاب فكّر(4) ، وقلنا بأن كلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 13 : 172 / أبواب بقية كفارات الاحرام ب 16 ح 7 . التهذيب 5 : 339 /

1173 .

(2) الوافي 12 : 646 /  12833 .

(3) الاستبصار 2 : 198 /  671 .

(4) رجال النجاشي : 416  [ 1112 ] .

ــ[473]ــ

   مسألة 261 : لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه وما لم يدمه ، وكذلك البدن ،

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

النجاشي غير ظاهر في تضعيفه من حيث النقل والإخبار ، وحملنا ما ورد في ذمّه على ما ورد في ذم

زرارة ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأمثالهم ، والتفصيل في معجم الرجال(1) فتكون الرواية

معتبرة ، ولكن الدلالة مخدوشة ، لامكان حملها على نفي الكفّارات المتعارفة من الدم والشاة . بل

يمكن أن يقال : إنّ الرواية بالعموم تدل على أ نّه ليس في سقوط الشعر شيء ، ومقتضى الجمع بينها

وبين تلك الروايات المتضافرة أ نّه ليس عليه شيء من الكفّارات إلاّ التصدق بكف من الطعام ونحو

ذلك ، فلا منافاة في البين .

   الرواية الثانية :  عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن

رجل يتناول لحيته وهو محرم يعبث بها فينتف منها الطاقات يبقين في يده ، خطأ أو عمداً ، فقال : لا

يضرّه» (2) .

   والجواب : أنّ الرواية ضعيفة بمفضل بن صالح وهو أبو جميلة الأسدي النخاس ، وقد ضعّفه

النجاشي صريحاً في ترجمة جابر بن يزيد(3) على أن قوله : «لا يضره» غير صريح في عدم ثبوت

الكفّارة .

   وبالجملة : لا ينبغي الريب في ثبوت التصدق باسقاط الشعر بأيّ وجه كان .

   نعم ، يستثنى من ذلك خصوص المتوضئ الّذي يسقط منه الشعر حال إسباغ الوضوء ، فقد ورد في

حقّه أ نّه ليس عليه شيء للحرج المنفي في الشريعة .

   ثمّ إنّ الكفّارة الثابتة إنّما تلزم في حلق رأس نفسه أو نتف إبطه مباشرة كان أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معجم الرجال 19 : 317 .

(2) الوسائل 13 : 172 /  أبواب بقية كفّارات الاحرام  ب 16 ح 8 .

(3) رجال النجاشي : 128  [ 332 ] .

ــ[474]ــ

وإذا أمرّ المحرم يده على رأسه أو لحيته عبثاً فسقطت شعرة أو شعرتان فليتصدق بكف من طعام ، وأمّا

إذا كان في الوضوء ونحوه فلا شيء عليه (1) .
ــــــــــــــ

ــــــ

تسبيباً كما هو الغالب في حلق الرأس .

   وأمّا إذا حلق رأس غيره أو نتف شعر غيره فلا يترتب عليه الكفّارة وإن كان حراماً ، إذ لا دليل

على الكفّارة بالنسبة إلى حلق رأس غيره أو أخذ الشعر منه ، ولا يمكن الحكم بوجوب الكفّارة بلا

دليل .

   (1) قد عرفت الأحكام المذكورة في هذه المسألة من مطاوي ما ذكرناه في المسألة السابقة ، وذكرنا

الأخبار الواردة في المقام في تلك المسألة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الرسائل العملية
  • كتب أخرى
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net